في صدمة كبيرة تتضاءل أمامها عظائم الجرائم تداول نشطاء مقطع فيديو يظهر عناصر من ميلشيات “حميدتي” الموالية للإمارات، وهي تجمع النساء والفتيات وحتى الأطفال في صفوف وتسوقهن إلى مراكز الاعتقال والتعذيب والاغتصاب، ووسط الصريخ والنحيب والبكاء والتوسل يطلب أحد عناصر الميلشيات من إحدى الضحايا وهو يخنقها متحرشا بجسدها أن تردد خلفه “قولي عسكرية”.
وبينما ينشغل العالم بحسرة وفزع ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، خرجت كلثوم، ربة بيت، من سكنها في أحد أحياء مدينة الجنينة للبحث عن حطب الوقود خارج نطاق الحي السكني، غير أن مشوارها تحول إلى جحيم كما تقول، إذ اعترض طريقها أربعة من عناصر قوات الدعم السريع الذين ينتشرون في المنطقة، واقتادوها تحت تهديد السلاح تحت إحدى الأشجار وبدأوا في اغتصابها بالتناوب.
تقول كلثوم، بصوت يعتصره الألم والخوف: إنها “عاشت لحظات قاسية للغاية، كان يوما عصيبا بالنسبة لي، كثيرا ما سمعت من النساء عن قصص الاغتصاب التي يروينها، لكنني لم أكن أتوقع يوما أن أكون أنا الضحية”.
وتابعت وهي تغالب دموعها: “كانوا وحشيين للغاية، تناوبوا على اغتصابي تحت الشجرة التي جئت لأخذ الحطب منها، أسمعوني كلمات نابية وعنصرية، وطلبوا مني مغادرة المدينة لأنها تابعة للعرب”.
تتحدث كلثوم من خارج مدينتها بعد أن اضطرت للهرب منها مع أسرتها المكونة من خمسة أطفال وزوج مريض، وتقول: إنها “تتلقى الرعاية الصحية في مركز متواضع في المكان الذي تقيم فيه، ولكنها تؤكد أنها لن تنسى ما حدث لها وستظل ما وصفتها بوصمة العار تلاحقها مثل ظلها”.
وشهدت مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مثلما حدث في معظم المدن الكبرى في دارفور والعاصمة الخرطوم، غير أن أحداث العنف في الجنينة اتخذت طابعا اثنيا وشهدت قتلا على الهوية كما أكدت الأمم المتحدة التي يقول مبعوثها إلى السودان، فولكر بيرتس، إنه تلقى تقارير موثوقة تشير إلى أن قوات الدعم السريع التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو قد ارتكبت انتهاكات خطيرة تشمل القتل على الهوية والعنف الجنسي، قائلا إن هذه الأفعال ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
لم تكن هذه المرة الأولى التي توجه فيها أصابع الاتهام لقوات الدعم السريع بالضلوع في ارتكاب جرائم الاغتصاب، فقد اتهمت تلك القوات بارتكاب هذه الجرائم خلال مشاركتها في الحرب في إقليم دارفور في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، كما لاحقت الاتهامات عناصر من هذه القوة مع قوات نظامية أخرى بالقيام باغتصاب فتيات خلال فض اعتصام المحتجين أمام قيادة الجيش في يونيو من عام 2019.
خلال الحرب المستمرة حاليا بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في مدن العاصمة الخرطوم برز اسم قوات الدعم السريع مرة أخرى مقرونا بارتكاب عمليات اغتصاب واعتداء جنسي. وأكدت منظمات حقوقية دولية وإقليمية ومحلية ضلوع عناصر من قوات الدعم السريع في عمليات اغتصاب وعنف جنسي في مناطق سيطرتها.
وفي هذا الصدد، أكد فولكر ترك مفوض حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن أكثر من 50 امرأة وفتاة تعرضن للعنف الجنسي والاغتصاب، وأضاف خلال إحاطة لمجلس حقوق الإنسان في يونيو الماضي أن الجناة في جميع الحالات تقريبا كانوا من قوات الدعم السريع.
وفي مطلع شهر يوليو أكدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل السودانية أن عدد النساء اللائي تعرضن للاغتصاب وصل إلى نحو 90، معظمهن في الخرطوم والجنينة ونيالا، وقالت في بيان إن معظم إفادات الضحايا والبلاغات الجنائية كانت ضد قوات الدعم السريع.
وفي سبتمبر 2021، بدأت الإمارات العربية المتحدة بالتحول في السياسة الخارجية، حيث تقارب محمد بن زايد مع تركيا وقطر، وبدأت الإمارات تقييما استراتيجيا في سياستها من تمويل وتنظيم انقلابات، أو محاولتها في اليمن وسوريا ومصر وليبيا وتونس.
وتساءلت عن المكاسب التي حصلت عليها منها، بالتأكيد لا شيء، وبخاصة من أمثال عبدالفتاح السيسي في مصر وخليفة حفتر في ليبيا، اللذين مثلا خسارة كبيرة لداعميهم في الخليج، وفي هذا الوقت قالت إنها ستنشر تأثيرها عبر التجارة وليس عبر الانقلابات.
يقول: “من النادر أن يغيّر النمر بقع جلده، وسألت مسؤولا في الشرق الأوسط على معرفة وثيقة بطريقة عمل الأخوة الثلاثة، محمد وطحنون ومنصور بن زايد، فقال إنهم يغيرون الأساليب”.
من جانبه، يقول رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” البريطاني ديفيد هيرست إنه كان يشك في تخلي الإمارات عن القوة الصلبة مقابل بدائل ناعمة، والسودان يثبت أنه ليس استثاء، فلا يعقل أن يكون حميدتي شن هجومه ضد البرهان من دون ضوء أخضر من الإمارات، ولسبب واحد فأمواله مقيدة هناك ومصرفه هناك وتعمل صفحته على فيسبوك من هناك، إلى جانب11 مصنعا لتكرير الذهب في الإمارات التي تعتبر عصب تجارة حميدتي، حيث يتم صهر الذهب المسروق من السودان، ومن ثم تبييض الحديد الثمين وبيعه في الأسواق الدولية عبر سوق الذهب.
وربما غامر منصور بن زايد، نائب الرئيس، بالكثير من مفاصل النفوذ على حميدتي لكي يقوم بإثارة استيائهم، وربما اعتبر محمد بن زايد أنه يستطيع التربح من الفوضى في السودان، سواء استطاع حميدتي الإطاحة بالبرهان أم لا، وربما أقنع كما في حالة حفتر أن العملية ستكون سريعة وانقلابا أبيض ينفذ في مدى ساعات، أين سمعنا هذه الكلمات من قبل، لكن حميدتي وحفتر كادا ينجحان.
إلا أن الدعم الإماراتي لحميدتي وضع مصر في مأزق، فهي الجار القريب والمالك السابق لأكثر من قرن. وارتبط الجيش السوداني والمصري بنفس الوشيجة، وترتبط المؤسسات بطريقة توثقها بشدة، في الوقت الذي أعلن فيه حميدتي عن هجومه، كان هناك حوالي 250 عسكريا مصريا، بمن فيهم طيارون وطائرات في قاعدة مروي الجوية ومناطق أخرى في السودان.
وكان الهدف من وجودهم إرسال رسالة إلى إثيوبيا بأن مصر والسودان متحدان في المعارضة لسد النهضة العظيم الذي يحرم النيل من الماء، ولم يشاركوا في القتال، وتم أسر بعضهم كرهائن على يد قوات الدعم السريع ودمرت طائراتهم.