يبدو أن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي يريد اختلاق أزمة مع مطرب المهرجانات الشعبية "عمر كمال" في أعقاب تصريحاته في السعودية عندما سئل عن سبب تغييره كلمات أغنية "بنت الجيران" من "خمور وحشيش" إلى "تمور وحليب" عندما أدى الأغنية في السعودية، فبرر ذلك بقوله: « خليتها (جعلتها) تمور وحليب بدل من خمور وحشيش عشان أنا (لأنني) واقف على أرض البلد الطاهرة». وأغنية "بنت الجيران" يؤديها "حسن شاكوش" و"عمر كمال" منذ أواخر 2019، ونالت انتشارا واسعا في مصر ودول أخرى عديدة.

البداية جاءت من المطرب هاني شاكر، رئيس نقابة المهن الموسيقية، إذ قررت النقابة إحالة "عمر كمال" مطرب أغنية "بنت الجيران" الشهيرة. من جهة أخرى، تقدم "سمير صبري"، المحامي المعروف بقربه من أجهزة السيسي الأمنية، ببلاغ في نفس اليوم إلى النائب العام ضد "عمر كمال" بتهمة "إساءته للأرض المصرية أثناء إحياء حفلة بمدينة الرياض السعودية"، وأضاف أن حديث "كمال" عن سبب تغييره في كلمات الأغنية جاء "بعدما سبق وأن غنى تلك الأغنية بكلماتها الأصلية في أرض مصر، وهو ما يسيء إلى بلادنا، وكأنها هي أرض الخمور والحشيش". ودعا المحامي إلى إصدار أمر بالتحقيق مع "كمال"، وإحالته إلى المحاكمة الجنائية العاجلة.

 

دلالات وملاحظات

الرسالة الأولى تؤكد أن تصريحات عمر كمال أغضبت نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي، وليس تصرف نقابة المهن الموسيقية ونقيبها هاني شاكر الذي أحال عمر كمال للتحقيق هو البرهان على ذلك؛ لأن موقف هاني شاكر ــ للحق ــ كان موقفا مبدئيا منذ خروج  الأغنية للفضاء العام في 2019م؛ حيث طالب بحذف عبارة "خمور وحشيش" لتصادمها مع القيم والأخلاق،  كما أنه قرر في نوفمبر 2021م منع 19 "مؤديا" لما تُعرف في مصر "بأغاني المهرجانات" من الغناء، وهو ما أثار جدلا وسجالا مع رجل الأعمال القبطي المثير للجدل "نجيب ساويرس". لكن الدليل على ذلك هو بلاغ المحامي سمير صبري؛ ذلك أن التجارب السابقة تبرهن على أن هذا المحامي لا يتحرك من تلقاء نفسه بل بأوامر وتوجيهات مباشرة من جهاز أمني؛ بما يعني أن النظام قرر معاقبة المطرب على تصريحاته رغم أن عمر كمال وحسن شاكوش قدما هذه الأغنية في حفلات سابقة للسيسي في استاد القاهرة. كما أن النظام أسبغ على مطربي المهرجانات  حمايته من ملاحقة النقابة لهم منذ سنوات.

الرسالة الثانية، لا يعني توجهات النظام نحو معاقبة عمر كمال على تصريحاته في السعودية والتي يفهم منها أن أرض مصر ليست طاهرة وهي وكر للخمور والحشيش وبالتالي الرذيلة والفاحشة، لا يعني ذلك مطلقا أن النظام سوف يتوقف عن دعم ما تسمى بأغاني المهرجانات وهي الظاهرة التي طفت على السطح مؤخرا في سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م؛ ذلك أن النظام أسبغ حمايته على هذه الظاهرة وساهم في نموها وانتشارها من خلال استضافة أشهر مطربي المهرجانات الشعبية في حفلات لرئيس النظام. ورغم أن هذه الأغاني توصف بالهابطة بخلاف ما اشتهرت به مصر من مطربين عالميين حظوا بشهرة واسعة وتراث غنائي ضخم له  جمهور واسع مثل "أم كلثوم" (1898ـ 1975) و"محمد عبد الوهاب" (1898-1991) و"عبد الحليم حافظ" (1929-1977)، لكن النظام سيواصل دعمه لهذه الأغاني الهابطة ويعمل على انتشارها ليس لأسباب فنية وخلو الساحة من مطربين أفذاذ يقدمون أعمالا راقية للجمهور، ولكن لأسباب سياسية تتعلق بتشجيع النظام كل ما يدعو إلى انغماس الشباب والمواطنين في اللهو بدلا من انشغالهم بأمور السياسة ومحاسبة النظام على تدهور الأوضاع بشكل حاد خلال السنوات الماضية.

