تلازم بين أبواق التطبيع، سواء كانوا من الحرس القديم كوزير خارجية مبارك؛ عمرو موسى أو من الأدوات الإعلامية المأجورة كالكاتب السعودي عبدالعزيز الخميس، الذين يشتغلون ضمن أوركسترا واحدة، هدفها تزييف وعي الشعوب وشيطنة أي موقف عربي يحاول التمسك بالحد الأدنى من الندية والكرامة السياسية.
وبحسب المحللين، لا يمكن قراءة تحركات عبد العزيز الخميس وزياراته المتكررة إلى تل أبيب بمعزل عن شبكة العلاقات العابرة للحدود التي تربطه بـ "محور التطبيع الإقليمي"، الذي يتشكل من أقطاب ومطبعين مصريين وإماراتيين. فمن جهة، يمثل الخميس الامتداد العضوي للمدرسة البراغماتية المصرية التي أسسها رموز مثل عمرو موسى، التي ترى في الكيان الصهيوني واقعاً تجب مهادنته والتعاطي معه تحت لافتة "الواقعية السياسية"، متخليةً عن الثوابت القومية والتاريخية.
ومن جهة أخرى، يرتبط الخميس برابط التبعية العميقة مع الماكينة الإعلامية والسياسية الإماراتية؛ حيث جرى تدجينه وتبنيه كأحد الأبواق الموجهة لترويج "اتفاقيات أبراهام"، والتبشير بنظام إقليمي جديد تهيمن عليه تل أبيب وأبو ظبي.
وهذه العلاقة العضوية تفسر اندفاع الخميس لتبني الرؤية الإماراتية بالكامل، لدرجة التجرؤ على مهاجمة السياسة الخارجية لبلاده (السعودية) والتحريض ضد قيادتها من داخل الأراضي المحتلة، خدمةً للمشروع الإماراتي-الصهيوني المشترك الذي يسعى إلى محاصرة أي صوت عربي يتمسك بالندية أو يربط العلاقات بحقوق الشعب الفلسطيني.
ويقيم عبد العزيز الخميس ويتنقل بشكل أساسي بين الإمارات (أبوظبي ودبي) ولندن، حيث تتركز أعماله ونشاطه الإعلامي والصحفي من خلال وسائل إعلام ومراكز دراسات ممولة إماراتياً أو تدور في فلكها.
وتعتبر الإقامة الطويلة والارتباط المهني الوثيق بالمنظومة الإعلامية لأبوظبي هما اللذان يفسران تبني الخميس الكامل للسردية الإماراتية، وجعلاه يتحرك كأحد أبرز الأبواق الموجهة لخدمة مشروعها الإقليمي واتفاقياتها التطبيعية.
عبارات لاذعة
وهاجم عبدالعزيز الخميس ابن سلمان والسعودية "بعبارات لاذعة" خلال زيارته الخامسة للكيان المحتل وفي مقابلة مع صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية، قال الخميس:
"كان على السعودية الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لكنها اختارت الانضمام إلى المتطرفين"
– "الإيرانيون منعوا السعودية من الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام"
– "السعوديون يسألون أنفسهم: لماذا لا ندافع عن أنفسنا بشكل جيد؟ لو كان لدينا الملك عبدالله أو الملك فهد، لما توقفوا"
– "لا أحد يعلم ما هي سياسة ابن سلمان، أعتقد أنه فشل"
– "يجب أن أقول للسعوديين: نحن بحاجة إلى تغيير، نحن بحاجة إلى قيادة حازمة لاستعادة مكانتنا كقادة للخليج والدول العربية"
https://x.com/keymiftah79/status/2073747974883315793
ويشهد الملف السياسي العربي حالة من الانقسام الحاد والفرز الفكري غير المسبوق تجاه العلاقة مع الكيان الصهيوني. هذا الانقسام لا يقتصر على المواقف الشعبية فحسب، بل يمتد إلى عمق النخب الثقافية والدبلوماسية، حيث يتنازع المشهد تياران: الأول يتبنى سردية "الانبطاح والتطبيع المجاني والتساوق مع الأجندة الإماراتية"، بينما يحاول الثاني الحفاظ على محددات السيادة الوطنية وربط أي علاقة بحل عادل للشعوب
التساوق مع الرؤية الإماراتية
يمثل الكاتب عبدالعزيز الخميس والمسئول الأسبق عمرو موسى نموذجاً واضحاً لما يصفه المراقبون بـ"سقوط الأصنام السياسية" وتدجين الوعي لصالح الأجندات الإقليمية (تحديداً الإماراتية).
ففي الوقت الذي تنخرط فيه بعض الدول في مراجعة سياساتها، يبرز الخميس كأحد الأبواق التي تسير وفق التوجيه الإماراتي بالكامل؛ حيث زار تل أبيب للمرة الخامسة وأجرى مقابلة لاذعة مع صحيفة إسرائيل هيوم العبرية، هاجم فيها القيادة السعودية الحالية وولي عهدها متهماً إياه بالفشل لأنه لم ينضم إلى "اتفاقيات أبراهام"، ومحرضاً في الوقت ذاته بعبارات تمس السيادة الداخلية للمملكة.
