يأتي إعلان عودة خديجة الجمال، ابنة المطور العقاري البارز ورجل الأعمال محمود الجمال وزوجة نجل المخلوع جمال مبارك، إلى الأضواء بعد غياب سنوات وذلك عبر بوابة الاستثمار التعليمي الفاخر، وليس عودة سياسية، من خلال تدشين مدرسة بريطانية جديدة في منطقة السادس من أكتوبر وتحديدًا داخل مشروع "نيو جيزة". هذا التحرك يمثل دعمًا من خديجة الجمال للإمبراطورية الاستثمارية لوالدها محمود الجمال، صاحب ورئيس تنفيذي مشروع "نيو جيزة".
ويعكس هذا الاستثمار عبقرية البيزنس العقاري، حيث يدرك الجمال أن وجود مدرسة دولية ذات سمعة بريطانية داخل الكومباوند يرفع من القيمة السوقية للعقارات بشكل جنوني، ويمنح المشروع ميزة تنافسية تجعل الأسر الثرية تتسابق للشراء لضمان بيئة تعليمية وسكنية متكاملة لأبنائهم. ويرى مستثمرون أن هذا البيزنس يفضلّه رجال الأعمال لثلاثة أسباب؛ أرباح تفوق القطاعات التقليدية، الحماية من التضخم عبر زيادات سنوية أقرتها الوزارة هذا العام بين 5% و25% لتصل المصروفات إلى 400 ألف جنيه، والارتباط العضوي بالتطوير العقاري.
جذور النفوذ والبيزنس التعليمي
أثار هذا الخبر جدلًا واسعًا بين النخب والمحللين على منصة (X)، حيث انطلق السجال من تغريدة كتبها طارق سلامة عبر حسابه: @tariksalama الذي استغرب فيه تركيز الإعلاميين والمسئولين على المدارس الدولية التي تمثل نسبة ضئيلة جدًا (حوالي 5 من كل 10 آلاف مدرسة) تخدم 60 ألف تلميذ فقط من أصل 28 مليون طالب في مصر، معتبرًا الهجوم عليها بقايا عقدة موروثة من زمن الاستعمار وحقد طبقي، وأن الحل هو إصلاح التعليم الحكومي وليس مهاجمة المدارس الناجحة التي تمنح طلابها فرصًا أفضل في الخارج والداخل.
https://x.com/tariksalama/status/2068046501318930867
وعلى النقيض تمامًا، فتح هذا الطرح الباب لرواد المنصة لتفكيك أصل الأزمة، حيث علق محمد الكامل عبر حسابه: @ELKAMEL_ موجّهًا أصابع الاتهام إلى جذور هذا البيزنس، وموضحًا أن نقاش "نيو جيزة" يجب أن يبدأ من معرفة كيف أن هذا البيزنس بدأ كالعادة عبر النفوذ، مشيرًا إلى ثروة وزير التعليم ووالدته، مؤكدًا أن كل الطرق تؤدي إلى شيء واحد، وأنه لا إصلاح حقيقي دون تدمير هذه المنظومة المتشابكة المصالح التي تشبه "المغارة الكبيرة".
الهوية المفقودة والهروب من "فئران التجارب"
من جانبه، طرح أحمد دهشان تساؤلات جوهرية عبر حسابه: @ahmdahshan مستفسرًا عما إذا كانت هناك مناقشة جادة بين العقلاء حول ضوابط عمل المدارس الدولية بعد 40 سنة على تعميمها، وهل خرجت نوابغ قادرة على صناعة نخبة حقيقية، أم أنها تسببت في مشاكل كبيرة تخص الثقافة والهوية؟
https://x.com/ahmdahshan/status/2068021531242906108
وتفاعل معه أشرف عبر حسابه: @AshrafS0237 مؤكدًا أن نقطة الضعف الأعظم في المدارس الدولية (وتحديدًا نظام IG) هي أن الطلاب "صفر" في اللغة العربية والدين والدراسات الاجتماعية، رغم تميزهم العلمي وثقتهم بنفسهم.
