النقابة تحولت من الدفاع عن المرضى إلى تبرير تحميل المواطن أعباء الانهيار الصحي
أثارت تصريحات الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، خالد أمين، حالة واسعة من الغضب والجدل، بعد مطالبته بوضع تسعيرة مرتفعة للعيادات الخاصة تصل إلى 1000 جنيه للاستشاري و500 جنيه للأخصائي، مع إضافة ما بين 300 و500 جنيه مقابل استخدام الأجهزة الطبية، في وقت يعيش فيه ملايين المصريين أوضاعا اقتصادية ومعيشية صعبة.
وجاءت تصريحات أمين، المحسوب على التيار العلماني "قائمة المستقبل" المدعومة من الحكومة داخل النقابة، لتكشف حجم التحول الذي طرأ على نقابة الأطباء منذ خروج التيارات الإسلامية وعلى رأسها أطباء الإخوان من نقابة الأطباء "دار الحكمة"، بعد انقلاب ،السيسى ، على أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ البلاد الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسى ، و بحسب مراقبين رأوا أن النقابة انتقلت من الدفاع عن المواطنين والفقراء إلى الانحياز للأطباء الكبار وتبرير رفع الأسعار على المرضى.
وبرر خالد أمين دعوته إلى رفع أسعار الكشف الطبي بما وصفه بـ"حق الطبيب في تحديد الأتعاب"، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل والتجهيزات والإيجارات والمرافق وأجور العاملين داخل العيادات، مؤكدا أن "القطاع الطبي الخاص لا يمثل سوى أقل من 1 بالمئة من الخدمات الصحية"، وأن الدولة لا تدعمه بل تتعامل معه كأي منشأة إدارية.
لكن تصريحاته أثارت غضبا واسعا بعد حديثه عن وجود "بديل حكومي" يتمثل في المستشفيات العامة التي تبدأ أسعار الكشف بها من 10 جنيهات، وهو ما اعتبره منتقدون محاولة لتبرير تحميل المواطن أعباء إضافية، رغم التدهور الكبير الذي تعانيه المستشفيات الحكومية ونقص الخدمات والأدوية والمستلزمات الطبية.
وتساءل كثيرون عن كيفية مطالبة المواطن بدفع ألف جنيه للكشف فقط، في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار الدواء والتحاليل والأشعة، وتراجع الدخول ووقوع ملايين المصريين تحت خط الفقر، معتبرين أن النقابة التي كانت تاريخيا منحازة للفقراء باتت اليوم تتحدث بلغة السوق والاستثمار.
وخلال أكثر من 3 عقود، قاد أطباء مقربون من جماعة الإخوان المسلمين نقابة الأطباء منذ عام 1984 وحتى 2013، وكانت النقابة خلال تلك الفترة تتبنى مواقف داعمة للمرضى والفئات الفقيرة، وتطالب الأطباء بمراعاة الظروف الاقتصادية وعدم المغالاة في أسعار الكشف والعلاج، إلى جانب أدوارها الواسعة في الإغاثة والعمل الإنساني داخل مصر وخارجها.
لكن بعد سيطرة "تيار الاستقلال" المحسوب على التيار المدنى "العلمانى" على النقابة في ديسمبر 2013، ثم صعود "قائمة المستقبل" المدعومة حكوميا في انتخابات أكتوبر 2023، يرى مراقبون أن أولويات النقابة تغيرت بشكل واضح، وأصبحت أقرب إلى الدفاع عن مصالح شريحة من الأطباء الكبار، بدلا من الانحياز للمواطن محدود الدخل.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أصدرت نقابة الأطباء بيانا أكدت فيه أن "الحق في العلاج مسؤولية الدولة ولا يجوز تحويل الصحة إلى سلعة"، لكنها في الوقت ذاته بررت ارتفاع أسعار العيادات الخاصة بأن الطبيب يسعى لتعويض ضعف دخله الحكومي، وأن أسعار الكشف تختلف بحسب التخصص والخبرة والإمكانات.
وتأتي تلك التصريحات في وقت يشهد فيه القطاع الصحي الحكومي ، بزمن المنقلب السيسى ،تراجعا حادا، وسط شكاوى متزايدة من تدهور الخدمات ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بالتزامن مع اتجاه الدولة للتوسع في خصخصة القطاع الصحي ومنح إدارة وتشغيل المستشفيات العامة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، وفق قانون أقره البرلمان في مايو 2024 رغم اعتراضات واسعة عليه.
كما رفعت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب ، خلال فبراير 2024 أسعار تذاكر العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية، لتصل في بعض المستشفيات إلى 50 جنيها، بعدما كانت تبدأ بجنيه واحد فقط قبل سنوات، فيما كشف مواطنون مؤخرا عن رفع قيمة تذكرة مستشفى الهرم بمحافظة الجيزة من 20 إلى 50 جنيها.
ويرى أطباء أن الحديث عن وجود "بديل حكومي" لا يعكس الواقع الحقيقي للمستشفيات العامة، في ظل التكدس الشديد وسوء البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية، مؤكدين أن المريض لا يحصل في كثير من الأحيان سوى على كشف سريع وأدوية مسكنة، ثم يضطر لشراء العلاج من الصيدليات الخاصة.
وقال الطبيب حمدي مطر: إن "تراجع مخصصات الصحة بالموازنة العامة أدى إلى انهيار مستوى الخدمات الطبية بالمستشفيات الحكومية والجامعية"، مؤكدا أن تصريحات خالد أمين قد تدفع مزيدا من الأطباء إلى رفع أسعار الكشف، بما يزيد الضغوط المالية على المواطنين الذين يتحملون بالفعل أكثر من 60 بالمئة من الإنفاق على العلاج من جيوبهم الخاصة.
كما سخرت طبيبة النساء شيماء علي من الحديث عن كفاءة المستشفيات الحكومية، مؤكدة أن كثيرا من الأطباء يشترون مستلزماتهم الطبية على نفقتهم الخاصة، في ظل غياب الدعم ونقص الأدوات الأساسية داخل المستشفيات.
وفي الشارع المصري، قوبلت تصريحات أمين بموجة انتقادات واسعة، حيث اعتبرها ناشطون وخبراء اقتصاد دعوة صريحة لتحويل العلاج إلى خدمة لا يقدر عليها سوى الأغنياء، خاصة أن ملايين المصريين لا تتجاوز دخولهم الشهرية 3 إلى 7 آلاف جنيه.
وسخر مدير مركز "الحق في الدواء" الدكتور محمود فؤاد من المقترحات الجديدة قائلا: "السلخ قبل أم بعد الذبح"، بينما أكد الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن أصحاب المعاشات والعمال محدودي الدخل لا يستطيعون تحمل حتى تكلفة الكشف الرمزي، فضلا عن دفع ألف جنيه لطبيب خاص دون حساب تكلفة العلاج أو الأشعة أو التحاليل.
ويقول منتقدون: إن "الأزمة الحقيقية لم تعد فقط في ارتفاع أسعار الكشف، بل في التحول الذي أصاب نقابة الأطباء نفسها، بعدما كانت صوتا يدافع عن حق الفقراء في العلاج، لتصبح -بحسب وصفهم- منصة لتبرير تحميل المواطن مزيدا من الأعباء تحت شعار "تحرير أسعار الخدمة الطبية".