دون سابق إنذار أو طلب حضور قانوني، ألقت قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية القبض على الطبيبة الشابة أمينة سويدان من منزلها في مدينة دمنهور، ليتكرر مشهد ملاحقة الأصوات التي تكشف المسكوت عنه داخل المؤسسات الطبية والخدمية، وكأنها متهمة جنائية خطيرة، في واقعة تعيد للأذهان قضايا مشابهة لزميلات نشرن شهاداتهن وجابهن المصير ذاته.
وجاء هذا التحرك الأمني السريع والصادم بعد ساعات قليلة من قيام الدكتورة أمينة سويدان بنشر شهادة مفصلة ومرعبة عن فترة امتيازها بقسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، وهي التجربة التي دفعتها لاحقاً لترك مهنة الطب بالكامل، إلا أن كتابتها عن تلك الكواليس قادتها مباشرة إلى الحجز والاعتقال.
كما جاء بالتزامن مع مسارعة نقابة الأطباء المصرية إلى إصدار بيان رسمي الثلاثاء 16 يونيو أكدت فيه متابعتها لما أثير على منصات التواصل الاجتماعي بشأن مستشفى الشاطبي الجامعي، مشددة على رفضها القاطع لأي محاولة للمساس بمجهودات الأطباء المصريين أو التشكيك في دورهم.
ودعت النقابة في بيانها كل من يمتلك معلومات أو أدلة، أو تعرض لواقعة تستوجب التحقيق، إلى التقدم بشكوى رسمية موثقة إلى النقابة أو إدارة المستشفى أو النيابة العامة، مؤكدة أن أي تجاوز يثبت بالتحقيق سيتم التعامل معه بحزم، ولكن دون تعميم يسيء إلى المنظومة الطبية ككل.
وأثار نبأ القبض على الطبيبة الشابة موجة عارمة من الاستنكار والتضامن على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول ناشطون وأصدقاء لها تفاصيل الواقعة وخلفياتها، محذرين من خطورة ترهيب من يتحدث عن الفساد أو الانتهاكات.
شهادة أمينة سويدان: كواليس مرعبة من داخل مستشفى الشاطبي
الشهادة التي تسببت في تحرك أجهزة الأمن حوت تفاصيل بالغة القسوة والصدمة عن ممارسات منسوبة لبعض أطباء وطواقم مستشفى الشاطبي الجامعي، حيث وصفت سويدان المكان بأنه تسبب في صدمة نفسية لأكثر من 90% من مرتاديه. وجاء في شهادتها أربعة مواقف محورية تلخص حجم العنف والانتهاك:
الموقف الأول، تعرض فتاة تبلغ من العمر 19 عاماً أثناء ولادتها الأولى لتحرش ولفحص طبي مهين وعنيف من قبل أحد الأطباء لمجرد صراخها من الألم، تلا ذلك سخرية الطبيب والممرضات من الحالة.
الموقف الثاني، قيام طبيب بصفع مصلية (ست بتولد) على وجهها، وتوجيه الممرضة عبارات وألفاظ خادشة للحياء والمليئة بالانحطاط للضحية بدلاً من تخفيف آلامها.
الموقف الثالث، رفض الأطباء تقديم الرعاية الطبية والوقائية العاجلة لامرأة تعرضت لمحاولة اغتصاب وجاءت برفقة أمين شرطة وبمحضر رسمي، وامتناعهم عن إعطائها الأدوية اللازمة بناءً على تقييمات أخلاقية وطبقية لملابسها وسلوكها.
الموقف الرابع، اشتراط إحضار "قسيمة زواج" لإنقاذ امرأة تعاني من إجهاض غير مكتمل وعنف منزلي ظاهر، وكتابة عبارات مهينة مثل "اشتباه حمل سفاح" على تذكرتها الطبية.
https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=27203168479335086&id=100002059041686
كما تحدثت سويدان عن ممارسات طبية وصفتها بالتجارية، مثل اللجوء إلى العمليات القيصرية غير الضرورية لتحقيق مكاسب مالية لتغطية أقساط العقارات والشاليهات، فضلاً عن بيئة العمل غير الآمنة والمليئة بالألفاظ البذيئة والتنمر على المريضات وطبيبات الامتياز.
فتحت هذه الشهادة الباب لنقاش واسع حول البعد الطبقي والاجتماعي في تقديم الخدمة الطبية بالمستشفيات الحكومية بمصر، والانتهاكات التي تواجهها النساء من الطبقات الفقيرة.
علقت أميرة مصطفى (Amira Mostafa) مستنكرة غياب العدالة التوزيعية والكرامة الإنسانية في المستشفيات العامة:
"العامل المشترك بين كل الستات دي أنهم غير قادرات علي دفع مصاريف مستشفيات خاصة لحفظ كرامتهم، بيلجأو للمستشفيات الحكومية يواجهون كم الانحطاط و السفالة و الإهانة دي.. الستات دي لو غنية أو من طبقه مختلفة مش تواجه نفس التفاصيل بنفس الطريقة.. قيم الأسرة المصرية قابلة للتطبيق على الفقراء بس من النساء".