وفي هذا السياق، رصد الدكتور يحيى غنيم حجم الخديعة التي تعرضت لها الشعوب عبر تغريدته: "عمرو بيك موسى 'وزير الخارجية المصرى سابقا وأمين عام جامعة الدول العربية سابقا': إسرائيل دولة بالمنطقة وماينفعش نطردها، والتطبيع مع تل أبيب ليس محرماً!!! كم كانت هذه الشعوب العربية مخدوعه! وكم غُيِّبت بشعارات تحرير فلسطين! وكم خدعت بمبادئ (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل)!"
https://x.com/YahyaGhoniem/status/2069926945995862334
هذا التهافت نحو التطبيع يفقد قيمته وأمانه أمام كيان ينقض العهود فور توقيعها، وهو ما وثقه الإعلامي أيمن عزام مستشهداً بالنموذج الإماراتي: "تذكر عندما قامت دولة الامارات بالتطبيع معلنةً ذلك في 2021، بعدها بثلاث ساعات فقط صرح نتنياهو بإضافة 800 وحدة استيطانية جديدة في تحدٍ سافر للاهداف المعلنة لتبرير التطبيع.. فاي امان و أمن ترجونه مع كيان لقيط لا إلّ له و لا ذمة !!!؟؟؟"
https://x.com/AymanazzamAja/status/2012753082212376837
ريما بنت بندر في مواجهة تركي الفيصل
ويكشف المشهد الدبلوماسي السعودي عن تعارض صارخ في تصدير الموقف العام للمملكة، ما بين تيار يهرول نحو التقارب الثقافي والسياسي، وتيار متمسك بأدوات الندية وشروط المبادرة العربية. ويمثل تيار الهرولة (ريما بنت بندر) السفيرة السعودية في واشنطن بجانب يوسف العتيبة (سفير الإمارات) في عشاء "شبات" يهودي مستضاف من مبعوث ترامب لمكافحة معاداة السامية. ووفقاً لما نقله حساب "مفتاح" عن موقع جويش إنسايدر، فقد تحدثت السفيرة عن مدى قرب التطبيع قبل 7 أكتوبر وتمنت العودة لتلك المرحلة، مما أثار دهشة الحاضرين الصهاينة أنفسهم.
و"تحدثت السفيرة السعودية ريما بنت بندر بين الحضور عن 'مدى قرب كيان الاحتلال والسعودية من التطبيع قبل هجمات 7 أكتوبر 2023'، وأعربت عن أملها في 'العودة إلى تلك المرحلة'.. قال أحد الحاضرين: 'لقد دعا السعوديون إلى التطبيع. من كان يتوقع ذلك؟'"
https://x.com/keymiftah79/status/2026057394090913971
وقد أثار هذا السلوك انتقادات واسعة قارنت بين أداء السفيرة الدبلوماسي وأداء مسئولين آخرين في المنطقة، كما رصد حساب "نحو الحرية": https://x.com/hureyaksa/status/2029512748111946149
وفي المقابل، يُمثل خطاب رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل صفعة لجهود تيار ريما/العتيبة؛ حيث استغل منصة الإعلام الصهيوني نفسه ليوجه رسائل قاسية للاحتلال ومستوطنيه، مؤكداً أن السعودية لن تطبع مع دولة "غير طبيعية" تمارس العدوان في غزة والضفة ولبنان وسوريا، مشدداً على أن كل التكهنات الغربية قبل 7 أكتوبر كانت محض "أماني وتمنيات" إسرائيلية وأمريكية لا واقع لها، وأن الرياض تبني قرارها على مصلحتها الوطنية لا إملاءات ترامب.
وجاء الإجراء الأمني الصارم من السلطات السعودية بمنع الحاخام يعقوب هرتسوغ (الذي يصف نفسه بحاخام المملكة والجزيرة العربية) من دخول الأراضي السعودية وإعادته من المطار مباشرة رغم حمله تأشيرة سارية. هذا الإجراء العملي يُثبت أن الدولة فرملت محاولات اختراق المجتمع أو فرض التطبيع الديني والثقافي كأمر واقع، مما دفع الحاخام لإصدار بيان رسمي يعرب فيه عن صدمته وخيبته:
وصدر "بيان من الحاخام يعقوب هرتسوغ حاخام المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية: ببالغ الأسف، أعلن أنه تم منعي من دخول المملكة العربية السعودية عند الوصول، على الرغم من حملي تأشيرة دخول سارية المفعول.. لم تقدم السلطات أي تفسير.. لا يسعني تجاهل احتمال وجود قوى معتمة تسعى إلى عرقلة مسيرة الإصلاح والانفتاح والتسامح".
https://x.com/RabbiHerzog/status/2003376488955998442
توضح الروابط المتكاملة بين هذه التغريدات والتقارير أن معركة وعي حاسمة تدور خلف الكواليس؛ حيث تسعى الأبواق المدفوعة إماراتياً والصهاينة الجدد (أمثال الخميس) إلى فرض سردية الاستسلام والتبعية والتحريض على السيادات الوطنية، بينما تضطر أجهزة دول كبرى ومسئولون سابقون (أمثال تركي الفيصل) إلى وضع كوابح سيادية وإجراءات أمنية صارمة لمنع التطبيع المجاني، حمايةً للمصالح الوطنية العليا ولحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية.