ثمن الحقيقة: أحمد عاصم السنوسي.. المُصوّر الذي وثّق رصاصة قتله بعدسته

- ‎فيلن ننسى

امتدت أصداء مجزرة "صلاة الفجر" أمام دار الحرس الجمهوري في العاصمة المصرية القاهرة، والتي وقعت على عصابة العسكر في الثامن من يوليو عام 2013، لتشغل مساحات واسعة في الصحافة العالمية، ولم تكن هذه التغطية مجرد رصد لعدد الضحايا الذين تجاوزوا الخمسين قتيلاً، بل ركزت بشكل خاص على قصة إنسانية ومهنية فريدة بطلها المصور الصحفي الشاب أحمد عاصم السنوسي، البالغ من العمر 26 عاماً، والذي كان يعمل مصوراً لصحيفة "الحرية والعدالة".

وفي دراما التحولات السياسية الكبرى، قد تكون الصورة بألف رصاصة، مع صعود الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في أعقاب 3 يوليو، لم يكن الصراع مجرد معركة على الدبابات والمقرات، بل كان صراعاً شرساً على الرواية واللقطة.

في تلك البدايات العاصفة، دفع الكثير من الصحفيين، النشطاء، وأصحاب الصوت الحر أثماناً باهظة؛ ومنهم الصحفي أحمد سمير عاصم الشهير بأحمد عاصم السنوسي فكانت الكلمة تهمة، وكانت عدسة الكاميرا كافية لإنهاء حياة صاحبها برصاصة حية أمام مبنى الحرس الجمهوري.

وتناولت صحيفة "تليجراف" البريطانية في تقرير مطول لها هذه المأساة، مسلطة الضوء على مقطع الفيديو الأخير الذي التقطه عاصم قبل دقائق من مقتله، وعرضت الصحيفة المقطع الذي يظهر فيه قناص يرتدي زياً عسكرياً من أعلى أحد المباني التابعة للقوات المسلحة والمطلة على ساحة الاعتصام (شارع صلاح سالم أمام الحرس الجمهوري)، وهو يقوم بإطلاق النار بشكل متكرر على المعتصمين السلميين. وفي لحظة خاطفة ومروعة، يحول القناص بندقيته الآلية مباشرة نحو عدسة الكاميرا التي يحملها أحمد، لينتهي البث فجأة برصاصة في جبهة المصور الشاب، وتطوى معها حياته.

https://x.com/Abdelrrahman97/status/1810208125737140410

https://x.com/mahmoud3961/status/1566139013496463361

تنقل الصحيفة البريطانية عن إسلام، شقيق المصور الراحل، قوله: إن "الكاميرا الخاصة بأحمد كانت الأداة الوحيدة التي سجلت تفاصيل تلك المجزرة بالكامل منذ لحظاتها الأولى، مؤكداً أن هذا التسجيل سيظل دليلاً دامغاً وتاريخياً على الانتهاكات التي ارتكبت بحق المتظاهرين العزل"، وتضيف الصحيفة وفقاً لشهود عيان أن أحمد عاصم كان يؤدي الصلاة مع المعتصمين الرافضين لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، قبل أن يهرع لالتقاط كاميرته وتوثيق الأحداث فور بدء إطلاق النار.

شهادات الزملاء من قلب الميدان

 

تروي الصحيفة شهادة الزميل الصحفي أحمد أبو زيد (المعتقل حاليا)، العامل في صحيفة "الحرية والعدالة"، والذي كان متواجداً في المركز الإعلامي للاعتصام صباح ذلك اليوم، يقول أبو زيد: "في حوالي الساعة السادسة صباحاً، جاء رجل إلى المركز الإعلامي ومعه كاميرا مغطاة بالدماء، وقال لنا إن أحد زملائنا قد أصيب، وبعد حوالي ساعة، وصلتني الأخبار الصادمة بأن أحمد عاصم قتل برصاص قناص في جبهته أثناء تصويره لعمليات قنص المعتصمين".

 

أوضحت التقارير الإعلامية أن المشاهد التي وثقها عاصم قبل رحيله جاءت لتثبت رواية المعتصمين بأنهم تعرضوا لإطلاق النار المباشر أثناء أدائهم الركعة الثانية من صلاة الفجر، دون قيامهم بأي استفزازات تجاه قوات الجيش. ونتيجة للقيمة التوثيقية العالية لما تركه عاصم، تم إنشاء صفحة باسمه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لتضم كافة اللقطات والصور التي التقطتها كاميرته لتبقى شاهداً حياً على الأحداث.

 

وفي سياق متصل، لم يكن حزن الوسط الصحفي مقتصراً على التقارير المكتوبة؛ إذ أقامت شعبة المصورين الصحفيين بنقابة الصحفيين المصرية حفل تأبين حاشد لأحمد عاصم، عبر فيه زملاء المهنة عن صدمتهم وخسارتهم لواحد من أنشط الكوادر الشابة.

