بقرار جديد نُشر في الجريدة الرسمية، دخلت مساحة تقدر بحوالي 25 ألف متر مربع من الأراضي المطلة على نهر النيل في نطاق محافظة الجيزة إلى دائرة نزع الملكية، بدعوى استكمال مشروع “ممشى أهل مصر” والمتنزهات النيلية. القرار يستند إلى قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، ويضع هذه المساحة تحت يد الدولة ممثلة في وزارة الإسكان والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، مع نقل حق الانتفاع في أجزاء واسعة من الأصول النيلية إلى صندوق مصر السيادي، وفق ما سبق أن أعلنته الحكومة في قرارات متفرقة مرتبطة بالمشروع نفسه. على الورق، يبدو القرار امتدادًا لخطة تطوير الواجهة النيلية، لكن عند التدقيق في السياق الأوسع، تتضح ملامح مسار مستمر لإعادة توزيع ملكية الشريط النهري لصالح كيانات جديدة، وسط تكتم واضح على هوية المنتفعين الفعليين.
اللافت في القرار الأخير أنه، كغيره من القرارات المشابهة، لم ينشر أي قائمة تفصيلية بأسماء الملاك المتضررين. غير أن تتبع قرارات نزع ملكية وإزالة سابقة على نفس الشريط النيلي، إلى جانب أحكام قضائية وتقارير رقابية، يسمح برسم صورة تقريبية عن طبيعة هذه الملكيات. في قرارات سابقة على الامتداد نفسه، ظهرت أسماء ورثة رجال أعمال كبار من حقبة مبارك، وشركات استثمار سياحي تمتلك مراسي ومطاعم نيلية، وبعض المستثمرين الخليجيين الذين يمتلكون منشآت سياحية أو فيلات مطلة على النيل. هذه الأسماء لم تظهر في قرار واحد صريح، لكنها تكررت في محاضر حصر، وقرارات إزالة، وقضايا تعويض، ما يجعل من المنطقي افتراض أن القرار الجديد يمس نفس الطبقة من الملاك: رجال أعمال تقليديون، مستثمرون خليجيون، وملاك عقارات نيلية قديمة فقدوا تدريجيًا قدرتهم على حماية أصولهم أمام موجة “التطوير السيادي”.
الشريط الذهبي… من واجهة مدينة إلى حقل استثمار مغلق
المنطقة المستهدفة ليست مجرد شريط عشوائي على النيل، بل جزء يمكن وصفه بـ“الشريط الذهبي” الممتد بين العجوزة والدقي والمنيل، وهي مناطق تمثل أعلى شرائح القيمة العقارية في القاهرة الكبرى، وأكثرها جذبًا للاستثمار الفندقي والسياحي. تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات خلال السنوات الأخيرة أشارت إلى وجود عشرات المنشآت النيلية المخالفة أو غير المرخصة، وإلى أن نسبة كبيرة من المراسي تعمل دون سند قانوني، مع تقديرات بمليارات الجنيهات كقيمة لمخالفات وتعديات على مجرى النهر. هذه التقارير استُخدمت كغطاء رقابي لتبرير موجة واسعة من الإزالات وإعادة التنظيم، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام سؤال آخر: من سيستفيد من إعادة توزيع هذه المساحات بعد إزالة المخالفات؟
بالتوازي، أعلنت وزارة الإسكان أن مشروع ممشى أهل مصر يستهدف عشرات الكيلومترات على ضفتي النيل، منها جزء كبير في الجيزة، ما يعني أن نزع الملكية ليس قرارًا معزولًا، بل حلقة في خطة معلنة لإعادة تشكيل واجهة النيل بالكامل. غير أن ما يُعلن للجمهور هو فقط الشعار العام: “ممشى أهل مصر”، بينما تبقى تفاصيل العقود، وهوية الشركاء، وطبيعة المشروعات التجارية والسياحية التي ستقام على هذه الأراضي، خارج نطاق الشفافية.
