محمد مهدي عاكف.. المرشد (7) شيخ تكسّرت أمام صموده عروض الاسترحام وقضبان الفراعنة

- ‎فيلن ننسى

كشاهد حي على سيرة رجل عاش عزيزاً وثابتاً في مواجهة كافة العهود الديكتاتورية التي تعاقبت على حكم مصر منذ وُلد في 12 يوليو من عام 1928، وبدأت مسيرته مبكراً بالجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي، ليقضي بعدها قرابة 27 عاماً من حياته خلف القضبان موزعة بين حقب تاريخية مختلفة.

المرشد العام السابع رحمه الله تناولته رغم أكثر من 8 سنوات على وفاته معرفات ومنصات شاركت في إحياء ذكرى مولده ورحيله السيرة الفريدة لهذا الرجل، وتُسلط الضوء على تفرده القيادي والأخلاقي كأول مرشد عام للجماعة يعلن ترك منصبه طوعاً في حياته عام 2010 في سابقة كانت الأولى من نوعها في تاريخ الجماعة، مكرساً بذلك فلسفة "أن الذِكر للإنسان عمر ثاني".

الصمود التاريخي وعقدة النظم الحاكمة

 

ظل الأستاذ محمد مهدي عاكف على مدار عقود يمثل عقدة عصية أمام آلات البطش السلطوي، وفي هذا السياق, يوثق الدكتور محمد الصغير هذه المسيرة الاستثنائية مشيراً إلى أن مرشد الإخوان السابق يسجل أسطورة الصمود حيث سُجن في عهد الملكية، وعبد الناصر، والسادات، ومبارك، وأخيراً نظام السيسي.

 

ويتعجب الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة، @YZaatreh مستهجناً سلوك النظام العسكري المعاصر تجاه شيخ طاعن في السن يعاني سكرات الموت، حيث دون عبر حسابه:

"نظام ساقط يعتقل رجلا في الـ88 على وشك الموت (محمد مهدي عاكف). أي خطر يمثله مثل هذا الرجل حتى يلقى به في السجن دون ذنب؟! لو كان رجل تسعيني يحتضر (مثل محمد مهدي عاكف) خصما لزعيم كوريا الشمالية لربما أطلق سراحه، لكن السيسي لا يفعل!!" ومان ذلك فور اعتقاله في 2013.

 

وبعده بسنوات، يشاطر الإعلامي سليم عزوز الرأي الزعاترة مؤكداً انتفاء أي مبرر أمني لاعتقال الرجل سوى الرغبة في الانتقام والتنكيل برمزية الحق، متسائلاً: "لماذا يسجن عبد الفتاح السيسي الاستاذ محمد مهدي عاكف؟ وماهي الخطورة التي يمثلها رجل يبلغ من العمر (90) عاماً؟!"، ورغم تقدمه الفائق في السن وتدهور حالته الصحية الشديد وإصابته بالسرطان داخل محبسه عقب انقلاب يوليو 2013، إلا أن سلطات السيسي أصرت على إبقائه يصارع الموت خلف الزنازين، مما جعله شاهداً حياً على بطش عسكري لا يرحم الشيبة ولا يحترم حرمة المرض.

رفض الاسترحام وعزة النبلاء أمام "الأندال"

 

إن المحطة الأبرز في ختام حياة المرشد محمد مهدي عاكف، والتي تحولت إلى أيقونة فكرية تتناقلها الأجيال، تتجسد في موقفه الصارم بالرفض القاطع لتقديم أي طلب "استرحام" أو عفو صحي إلى السيسي ونظامه العسكري. ففي الوقت الذي لاحقته فيه العروض والوساطات لتقديم ورقة عفو مقابل خروجه ليموت في بيته، صمد الشيخ صمود الطود مجدداً عزة الإسلام.