وأضاف أنس شبانة @AnasMShabana أن معظم خريجي هذه المدارس يهاجرون ويستقرون ويستثمرون في بلاد المهجر دون أن يرسلوا أموالًا للبلد، مما يعني أن القائمين على التعليم يبحثون عن الفائدة الاقتصادية السريعة على حساب مصلحة الدولة طويلة الأمد.
من زاوية تاريخية وثقافية، حلل خالد صلاح عبد العظيم @khaledmoussa23 الوضع ؛ مشبّهًا الموجة الحالية بموجة المدارس الكاثوليكية الفرنسية في القرن 19، ومتسائلًا عن سر الانتشار الكاسح للشهادات البريطانية تحديدًا حاليًا حتى في الأقاليم كعلامة جودة، ليعقّب عليه أحمد دهشان @ahmdahshan بأن هذا يمثل علاجًا لخطأ تاريخي عندما كانت مصر محتلة بريطانيًا عسكريًا بينما تقع تحت الهيمنة الثقافية الفرنسية.
أما البُعد الإنساني والواقعي للأسر المصرية، فقد لخصته غادة جمال @gghada144 مؤكدة أن نسبة مش قليلة تحول للمدارس الدولية في مرحلة الثانوي هربًا من التخبط في أنظمة الثانوي العام، حيث يأتي كل وزير ليلغي نظام من قبله، ليتحول الطلبة وأهاليهم إلى "فئران تجارب"، مما يجعل التعليم الدولي ملاذًا للاستقرار رغم كلفته الباهظة التي تشمل أيضًا أعباء تشغيلية خيالية مثل اشتراكات "الباص" التي أصبحت تلتهم أكثر من ثلثي المصروفات الدراسية أحيانًا.
رؤية وطنية لإبعاد التعليم عن التجارة
أمام هذا التغول الاستثماري، تبرز الرؤية المقابلة التي طرحها الكاتب مأمون الشناوي في مقالته الشهيرة "ابعدوا التعليم عن البزنس" عبر منصته
حيث يطالب بجعل التعليم مشروعًا قوميًا مملوكًا بالكامل للدولة، ومؤسسة سيادية لا يجوز خصخصتها أو تحويلها لسلعة كالقوات المسلحة والقضاء. وينتقد الشناوي بشدة توغل رجال الأعمال، مؤكدًا أن هدف البيزنس هو الربح وليس بناء الإنسان، وأن أرباح هذا القطاع باتت تفوق تجارة السلاح والمخدرات، ومحذرًا من أنه إذا استمر التعليم كقطاع ربحي، ستظل مصر تدور في حلقة مفرغة من الفشل، الضياع، والتجهيل الطبقي.
ويشهد المجتمع المصري تحولًا بنيويًا عميقًا يتجاوز مجرد التفاوت الاقتصادي التقليدي، ليصل إلى ما يمكن وصفه بـ "الفرز الطبقي الكامل". ولم تعد الطبقية مجرد فروق في مستويات الدخل، بل تجسدت في خلق عالمين متوازيين داخل جغرافيا واحدة، وهو ما عبر عنه بحرقة عبدالعزيز الغدير @Abdazizghadeer حيث يرى أن مصر انقسمت إلى دولتين؛ "مصر" التي تعيش الزحام والغلاء والخدمات المتعبة، و"إيجيبت" خلف البوابات حيث كل شيء أنظف وأهدأ وأغلى، محذرًا من أنه إذا استمر هذا الفصل، فقد نصل يومًا إلى مرحلة يحتاج فيها سكان "مصر" إلى فيزا شنغن للدخول إلى "إيجيبت".
ويأتي قطاع التعليم ليكون الأداة الأبرز في ترسيخ هذه الطبقية؛ فالتعليم تحول إلى محدد رئيسي للمكانة وصك للمرور إلى عالم النخبة، وسط غياب الرقابة الفعالة وتصاعد التضخم الذي جعل التعليم الدولي بعيد المنال حتى عن الأسر المتوسطة، وهو ما أشارت إليه نشرة "انتربرايز" الاقتصادية مؤكدة وجود فوضى في غياب الشفافية وضعف الرقابة الحكومية على الأرض.