تعيش مصر أجواء ملتبسة ، حول مستقبل الجنيه المصري وحقيقة الوضع المالي للدولة المصرية، التي تقترب من إعلان الإفلاس، في ظل ارتفاع حجم الأموال الساحنة بمصر إلى 34 مليار دولار، تستعد للهروب من مصر.
وقد أخبر رؤساء بنوك وقيادات مصرفية وسائل إعلام محلية ، مساء الأربعاء، بفرض البنك المركزي حدودا قصوى على السحب بالنقد الأجنبي، وقد أحدثت تصريحات المسؤولين ارتباكا في الأسواق، دفعت إدارة البنك المركزي إلى إصدار بيان زاد الأمر غموضا، بنفيه إلزام البنوك بوضع حدود قصوى على السحب النقدي، مع تأكيده أن وضع حدود قصوى للسحب النقدي اليومي والشهري بالعملات الأجنبية متروك لكل بنك على حدة، وفقا للسياسات المعتمدة من مجلس إدارته.
كما شدد بيان البنك المركزي، الذي وزع في ساعة متأخرة مساء الأربعاء، على رفع الحد الأقصى لعمليات السحب النقدي اليومية بالعملة المحلية من 150 ألفا إلى 250 ألف جنيه، ومن 20 ألفا إلى 30 ألف جنيه من ماكينات الصرف الآلي، التي قررها في 15 إبريل الماضي، من دون ذكر لحدود السحب بالدولار، واكبه تصريح لرئيس اتحاد البنوك ورئيس بنك مصر محمد الإتربي بأن حدود السحب النقدي بالدولار في البنك الذي يرأسه معروضة على مجلس الإدارة للمناقشة الأسبوع المقبل، ووصف الإتربي الحدود المقترحة في تصريحات متلفزة بأنها ستكون مريحة جدا للأفراد والشركات.
وقد أحدثت تصريحات رئيس اتحاد البنوك ارتباكا في سوق المعاملات المالية، أدت إلى رفع أسعار صرف الدولار في السوق الموازية، وسوق الذهب، بنحو 40 قرشا عن السوق الرسمية، في وقت يتعرض فيه الدولار إلى هبوط حاد مقابل باقي العملات الرئيسية متأثرا بتوقعات حول تراجع سعر الفائدة في البنك الفيدرالي الأميركي، وزيادة تاريخية في سعر الذهب، حيث تجاوز سعر الأونصة 2574.5 دولارا.
ووفق اقتصاديين، فإن التصريحات المتعددة لقيادات الجهاز المصرفي للدولة، تؤكد أن الدولة تواجه أزمة بالعملة الصعبة، وأن الحدود تستهدف تحجيم خروج الدولار من البنوك أو تحويله للخارج.
ويحذر خبراء من عدم وضوح الرؤية لدى البنك المركزي، ما يدفعه إلى التدخل لدى البنوك في تحديد سقف يومي أو شهري لصرف الدولار، الأمر الذي يدفع المتعاملين إلى البحث عنه في السوق السوداء من جديد، ويعطي انطباعا سيئا للمستثمرين بأن البنوك ستكون غير قادرة على تدبير أموالهم التي يريدون إخراجها من مصر عند حاجتهم إليها في الوقت الذي يناسبهم.
وفي السياق نفسه، ووفق تقديرات اقتصادية ، فإنه في ظل الأزمة الحاليةة قد تتجه الحكومة لتدبير احتياجاتها الدولارية من الأموال الساخنة، عبر زيادة الفائدة على أدوات الدين الحكومية، ممن السندات وأذون الخزانة.
وهو ما ينذر بكارثة محققة، إذ إن سهولة دخول وخروج تلك الأموال، خلال فترة وجيزة، يمكن أن تُظهر عورات الاقتصاد بسرعة، وأزمة سيولة دولارية حادة، أسوة بما حدث عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، الأمر الذي أدى إلى سحب البنك المركزي من حسابات المودعين من البنوك لتأمين الدولار أمام المستثمرين المغامرين بأدوات الدين المحلية.
ووفق الخبير المصرفي د.رشاد عبده، فإن رفع معدل الفائدة إلى معدلات مغرية جدا أمام الأموال الساخنة، في الآونة الأخيرة، يعني عودة الحكومة إلى نفس المسار الذي تضررت منه من قبل، حرصا منها على جذب الاستثمار الأجنبي غير المباشر، ما يعرض الاقتصاد الذي أنقذته صفقة بيع أرض رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، ليقع في نفس الحفرة للمرة الثالثة خلال 32 شهرا، في غضون ذلك، اقترب سعر العائد على أذون الخزانة إلى مستوياته القياسية التي سادت قبل إتمام صفقة رأس الحكمة في مارس 2024، عند حدود 30.205% ليصل إلى 30% بداية الأسبوع.
وقد تخطى سعر العائد على أذون الخزانة المصرية لأجل 91 يوما بعطاء الأحد 18 أغسطس الجاري 29%، ولأجل 3 أشهر 29.06% بزيادة 0.724% عن الأسبوع الماضي، وفقا لبيانات البنك المركزي، في المقابل، أظهرت بيانات المركزي ارتفاع حصيلة استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بنحو 140%، لترتفع من 13.6 مليار دولار في فبراير 2024 إلى 32.7 مليار دولار في مارس الماضي، عقب تعويم رابع للجنيه أدى إلى تراجع في قيمته بنحو 50% مقابل الدولار والعملات الصعبة.
ويؤكد محللون ماليون ارتفاع دائرة وجود الأموال الساخنة في السوق المحلية لتصل إلى نحو 43 مليار دولار الشهر الجاري، مستفيدة من العوائد المرتفعة، مؤكدين خطورة استمرار تلك الظاهرة في حالة خروجها المفاجئ من السوق، وضغوطها على الطلب على النقد الأجنبي من البنوك المحلية، وتحتل مصر المرتبة الخامسة عالميا ضمن الدول صاحبة أعلى سعر للفائدة منذ مارس 2024، بعد فنزويلا وتركيا والأرجنتين وإيران، واكبها تراجع حاد في قيمة الجنيه مقابل الدولار من 31 إلى حدود 50 جنيها، مستهدفة عودة الأموال الساخنة إلى مصر، في ظاهرة يرى خبراء اقتصاد أنها مستمرة بلا ضوابط، ما يجعل الاقتصاد عرضة للهزات الخارجية وفقاعات الأموال الساخنة والأزمات المالية المترتبة عنها.
وهكذا يدير العسكر الاقتصاد المصري نحو خراب مؤكد.