 

يعلق الناشط طارق حمدية @tareqhamdia عبر منصة إكس مخلداً هذا الموقف:

"محمد مهدي عاكف رحل في سجنه رافضاً أن يذل نفسه بطلب استرحام السيسي ونظامه دون أن يتراجع عن مبادئه وموافقه وأفكاره"

 

وفي مقارنة شعبية لاذعة تكشف طينة النظام الحاكم، يقارن الناشط ياسر محمد @yasserm86538853 بين صمود عاكف وبين من تشملهم قرارات العفو الرئاسي، متوجهاً بحديثه إلى نجيب ساويرس:

"يا نجيب يوجد فى سجون مصر دكاترة ومهندسين ومستشارين ومشايخ عدو 90 سنه ومحمد مهدى عاكف مات فى السجن ويبلغ من العمر 93 سنة والسيسي بيخرج نخنوخ بعفو رئاسي علشان يضرب النخبة الوطنية في فطار رمضان أنت لا تستحي يا نجيب واعلم علم اليقين أن الله يمهل ولا يهمل"

 

ويؤكد حساب "Ahmed ashour" أن هذا الثبات كان بمثابة المبرهن العملي على التمسك بالحق ورفض الرضوخ للباطل، ليكون قدوة حية لغيره من المعتقلين والثابتين من كبار السن والمشايخ؛ حيث نال بتلك الميتة عزة الشرفاء وحرم جلاديه من شفاعة المفسدين، وهو ما تصفه حسابات الناشطين بأنه ترفع تليق برجل بقامة عاكف الذي أبى أن يشمله "عفو الأندال"، مختاراً الموت مرفوع الرأس والهامة تماماً كما فعل من بعده الرئيس الشهيد محمد مرسي الذي رفض الاعتراف بالانقلاب العسكري.

تزييف التصنيفات وتفنيد دعاوى العنف

 

حاولت الآلة الإعلامية والأمنية لنظام السيسي جاهدة إلصاق (تهم العنف والإرهاب والاستهزاء بالوطن وهو منها براء) بالمرشد الراحل وجماعته لتبرير قتله طبياً داخل المحبس. وفي هذا السياق، تخرج الأبواق المحسوبة على السلطة كمختار نوح (منشق عن الإخوان) لتدعي زوراً أن الإخوان يمزجون بين العنف والشائعات لإرباك الدولة، (بتوظيف انتمائه السابق) وهي المزاعم التي تفندها المنصات التوثيقية مثل "صحيح الإخوان" مؤكدة بطلان هذا الربط ومستشهدة بأدبيات ومقالات عاكف الرسمية ومنها مقال «الإخوان والعنف.. العلاقة المفتعلة» الذي أكد فيه بشكل حاسم "رفض الجماعة لجميع أعمال العنف والقتل والتدمير والتزامها التام بالعمل السياسي السلمي".

https://x.com/ikhwanonline/status/1777336402889379862

ويفضح الإعلامي ياسر أبوهلالة @abuhilalah التناقض الصارخ والتسييس الفج في تصنيفات الإرهاب التي يعتمدها النظام المصري المعاصر مقارنة حتى بالقوى الاستعمارية التاريخية، حيث كتب مستنكراً:

 

"لم تصنف بريطانيا محمد مهدي عاكف ارهابيا مع أنه حمل السلاح ضد احتلاها وصنفه السيسي إرهابيا لأنه عارضه ولم يحمل السلاح فأي التصنيفين أدق ؟"

 

ويشير أبو هلالة إلى أنه في فترة المقاومة ضد الاحتلال الإنجليزي في منطقة القناة (بداية الخمسينيات 1951-1952)  قاد أ.مهدي عاكف عمليات الإخوان المسلمين

الفدائية ضد معسكرات الإنجليز في التل الكبير والمحسمة بـ محافظة الشرقية ومناطق قريبة من أبو حماد. وكانت خطوط السكك الحديدية والقطارات الإنجليزية التي تنقل الإمدادات من وإلى معسكرات الإنجليز (والتي كانت تمتد تاريخياً حتى فلسطين) هدفاً رئيسياً للفدائيين لتدمير خطوط إمداد الجيش البريطاني ونفذ ومجاهدين آخرين تفجير قطار كان يحمل عشرات الجنود الإنجليز وقدر عددهم بنحو 400 إنجليزي.

حتى إنه في حرب غزة (2008-2009) أعلن فتح باب التطوع للجهاد في غزة ودعم حركة حماس بكل الوسائل، مطالباً الأنظمة العربية بفتح الحدود.