الملاحظة الثالثة، أنه لا يعرف عن عمر كمال أنه واعظ أو شيخ؛ لكنه للحق قدَّم لحكام السعودية ومصر موعظة حسنة في ظل اعتقال الآلاف من العلماء الربانيين والدعاة إلى الله في سجون النظامين ظلما وزورا؛ فتصريحات عمر كمال تنبه النظام السعودي إلى خطورة توجهاته الرامية إلى تغيير الهوية الإسلامية لبلاد الحرمين، ونشر الفسوق والمجون والخلاعة؛ فلما خلت الساحة من الدعاة الناصحين جاءت النصيحة من مطرب مهرجانات شعبية؛  ليذكرهم بأن بلادهم هي أرض طاهرة تضم الحرمين الشريفين وعلى أرضها آثار خطوات رسول الله صلى  الله عليه وسلم؛ فلا  يليق بمن هذا أصلهم أن ينجروا إلى اللهو والعبث والمجون والخلاعة. فهل يمكن لهذه الموعظة الحسنة أن تجد لدى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان جهاز استقبال يدرك جوهرها ومعناها الحقيقي؟ أم يظل في لهوه يكابر دون خوف أو  خشية من حساب الله؟

الملاحظة الرابعة، أن تصريحات عمر كمال تنبه النظام العسكري في مصر أن المصريين حتى المقربين منهم باتوا لا ينظرون إلى مصر بوصفها أرضا لها كرامة ومكانة بقدر ما تحولت إلى وكر للخمور والحشيش والرقص؛ ذلك أن النظام العسكري منذ عقود طويلة لا هم له سوى نشر الفاحشة في المجتمع بتسهليها ودعمها بشتى الطرق والوسائل؛ ألا يعلمون أن الله توعد من ينشرون الفاحشة بين المؤمنين بعذاب أليم في الدنيا والآخرة؟  فهل يمكن أن يدركوا خطورة ما يفعلون على مستقبل مصر وتدمير أعز ما تملك وهم شبابها الذين باتوا محبطين يائسين يعصف. بهم الفقر وتنسفهم البطالة و تلقي بهم كثير  مما تسى بالأعمال الفنية في أكار الجريمة والرذيلة؟

الملاحظة الخامسة، يجب التنويه إلى أن هذه الموقف المحترم من عمر كمال ليس الأول من نوعه؛ ففي مارس 2020م، عندما أشاد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي "أفيخاي أدرعي" بأغنية "بنت الجيران" ووصفها بالعمل الفني الإبداعي، رد عليه عمر كمال بأنه لا يريد منه أن يسمع أغانيه ولا يرحب بثناء أفيخاي أدرعي على أعمال الفنية، وهو موقف يدل على وعي وفهم وانتماء أصيل لمصر وفلسطين والعروبة. هذا الثناء من جانبينا لا يعني مطلقا قبولا بأغاني المهرجانات وما تقدمه من فن هابط هو للأسف انعكاس لحالة الهبوط المستمر للمجتمع كله؛ ولكنه الإنصاف والعدل؛ فرغم أن القرآن فضح  أهل الكتاب من اليهود والنصاري لكنه في ذات الوقت قال "ليسوا سواء" فمدح فريقا منهم وذم آخرين. إنه الإنصاف حتى مع المناوئين والمهرجين.

Facebook Comments