بينما أشارت نوران خالد (Noran Khaled) إلى أن هذه الممارسات ليست حكراً على مستشفى بعينه، مؤكدة أنها شهدت واقعة تحرش لفظي صريح بجسد مريضة أثناء فترة تدريبها في قسم النساء بمستشفى آخر، مما يوجب قصر هذا التخصص على الطبيبات الإناث.
من جانبه، عبر المخرج جاد شاهين (Jad Chahine) عن صدمته قائلاً: "مش قادر أتخيل تمامًا ست تتألم، ومرعوبة من تجربة الولادة نفسها ومن الألم اللي بتمر بيه، وفي وسط كل ده تتعرض كمان لواحدة من أسوأ التجارب النفسية. تجربة مهينة ومذلة، وعلى إيد الناس المفروض إنهم مصدر الأمان والرعاية، شكرًا على شجاعتك في إنك قررتي تتكلمي وتحكي ده".
وعقبت هالة عمر (Hala Omar) على بيان النقابة متسائلة عن مدى واقعية الشروط المطلوبة لفتح تحقيق: "تشترط نقابة الأطباء حسبما قرأت تقديم شكاوى محددة من المريضات ضد أطباء بعينهم مع تقديم (الاثباتات اللازمة)، وده طبعا موضوع غاية في الصعوبة… الأمهات في إيه ولا في إيه؟، ودى مش لحظة جمع الأدلة أبدا، سؤالي هو هل يحق لأطباء يهتمون بأخلاق مهنتهم والارتقاء بها تقديم شكاوى في النقابة بحيث يتم التحقيق فيها؟".
وكتبت زهورا @ZahraNaser1755 "أخيرا حد فتح ملف مستشفى الشاطبي ودكاترة النسا والتوليد.. وبالمناسبة دي أحب أحكيلكم مواقف اتحكتلي من صحابي وقرايبي دكاترة وتمريض (بنات).. دكتور يدخل يشوف واحدة حلوة يصر إصرار غير عادي إنه هو ال يجهزها ويخلي التمريض النسائي ع جنب في حين إن دا دورهم أصلا".
وعلق مايكل @michaellatef96 ".. الصديقة والطبيبة أمنية سويدان اللي كتبت البوست اللي فيه شهادتها عن مستشفى الشاطبي اتقبض عليها من ساعتين من بيت أهلها وغير معلوم مكانها إلى الآن. . بيتم القبض على اللي نشر الشهادات بدل ما نفتح تحقيق ويتم القبض عن المسؤول عن الكوارث الطبية دي".
آراء مقابلة
وبالمقابل كتب د. تامر أبو أمين @tamerabdoamin ".. الكلام المقرف المنتشر عن مستشفى الشاطبي محتاج تدخل عاجل من النائب العام بالتحقيق في الوقائع دي بشكل يحسم الأمر، ويريح الناس، ويجيب من الآخر سواء بالعقاب للمخطئ لو المذكور صح، أو بالعقاب للي نشر الكلام لو المذكور غلط.. مينفعش الناس تتساب لدماغها".
وكتب د. محمود هاشم أستاذ القلب بالمستشفى @Drmahmoudhashe1 ".. كلنا دخلنا واشتغلنا فيها ودرسنا فيها كم من الحالات المعقدة وحالات عناية النسا وحالات العمليات وأورام النسا.. مجموعة من أمهر الأساتذة في مجال طب النساء والولادة .. " متساءلا: "لمصلحة مين اللي بيحصل ويتقال ده ".
وأضاف، "مستشفى الشاطبي كيان بيقدم خدمات مفيش حد إسكندراني أو خريج جامعه الإسكندرية إلا وعارف كم الخدمات اللي بتقدم في صرح مستشفى الشاطبي.
لو حصل تجاوز مع حد تصرف فردي مينفعش يعمم على كل أفراد الكيان ده ولو حصل فعليا .. اللي تم معه متقدمش بشكوى رسمي ليه ؟رغم إننا في عصر السوشيال وAI يعني صوتك بسهولة يوصل محدش مننا أيا كان هو مين هيسمح إن حد يتجاوز في حق حد من أهله .. يبقي اللي معه مستند في جهات رسميه ويتقدم بشكوي رسميه ويأخد حقه من اللي تعدي عليه .. لكن التعميم والكلام المرسل وخلاص … مش في مصلحه ع الاقل المواطن الغلبان اللي مالوش غير مستشفيات الحكومة والجامعهة
انتهى المحضر والفاعل مجهول!
وكتب خالد مُحمَّد @The_Greatk ".. من خبرتي في الواقع المصري، الطبيبة اللي نشرت فضائح مستشفى الشاطبي هتتعرض لكل أنواع الضغط والتهديد، وربما تواجه قضية تشهير وتبقى فجأة مطالبة بإثبات تلك الوقائع أو حياتها تخرب، الموضوع هيتقفل على كده لا تحقيق ولا محاسبة، وكان الله بالسر عليم.".
وهو ما يؤكد أن المسارعة إلى إلقاء القبض على الطبيبة أمينة سويدان بدلاً من فتح تحقيق شفاف ومستقل في الوقائع الخطيرة التي أوردتها، يضع علامات استفهام كبرى حول رغبة السلطات في مواجهة الانتهاكات المؤسسية، ويحول صرخات إصلاح المنظومة الطبية إلى قضايا أمنية تُساق فيها الضحايا والشاهدات إلى خلف القضبان.