صندوق مصر السيادي والهيئة الهندسية… اللاعبان المركزيان
المستفيد الأول من هذه العملية، وفق ما هو منشور رسميًا، هو الدولة بمؤسساتها الاقتصادية الجديدة، وعلى رأسها صندوق مصر السيادي. الحكومة أعلنت في أكثر من مناسبة نقل حق الانتفاع بعدد من الأصول النيلية إلى الصندوق، ليعيد استثمارها بالشراكة مع مستثمرين محليين وخليجيين. بالفعل، وقع الصندوق اتفاقات مع كيانات إماراتية وسعودية كبرى، ومع شركات تطوير عقاري مصرية، للاستثمار في الفنادق والمراسي والمشروعات السياحية على النيل. هذا يعني أن نزع الملكية يفتح الباب أمام إعادة طرح هذه الأراضي في صورة مشروعات استثمارية جديدة، بعقود شراكة طويلة الأجل، تعود عوائدها للصندوق وشركائه، بينما يخرج الملاك القدامى من المعادلة بتعويضات غالبًا ما تكون أقل من القيمة السوقية الحقيقية.
الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تظهر بدورها كمنفذ رئيسي للمشروع، إذ تتولى تنفيذ مراحل ممشى أهل مصر، وتحصل على مخصصات مالية ضخمة من الموازنة العامة لهذا الغرض. هذا التمويل، إلى جانب نقل الأصول إلى الصندوق السيادي، يعكس نمطًا واضحًا في إدارة الأصول العامة: نزع ملكية من الأفراد والكيانات القديمة، ثم إعادة توظيف الأصول في مشروعات جديدة تحت سيطرة مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية، في بنية مغلقة لا تسمح بمنافسة حقيقية أو شفافية كاملة حول شروط الاستثمار.
قرارات سيادية على ضفاف النيل… الجامعات والأندية والحدائق تدفع الثمن
قرار نزع ملكية 25 ألف متر في الجيزة لا يمكن فصله عن موجة قرارات “سيادية” أخرى طالت مباني جامعية وأندية وحدائق عامة على ضفاف النيل في القاهرة. فقد فشلت محاولات نواب في البرلمان وأساتذة جامعيين في وقف قرارات حكومية تقضي بإخلاء مبانٍ تابعة لجامعة القاهرة وأندية لأعضاء هيئة التدريس والقضاة، إضافة إلى حدائق عامة عمرها عقود. هذه المساحات تقع ضمن أراضي “طرح النهر” التي نُقلت ملكيتها إلى جهاز إدارة أراضي القوات المسلحة، في خطوة فتحت الباب أمام مشروعات غير معلنة حتى الآن، وأخرجت مؤسسات مدنية عريقة من واجهة النيل.
ولامتصاص موجة الانتقادات، لجأت الحكومة إلى حل بديل تمثل في إخلاء حديقة الفنون العامة في منيل الروضة، المقامة على مساحة 30 ألف متر مربع، لتخصيص 10 آلاف متر منها لإنشاء مقرات بديلة لأندية مجلس الدولة والنيابة الإدارية وأعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة، على أن يتم الانتهاء من هذه المنشآت خلال ثلاثة أشهر فقط. في الوقت نفسه، سمحت الأجهزة السيادية لجامعة حلوان بالإبقاء مؤقتًا على طلاب كلية السياحة والفنادق حتى انتهاء امتحانات منتصف العام، قبل إزالة مبنى الكلية بالكامل، وهو مبنى ضخم مكوّن من سبعة طوابق على مساحة 25 ألف متر مربع، ونقل الكلية إلى حرم الجامعة في حلوان، بعيدًا عن النيل.
بالتوازي، أُزيلت المنشآت التجارية داخل حديقة أم كلثوم العامة، وجرى توزيع العاملين على حدائق أخرى، بينما مُنحت الشركة الوطنية للأراضي، التابعة لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، حق إزالة جميع المنشآت المبنية والمنزوعة الملكية على مساحة تُقدّر بنحو 90 ألف متر مربع. التنفيذ لم يخلُ من ارتباك، إذ رفضت الشركة استلام عهدة الموظفين المسئولين عن تصفية الأصول، واشترطت استلام الأرض خالية تمامًا من أي منشآت أو معدات أو محطات تقوية إرسال الهواتف المحمولة، رغم أن هذه المحطات تعمل بموافقات أمنية رسمية.
المتضررون الصامتون… من رجال الأعمال إلى الجامعات والمرضى
على الجانب الآخر، هناك متضررون واضحون، حتى لو لم تُعلن أسماؤهم في القرارات الأخيرة. قضايا سابقة لنزع ملكية على النيل أظهرت أن رجال أعمال مصريين، ومستثمرين خليجيين صغارًا ومتوسطين، ونواديَ ومطاعم نيلية، واجهوا قرارات إزالة أو نزع ملكية، وحاول بعضهم الطعن أمام القضاء. أغلب هذه القضايا انتهى بتثبيت قرارات النزع، مع تعويضات أقل من القيمة السوقية الحقيقية للأراضي النيلية، ما يُعزز الانطباع بأن الدولة تعيد توزيع الأصول لمصلحة لاعبين جدد، على حساب ملاك قدامى فقدوا جزءًا من نفوذهم الاقتصادي والسياسي.
الأثر لم يتوقف عند رجال الأعمال والمستثمرين، بل امتد إلى مؤسسات تعليمية وصحية. فعمليات الإخلاء والهدم خلقت حالة من الفوضى في المنطقة المحيطة بمستشفى قصر العيني التابع لجامعة القاهرة، أحد أكبر المستشفيات الحكومية في البلاد، الذي يضم نحو 4200 سرير ويستقبل حالات الطوارئ والأمراض الخطيرة من مختلف المحافظات. الاضطراب في حركة المرور، وإعادة توزيع المساحات، أثرا على وصول المرضى وسيارات الإسعاف، وأثارا مخاوف من تأثيرات أوسع على الخدمات الصحية في المنطقة.
تكتم على الأسماء… وقانون يشرعن الغموض
من المهم فهم أن عدم نشر الأسماء في الجريدة الرسمية ليس مجرد اختيار سياسي، بل هو ما ينص عليه قانون نزع الملكية، الذي يكتفي بنشر القرار العام، بينما تُخطر كل جهة أو مالك على حدة عبر لجان الحصر والتعويض. لذلك، من يريد تتبع الأسماء بدقة يحتاج إلى الرجوع لمحاضر اللجان، أو أحكام المحاكم، أو قرارات الإزالة السابقة، وليس فقط إلى نص القرار المنشور. هذا الإطار القانوني يمنح الدولة غطاءً رسميًا لإعادة توزيع واحدة من أثمن واجهات البلاد العقارية، دون أن يعرف الرأي العام من خسر ماذا، ومن ربح ماذا، ومن يقف في النهاية على قمة هرم المنتفعين.
في الخلاصة، ما يمكن قوله بثقة هو أن قرار نزع ملكية 25 ألف متر على النيل في الجيزة جزء من مسار مستمر منذ سنوات، هدفه إعادة تشكيل واجهة النيل وتحويلها إلى مورد استثماري مركزي تحت سيطرة الدولة وصندوقها السيادي وشركائه. المستفيدون الحقيقيون هم هذه الكيانات الجديدة وشركات التطوير العقاري الكبرى المتحالفة معها، بينما المتضررون هم الملاك الحاليون، سواء كانوا رجال أعمال مصريين أو مستثمرين خليجيين أو مؤسسات جامعية وحدائق عامة ومرافق صحية. أي حديث أبعد من ذلك عن “من وراء القرار” أو “من سيحصل على ماذا” يحتاج إلى مستندات إضافية: عقود تخصيص، خرائط تفصيلية، أو أحكام قضائية جديدة، وإلا يتحول من تحليل إلى مجرد ظن في مشهد يغلب عليه التعتيم المتعمد.