 

ليظل هذا التباين شاهداً على أن تهمة الإرهاب في مصر ما هي إلا أداة انتقامية لمعاقبة كل من رفض أن يذل نفسه لطاغية أو يوقع على صكوك الاستسلام لعصابة العساكر، وبموته عزيزاً مريضاً خلف القضبان دون تنازل، كسب عاكف رهان التاريخ ووصفه المفكرون والسياسيون مثل الدكتور محمد الجوادي بأنه "أقوى إخواني في التاريخ"؛ رجل وفى اسمه بوصفه، ومات طاهر الثوب في زنزانته متوجاً بشهادة الصمود.

"سجين كل العصور" والتعريف بمسيرة المحطات التسع

 

ولم يتوقف رعب النظام العسكري من أ.محمد مهدي عاكف عند حياته وثباته، بل امتد هذا الذعر والهلع حتى بعد صعود روحه إلى بارئها؛ حيث سعت سلطات السيسي بكل قوتها لمحاصرة جثمانه ومنع الجماهير من تشييعه. ويوثق الإعلامي محمد جمال هلال @gamal_helal هذا المشهد في لحظاته الأولى مغرداً:

"سلطة الانقلاب تسعي لدفن الأستاذ الشهيد محمد مهدي عاكف بعد قليل -ليلاً- وفي أسرع وقت حتي تكون جنازته قاصرة على أهله."

 

وبالفعل، دُفن المرشد السابع ليلاً تحت حراسة أمنية مشددة ومنع مشيعوه من الحضور، ليعيد العسكر تكرار التاريخ الذي صنعوه سابقاً مع المرشد الأول حسن البنا، والشيخ سيد قطب، والرئيس الشهيد محمد مرسي الذين دفنوا جميعاً في عتمة الليل خوفاً من زلزال الجنازات الشعبية.

ورغم ذلك الحصار المذعور في القاهرة، فتحت الأمة ذراعيها لعاكف؛ حيث أقيمت له صلوات الغائب في عواصم شتى، من أمريكا وحتى القدس المحتلة، ليوجه محمد جمال هلال سؤاله التاريخي إلى السيسي قائلاً: "صُلي على أ. مهدي عاكف في الأقصى يا سيسي.. من سيصلي عليك أنت عندما تموت؟!".

كما شهدت الولايات المتحدة (نيوجيرسي) صلوات غائب وعزاءً حاشداً بمشاركة الجالية الإسلامية كمظهر من مظاهر التقدير الشعبي العالمي لرجل أفنى شبابه وشيبته في الدفاع عن قضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين التي كان يردد عنها دائماً: "فلسطين ليست ملكاً للفلسطينيين وحدهم، بل هي وقف إسلامي، والتفريط فيها خيانة لله ورسوله".

ويردد دائما: "إنَّ غزّةَ بحاجةٍ منَّا إلى ما هو أقوى وأنفذ؛ تحتاج إلى الفعل الجادّ لكسر هذا الحصار الغاشم الظالم، وهذه مسؤولية الجميع دون استثناء".
. محمد مهدي عاكف وفلسطين (وغزة)

 

وفي حرب 1948 كان عاكف من قادة "النظام الخاص" والمتطوعين الذين توجهوا إلى فلسطين عام 1948 لمقاومة العصابات الصهيونية وتولى قيادة معسكرات التدريب الخاصة بالشباب المتطوعين (خاصة من طلبة الجامعات) في منطقة القناة وسيناء.

وكانت غزة والبلدات المحيطة بها مسرحاً رئيسياً لعمليات المتطوعين الإخوان في حرب 1948، حيث خاضوا معارك شهيرة هناك (مثل معركة الفالوجة، دير البلح، وعسلوج) لحماية العمق الفلسطيني ومنع تقدم العصابات الصهيونية.

في مثل 12 يوليو 1928، وُلد محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابع للإخوان المسلمين، وأول من حمل لقب "مرشد سابق" وهو على قيد الحياة، بعد أن اختار ترك المنصب بإرادته عام 2010، في سابقة بتاريخ الجماعة.

المحطة الأولى: انضم إلى جماعة الإخوان وهو في الثانية عشرة من عمره، وتتلمذ على يد الإمام حسن البنا، وشارك مبكرًا في العمل الدعوي والطلابي، حتى أصبح من أبرز قيادات الجيل الثاني داخل الجماعة.

