تأزم أوضاع المعتقلين في بدر.. وتفاعل حقوقي مع اليوم العالمي لضحايا التعذيب

- ‎فيحريات

 

 

تتصاعد وتيرة الانتهاكات الجسيمة داخل مراكز الاحتجاز المصرية، مسجلةً مستويات غير مسبوقة من التدهور بالتزامن مع الفعاليات الحقوقية الدولية المناهضة للتعذيب، يرصد هذا التقرير تفاقماً خطيراً في الأوضاع الإنسانية والقانونية للمحتجزين داخل مجمع سجون بدر، حيث تحولت غرف الاحتجاز إلى ساحات للتنكيل البدني والنفسي، وسط موجة عارمة من الاحتجاجات الداخلية والإضرابات عن الطعام التي يقابلها النظام الأمني بمزيد من القمع والتعسف.

وقالت منظمات: إن "ما يحدث اليوم مع المعتقلين يعكس سياسة بطش وظلم ممنهج تتجاوز كافة الخطوط الحمراء، وتضع الجماعة الحقوقية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة انتهاكات وجرائم جسيمة مستمرة ضد الإنسانية، وهي ممارسات وحشية لن تفلح السنوات في طمسها، إذ إنها لا تسقط بالتقادم مهما طال أمد الاستبداد."

تطور إلى الأسوأ

وتطورت الأحداث بشكل درامي إثر دخول عشرات المعتقلين في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على المعاملة اللا آدمية، وهو ما قوبل باقتحام وحشي من قوات الأمن والوحدات الخاصة للغرف والعنابر، حيث أسفرت هذه الاقتحامات عن اعتداءات بدنية مباشرة بالضرب والوقيعة، مما أدى إلى إصابة عدد من النزلاء بإصابات بالغة، وبدلاً من مراجعة هذه الانتهاكات، عمدت إدارة السجن إلى ممارسة سياسة الابتزاز والمساومة؛ حيث طالبت المعتقلين بإنهاء احتجاجاتهم وإزالة الأغطية عن كاميرات المراقبة، مقابل وعود مشروطة ومبهمة بتحسين ظروف الاحتجاز وإعادة فتح فترات التريض والزيارات العائلية الممنوعة منذ أشهر طويلة، وهو ما قوبل برفض حاسم من المحتجزين المتمسكين بحقوقهم الدستورية والآدمية.

وفي هذا السياق، وثقت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان (egyptianfront.org) خلال الربع الأول من 2026 استمرار الانتهاكات بحق ضحايا الاختفاء القسري؛ حيث ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا المواطن هاني لبيب حامد حشاد (ضابط صف بالمعاش بالقوات المسلحة) على ذمة القضية رقم 944 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا بعد اختفاء سري دام خمس سنوات ونصف في مقار الأمن الوطني منذ سبتمبر 2020، وبدا عليه الإعياء شديد والإصابة البالغة في قدمه، ليتم إيداعه سجن بدر 3 مع منعه تماماً من التواصل مع أسرته أو تمكينهم من زيارته.

قمع يصل للعائلات

ولم تتوقف الدائرة القمعية عند حدود الجدران الخرسانية للسجن، بل امتدت لتنال من عائلات المعتقلين وأسرهم بشكل فج ومهين أثناء محاولاتهم إجراء الزيارات النادرة، حيث تواجه الأسر، ولا سيما النساء والأمهات، إجراءات تفتيش حاطة بالكرامة الإنسانية، وتعمداً واضحاً في إيقافهم لساعات طويلة في ظروف جوية قاسية دون مرافق آدمية، فضلاً عن مصادرة الأطعمة والأدوية والمستلزمات الشخصية التي يحاولون إدخالها لذويهم، هذا التعسف يهدف إلى فرض حصار معنوي ونفسي مزدوج على المعتقل وعائلته لإشعارهم بالعجز الكامل أمام الآلة الأمنية.