مرارة الفقد وشهادات إنسانية

 

خلف الستار المهني، تبرز شهادات إنسانية مؤثرة من أصدقاء أحمد عاصم المقربين. يروي المصور الصحفي عمرو صلاح الدين جانباً من علاقته بالراحل، مسترجعاً حماسه وشغفه المهني؛ حيث كان أحمد يردد له دائماً: "عايز آجي معاك سوريا"، بينما كان عمرو يجيبه خوفاً عليه: "يا بني إذا كنت ببقى شايل همك وإحنا بنصور الاشتباكات الخايبة اللي في مصر، يبقى يا إما هموت بسببك في سوريا، يا إما مش هعرف أعمل شغلي عشان آخد بالي منك".

 

ويتابع عمرو رثاءه بمرارة قائلاً: "وأهو استشهد في مصر، ولا عرفت أحميه، ولا خدت بالي منه. أحمد عاصم، الشهير ببندق، كان تلميذي وأخي الصغير، فقدت الكثير من الأصدقاء منذ الثالث من يوليو، لكن لم أتأثر بفقدان أحدهم كأحمد، الذي قتله ضابط بدم بارد وهو يؤدي عمله الصحفي، كان شعلة فتية توشك أن تنفجر، فأبى زنديق إلا أن يطفأها بضغطة زناد في جزء من الثانية، ليقتل معه عشرات الأحلام لأم مكلومة أو حبيبة ثكلى".

 

ولم تتوقف المأساة عند حدود الثامن من يوليو؛ ففي منتصف أغسطس من العام نفسه (2013)، وتحديداً خلال أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، لحقت به خطيبته الشابة "سارة" ومعها والدتها، حيث استشهدتا معاً في الميدان، وتداول أصدقاء أحمد وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي هذه الواقعة بكثير من الأسى والمواساة، معتبرين أن "سارة" رفضت أن تترك عريسها وحيداً، فذهبت لتلحق به برفقة والدتها لتزف إليه في العالم الآخر.

الوالدة وتجدد الجرح

 

مع مرور عام كامل على الأحداث في يوليو 2014، تحدثت آمال السنوسي، والدة أحمد عاصم، لوكالة الأناضول للأنباء مسطرةً كلمات تمتزج فيها لوعة الفراق بالفخر بنجلها، قالت الأم: "راضية بقضاء الله، ولكني أنتظر في كل لحظة القصاص، أحمد ابني عاش بطلاً ومات بطلاً، طوال عمره كان يتمنى الشهادة وهو يؤدي مهنته، وقد مات والكاميرا في يده، وضرب النيران أمامه، ولم يفكر في التراجع لحظة واحدة من أجل أن يكشف لنا الحقيقة".

 

وأكدت الوالدة أنها لن تسامح في دم ابنها، سواء من باشر القتل أو حرض أو أيد تلك الجريمة، مشيرة إلى أن حزنها يتجدد مع سقوط كل شهيد في البلاد، لكنها تجد بعض السلوى عندما يتصل بها أصدقاء أحمد ليشاركوها ذكرياتهم الجميلة معه.

حصيلة ثقيلة واستهداف ممتد

 

لم يكن أحمد عاصم السنوسي الصحفي الوحيد الذي دفع حياته ثمناً لتغطية الاضطرابات السياسية العنيفة التي شهدتها مصر في تلك الفترة، بل انضم إلى قائمة طويلة من الشهداء والمفقودين من أبناء الجماعة الصحفية والإعلامية الذين استشهدوا في مواقع مختلفة، ومن أبرزهم:

 

    أحمد عبد الجواد: الصحفي بجريدة "أخبار اليوم".

 

    حبيبة أحمد عبد العزيز: الصحفية بجريدة "جولف نيوز".

 

    مصعب الشامي: المصور بشبكة "رصد" الإخبارية.

 

    تامر عبد الرؤوف: مدير مكتب جريدة "الأهرام" بالبحيرة.

 

https://x.com/ERC_egy/status/1955976106353254443

 

أثارت هذه الاستهدافات المتكررة للصحفيين حالة من الاستنكار الشديد والجدل الأكاديمي والمهني داخل الأوساط التعليمية والجامعية في مصر، لاسيما في كليات الإعلام؛ حيث عبر العديد من الطلاب والأساتذة، مثلما أشار المدون أحمد عمارة Ahmad Emara ، عن صدمتهم واستغرابهم من وجود جهات أو أفراد داخل المنظومة الإعلامية والأكاديمية يؤيدون السلطة السياسية بعدما شاهدوا بأعينهم زميلهم وخريج كليتهم، أحمد عاصم، وهو يوثق لحظة اغتياله بنفسه على يد قوات الأمن، إلى جانب ما تعرض له العشرات من أبناء المهنة من قتل وإصابات واعتقالات متتالية.

 

http://aja.me/12hqEmZ