تشهد منطقة القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر في منتصف 2026 إعادة تشكيل كاملة لخارطة التحالفات والصراعات الجيوسياسية، بعد تحركات استخباراتية ودبلوماسية مكثفة من الكيان الصهيوني وحلفاؤه في أبوظبي وأديس أبابا لإعادة ترتيب أوراق البحر الأحمر.
وفي مايو 2026، أعلنت واشنطن عن وثيقة لرفع العقوبات عن إريتريا وافتتاح سفارتها في أسمرة، وهو تحرك ناعم يهدف لإيجاد موطئ قدم وتوازن جديد في المنطقة، في وقت أعلن الكيان التحالف مع الكيان المنشق "صوماليلاند" حيث جرى الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال وافتتاح سفارة لها في القدس، بتمويل ودعم خارجي يهدف إلى زرع كيانات حليفة على ممر الملاحة الدولي.
ومقابل تحركات خارجية الانقلاب، زار وفد إثيوبي رفيع المستوى (وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات) واشنطن، والتقى بالمسئولين الأمريكيين (مسعد بولس وماركو روبيو)، حيث تم توقيع "اتفاقية تعاون دفاعي" تتيح لأديس أبابا شراء السلاح الأمريكي تحت لافتة "حفظ استقرار البحر الأحمر"، كما طُرحت رغبة أمريكية (عبر إدارة ترامب) للتوسط في ملف السد، وهو ما قوبل بتجاهل تام لتفويت الفرصة على هذه المناورات.
أمام البرلمان الإثيوبي، أعلن وزير الخارجية جيديون طيموتيوس أن الحصول على "منفذ بحري" ليس مجرد خيار سياسي، بل هو "مطلب شعبي ملح وعابر للأجيال" يرتبط بالأمن القومي.
ويرى المراقبون أن إصرار آبي أحمد على انتزاع ممر مائي بأي ثمن، ووسط أجواء مشحونة بالتوتر مع الصومال وإريتريا، يعكس سياسة حافة الهاوية؛ حيث يحاول الرجل توظيف خطابات "العظمة التاريخية" للخروج من وضع الدولة الحبيسة، مما يهدد بجر المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
المحور الإماراتي-الإثيوبي
في المقابل، يعتمد آبي أحمد على استراتيجية بناء تحالفات وثيقة مع القوى الإقليمية المؤثرة لتأمين غطاء سياسي واقتصادي. وتبرز هنا الدبلوماسية الناعمة مع دولة الإمارات؛ حيث حرص رئيس الوزراء الإثيوبي خلال زيارته لأبوظبي على إضفاء طابع عائلي ورمزي على علاقاته بالقيادة الإماراتية، عبر خطابه الموجه للشيخة فاطمة بنت مبارك (أم الإمارات) باعتباره "ابنها التاسع" (إلى جانب أبنائها الستة وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن زايد). هذا التقارب يُترجم في صورة استثمارات ودعم لوجستي يدعم بقاء النظام الإثيوبي في بيئته المضطربة.
ولم يعد المشهد مقتصرًا على النزاع التقليدي حول "سد النهضة" بين مصر وإثيوبيا، بل تشابكت الأزمات الداخلية الحادة لأديس أبابا مع طموحاتها الخارجية لتأمين منفذ بحري، مما خلق حالة من الاستقطاب الدولي والإقليمي تشارك فيه أطراف متعددة كواشنطن، والإمارات، وإريتريا، والصومال.
الجبهة الداخلية الإثيوبية
وتواجه الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا برئاسة آبي أحمد مأزقاً وجودياً يهدد بتفكيك الدولة نتيجة اشتعال جبهتين داخليتين، الأولى إقليم تيجراي (معضلة الحكومات الثلاث): بعد محاولات برعاية دولية لتهدئة الأوضاع، تفجرت الأزمة مجدداً في أبريل 2026 إثر فشل تشكيل "مجلس السلام". وأرسل آبي أحمد ممثلين وجنرالات عسكريين يمتلك الإقليم معهم ثارات دموية سابقة، مما دفع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي لرفضهم. ونتيجة لذلك، بات الإقليم محكوماً بشكل متنازع عليه من ثلاث سلطات في آن واحد (جبهة التحرير، مجلس السلام البرلماني، وحكومة الجنرالات)، وهو ما يدفع الإقليم نحو العودة الوشيكة للكفاح المسلح.
والثانية إقليم أوجادين، حيث يتزامن توتر الشمال مع تهديد حقيقي في الشرق؛ فالإقليم يُطالب بوثيقة انفصال نهائي وإعلان حكم ذاتي، مهدداً بالعودة إلى السلاح إذا لم تتم تلبية مطالبه.
وتُفسر الأزمات الاقتصادية الخانقة التي يعيشها النظام الإثيوبي لجوءه الدائم للتصعيد الدبلوماسي الخارجي كأداة لإلهاء الداخل.
وكانت أديس ابابا قد واجهت العجز عن سداد السندات السيادية ومنها استحقاق سداد سندات سيادية لدول أوروبية (في مقدمتها بريطانيا) كانت مضمونة بكهرباء سد النهضة. ومع تعثر تشغيل السد بانتظام وغياب السيولة، عجزت الحكومة عن السداد.
وللتغطية على الفشل التنموي وامتصاص غضب الشارع بعد الرفع الكبير لرسوم الخدمات الحكومية، تقدمت إثيوبيا بشكاوى رسمية ضد مصر (آخرها في مايو 2026) تتهمها فيها تارة بعرقلة تشغيل السد، وتارة أخرى بمنعها من الوصول للبحر الأحمر، وهي مناورات تهدف لصناعة مبرر سياسي أمام المواطن الإثيوبي.
وتكرر خارجية السيسي أن الأمن المائي قضية وجودية، وتكثف القاهرة من تنسيقها العسكري والدبلوماسي مع دول الطوق الإثيوبي (الصومال وإريتريا) لمحاصرة الطموحات البحرية لأديس أبابا، مع التأكيد على أن أمن البحر الأحمر مسئولية الدول المشاطئة له فقط.
وفي المقابل، تتحمل إدارة الانقلاب في مصر المسئولية التاريخية بسبب توقيع "اتفاق إعلان المبادئ" عام 2015، الذي منح إثيوبيا شرعية قانونية للمضي في بناء السد دون قيود دولية رادعة، ما يعني أن الخطابات الرسمية الحالية تفتقر إلى الآليات التنفيذية الصارمة لحماية حقوق مصر التاريخية في نهر النيل.
ويقدم الدكتور أيمن شبانة (أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الإفريقية) قراءة فقهية وقانونية للمناورات الإثيوبية، معتبراً أن اتهام أديس أبابا لمصر بـ"التطويق" هو قلب للحقائق؛ فالقانون الدولي يمنح الدول الحبيسة حق المرور والتسهيلات التجارية عبر دول الجوار، لكنه لا يمنحها حق اقتطاع أراضٍ أو إقامة قواعد عسكرية سيادية عبر كيانات انفصالية غير معترف بها دولياً مثل صوماليلاند.
ويرى شبانة أن المقاربة في مصر حاليا تنجح في تدويل الرفض للممارسات الإثيوبية، مستفيدة من التمسك بالشرعية الدولية ووحدة الأراضي الصومالية.
ومن جانبه، يضع عضو المجلس المصري للشئون الخارجية، السفير عدلي سعداوي، رؤية تحذيرية صريحة تطالب بضرورة الفصل التام بين مسارات الوساطة في ملف سد النهضة وأي صفقات أو تفاهمات إقليمية تخص المنافذ البحرية.
وينبه سعداوي إلى أن إثيوبيا تحاول بشكل حثيث ربط حلحلة أزمة السد بالحصول على نفاذ بحري وتسهيلات سيادية عبر "صوماليلاند".
وتأتي هذه المحاولة كأداة رفع لتكلفة الرفض المصري، أو كمناورة لإجبار الأطراف الدولية وعلى رأسها واشنطن على الدخول في حزمة تفاوضية أوسع تدمج ملفات المياه بالبحر والترتيبات العسكرية في الإقليم، مما يكشف عن خطأ استراتيجي تركه صانع القرار في القاهرة يتفاقم حتى تحول الخط الأحمر المائي إلى بوابة للمساومة على أمن الإقليم بأكمله.
فرض الأمر الواقع
ومع عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى المشهد عبر طرح مبادرات وساطة جديدة بين القاهره وأديس أبابا، فإن هذا التدخل لا يحمل بالضرورة طوق نجاة للموقف المصري؛ فالوسيط الأمريكي يتحرك عادة برؤية براجماتية تدير المصالح المتشابكة، وقد يرى في دمج الملفات وسيلة لإنتاج تسوية سياسية سريعة على حساب الثوابت القانونية. وتزداد خطورة هذه التحركات لكونها تأتي بعد اكتمال بناء السد تقريباً وتراجع قدرة مصر على فرض شروطها المبكرة؛ حيث تدخل إثيوبيا التفاوض مستندة إلى منشأة قائمة تفرض بها الأمر الواقع.
وفي هذا الإطار، يؤكد وزير الري الأسبق، الدكتور محمد نصر علام، أن أي مبادرة أمريكية لن يُكتب لها النجاح دون توفر إرادة سياسية إثيوبية جادة وصادقة، مستشهداً بمسار مفاوضات واشنطن عام 2020 عندما كان الاتفاق القانوني جاهزاً للتوقيع وصاغته الإدارة الأمريكية مع البنك الدولي، إلا أن إثيوبيا تعمدت التراجع والغياب عن جلسة التوقيع النهائية، مما يترك التساؤل قائماً حول ما إذا كانت واشنطن ستتعامل مع السد كملف قانوني مستقل، أم كجزء من صفقة إقليمية شاملة تمنح أديس أبابا فرصة للمقايضة السياسية.