وفي نمط أكثر خطورة يعكس توسيع دائرة الاستهداف، تحولت بوابات السجون ومحيطها إلى كمائن ومصايد أمنية لاختطاف ذوي المعتقلين وتعميق ترويعهم، حيث وثقت التقارير الحقوقية واقعة اختطاف واختفاء قسري لزوجة المعتقل عبد الله موسى (المحتجز في سجن وادي النطرون) أثناء توجهها لزيارته، إذ تم استدراجها وعمل فخ أمني لها واعتقالها من محيط السجن، وهو سلوك يكشف أن منظومة الاحتجاز تحولت إلى شبكة لترهيب المجتمع بأكمله، وضرب مبدأ شخصية العقوبة الجنائية المعتمد في الدساتير والمواثيق الدولية.

إخفاء الأدلة

وبحسب حقوقيون؛ لم تفلح الآلة الإعلامية الرسمية في إخفاء واقع القمع الممنهج الذي يشهده مجمع سجون بدر، وتحديداً "سجن بدر 1" و"سجن بدر 3"، والذي قُدم بدلاً للمنشآت القديمة كخطوة نحو مراكز "التأهيل والإصلاح"، تفيد التحديثات والشهادات الميدانية المتواترة بأن الأوضاع داخل العنابر وصلت إلى نقطة الغليان التام نتيجة تجريد الزنازين بصفة مستمرة ومهينة، ومصادرة المتعلقات الشخصية البسيطة للمحتجزين.

ويواجه المعتقلون هذه الإجراءات التعسفية بصلابة استثنائية، رافضين الرضوخ لسياسات التضييق التي تشمل تشغيل إضاءة الليد الساطعة وكاميرات المراقبة داخل الغرف على مدار الساعة لانتهاك الخصوصية الحيوية، واستمرت هتافاتهم الجماعية وأصوات طرقهم العنيف على الأبواب الحديدية طوال الليل، احتجاجاً على تغريب ونقل مجموعات منهم قسرياً بهدف تشتيت روابطهم وتعميق عزلتهم الاجتماعية.

اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب

ويتزامن هذا التدهور المتسارع مع انطلاق حملات حقوقية موسعة بمناسبة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب؛ حيث أطلقت منظمات حقوقية محلية ودولية بالتعاون مع حزب تكنوقراط مصر (egy_technocrats) حملة تحت وسم #ضد_التعذيب لإعادة تسليط الضوء على الأنماط المستحدثة والتقليدية للانتهاكات في السجون المصرية.

تؤكد الشهادات الموثقة التي جمعتها منظمة نجدة لحقوق الإنسان (Najda_H_R) أن مفهوم التعذيب لا يقتصر على الضرب والاعتداء البدني المباشر، بل يتعداه إلى سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي تُوظف كأداة قتل بطيء وتصفية صامتة لتدمير البنية النفسية والجسدية لكبار السن والمرضى خلف الأسوار.

وتشمل صور التعذيب غير التقليدية الحرمان الممنهج من العلاج، ومنع دخول الأدوية الحيوية، وتأخير أو رفض تحويل الحالات الحرجة إلى المستشفيات الخارجية لإجراء الجراحات أو الفحوصات العاجلة، إلى جانب وضع المحتجزين في زنازين عزل انفرادي لفترات ممتدة وتجاهل شكواهم المستمرة، مما أدى مؤخراً إلى تسجيل حالة وفاة لمعتقل داخل سجن ليمان المنيا نتيجة غياب الرعاية الطبية الفعالة. وتجمع التقارير الحقوقية على تحديد هوية مرتكبي هذه الجرائم، وحصرهم في رجال الشرطة بالأقسام، وضباط الأمن الوطني، وضباط مباحث السجون على مستوى الجمهورية، بالإضافة إلى المسؤولين العسكريين، محذرة من أن غياب الرقابة القضائية المستقلة يمنح هؤلاء الجناة غطاءً كاملاً للاستمرار في جرائمهم دون خوف من الملاحقة الآنية.