المحطة الثانية: بعد صدام نظام جمال عبد الناصر مع الإخوان عام 1954، اعتُقل عاكف، وصدر بحقه حكم بالإعدام، قبل أن يُخفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ليقضي نحو 20 عامًا في السجون.

المحطة الثالثة: ولهذا لُقب بـ "سجين كل العصور"؛ فقد ذاق الاعتقال في العهد الملكي، وسُجن في عهد عبد الناصر، وأعيد اعتقاله في عهد مبارك، ثم اعتُقل مجددًا بعد أحداث 2013، حتى وفاته في محبسه عام 2017.

(وبين المرحلتين ملاحظة: فبعد حادثة المنشية عام 1954 في عهد جمال عبد الناصر، تم اعتقال محمد مهدي عاكف وقُدم للمحاكمة أمام "محكمة الشعب"  وصدر بحقه بالفعل حكم بالإعدام في البداية وبعد تخفيف الحكم لم يُعدم عاكف؛ بل تم خفف إلى السجن المؤبد (الأشغال الشاقة المؤبدة)، وقضى في السجن 20 عاماً كاملة (من 1954 حتى أفرج عنه السادات عام 1974 وأعدم آخرين منهم الفقيه القانوني عبد القادر عودة والشيخ محمد فرغلي والقائد في حرب فلسطين يوسف طلعت وهنداوي دوير وابراهيم الطيب…)

المحطة الرابعة: بعد الإفراج عنه، حمل الدعوة إلى خارج مصر، فعمل في السعودية، ثم أدار المركز الإسلامي في ميونخ بألمانيا، وأسهم في دعم العمل الإسلامي في أوروبا، قبل أن يعود إلى مصر عام 1987.

المحطة الخامسة: انتُخب عضوًا بمكتب الإرشاد، كما دخل مجلس الشعب نائبًا عن الإخوان، واشتهر بمواقفه الرقابية ودعوته إلى الإصلاح السياسي والحريات العامة.

المحطة السادسة: في يناير 2004، تولى منصب المرشد العام السابع للإخوان المسلمين، وقاد الجماعة خلال مرحلة شهدت توسعًا سياسيًا كبيرًا، كان أبرزها انتخابات 2005 التي حقق فيها مرشحو الإخوان أكبر تمثيل برلماني لهم آنذاك.

المحطة السابعة: عام 2010، أعلن عدم استمراره في منصب المرشد، مؤكدًا أهمية تداول المسؤولية، ليصبح أول مرشد عام يغادر موقعه بإرادته وهو على قيد الحياة.

 

المحطة الثامنة: بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي عام 2013، كان من أوائل المعتقلين، رغم تجاوزه الخامسة والثمانين من عمره، وظل محتجزًا مع تدهور حالته الصحية، وسط مطالب متكررة بالإفراج الصحي عنه.

المحطة التاسعة: في 22 سبتمبر 2017، رحل محمد مهدي عاكف داخل محبسه بعد معاناة مع المرض، لتنتهي رحلة امتدت قرابة تسعة عقود، بين الدعوة، والسجون، والعمل العام، وقيادة واحدة من أكبر الحركات الإسلامية في العالم.

(عُرف عاكف بصلابته وصراحته الشديدة، ومن أبرز مواقفه وكلماته "طز في مصر.." وهي عبارة أثارت جدلاً واسعاً جداً في الإعلام، وسياقها -كما أوضح لاحقاً- أنه كان في حوار صحفي مع الصحفي سعيد شعيب عام 2006 بسبب الهجوم على فكرة الأممية الإسلامية، وانتماء منه إلى أمة أوسع من وكن مهما كان ضيقا، فقالها تعبيراً عن رفضه لتقديم القومية الترابية على العقيدة، واعتبر خصومه الكلمة سقطة وطنية كبيرة، بينما رآها آخرون مجازية في سياق ما تقدم)

وتوفي رحمه الله في سبتمبر 2017 عن عمر يناهز 89 عاماً في مستشفى القصر العيني بالقاهرة وهو رهن التحفظ الحبس الاحتياطي بعد أحداث 2013، ودُفن ليلاً وسط إجراءات أمنية مشددة.