الإعلام من الأدوات التي أحكم السيسي السيطرة عليها منذ بداية الانقلاب، بإغلاق جميع الصحف المعارضة وحجب أكثر من 750 موقعا صحفيا، أي ظهور إعلامي لأي شخصية يخضع لموافقات مسبقة من الجهات السيادية التي تدير المشهد الإعلامي، كسر النظام للصورة النمطية وظهور محسوبين على نظام مبارك يصب في مصلحة نظام الانقلاب، بل يحرق ما تبقى من حنين لدى المصريين للنظام السابق، عزز النظام بظهور هذه الشخصيات من سرديته حول ثورة يناير.
بعد فترة طويلة من الغياب، عادت رموز عهد الرئيس الراحل حسني مبارك إلى دائرة الضوء مجددًا، عبر عدد من المنصات والقنوات الإعلامية والإخبارية، وذلك بعد سنوات من الابتعاد أو الإبعاد عن المشهد العام.
واللافت أن هذه العودة لم تأتِ في صورة ظهور فردي عابر لأي منهم، وهو ما كان يمكن تقبله في إطاره الضيق، وإنما بدت أقرب إلى مسار ممنهج، من خلال استضافات متتالية ومتزامنة لعدد من الوزراء والصحفيين والشخصيات المرتبطة بالعهد السابق، ومن خلال مضامين تكاد تكون متشابهة.
كما جرى تقديم بعضهم باعتبارهم أبطالًا تحملوا المسؤولية في ظروف صعبة، وأحيانًا بوصفهم ضحايا لثورة يناير، بعدما كانوا في وقت سابق موضع اتهامات بالفساد، وكان الشارع المصري يصفهم بـ"فلول النظام"،
فتحت هذه العودة اللافتة، بهذه الطريقة المستفزة لكثير من المصريين، لا سيما أنها شملت أسماء ارتبط حضورها في الذاكرة العامة بحالة من الاحتقان والغضب الشعبي، الباب واسعًا أمام التكهنات بشأن دوافع هذا الاستدعاء وتوقيته، فما الذي يقف وراء إعادة تدوير رموز عهد مبارك داخل المشهد الإعلامي؟ وهل يجري توظيفهم لخدمة أهداف سياسية محددة أو مصالح سلطوية بعينها؟
عودة ممنهجة
يكشف تتبع المشهد الإعلامي المصري أن الأمر لم يكن عشوائيًا أو مجرد مصادفة؛ إذ تحول عدد من رموز نظام مبارك، بصورة مفاجئة، إلى ضيوف دائمين على منصات وقنوات إعلامية متعددة، واللافت هنا أن هذه الشخصيات ظهرت مع إعلاميين بارزين يتمتعون بحضور جماهيري واسع وثقة لدى قطاعات من المتابعين، وهو ما منح تلك اللقاءات زخمًا استثنائيًا، ووسع من نطاق تأثيرها وانتشارها.
كان أحدث هذه الاستضافات ظهور وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، الذي عاد إلى مصر في فبراير 2025، بعد نحو 14 عامًا قضاها خارج البلاد، وذلك في حوار مطول مع الإعلامية لميس الحديدي.
وكان من أبرز تصريحاته إشادته بما وصفه بـ" الطفرة الكبيرة" في مشروعات الطرق والكباري والمدن الجديدة، وحديثه عن وجود "رؤية واضحة وأكثر جرأة" في اتخاذ القرارات الاقتصادية حاليًا، كما أبدى تأييده لبعض السياسات المالية التي تتبناها السلطة الحالية، وفي مقدمتها التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
وتطرق غالي كذلك إلى بعض القرارات الاقتصادية في عهد مبارك، قائلًا: إن "الرئيس الأسبق رفض مقترحات لتحريك أسعار السولار والطاقة، محمّلًا هذا الرفض جانبًا من مسؤولية تفاقم الاختلالات الاقتصادية في تلك المرحلة، وهو ما أثار سجالًا داخل معسكر النظام القديم نفسه، خصوصًا بعدما علّق علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، عبر حسابه على منصة “إكس”، واصفًا ما قيل بأنه كلام "غريب وفي توقيت أغرب"
وفي التوقيت ذاته تقريبًا، حلّ وزير الصحة الأسبق حاتم الجبلي ضيفًا على الإعلامي مجدي الجلاد، حيث تناول صعود مجموعة السياسات داخل الحزب الوطني المنحل، وملف توريث الحكم، وكواليس الأيام السابقة لثورة يناير، مشيرًا إلى أن جمال مبارك كان وراء اقتراح اسم أحمد نظيف لتولي رئاسة الحكومة، كما تحدث عن رصد أجهزة الدولة، قبل اندلاع الثورة بخمسة أيام، لما وصفها بتحركات مرتبطة بحركة "حماس"، وطرح رؤيته بشأن وجود "خطة أمريكية لنشر الفوضى".
وقبل ظهوري غالي والجبلي، كان وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني قد شارك في عدد من اللقاءات التلفزيونية والحوارات الثقافية، متحدثًا عن علاقته بحسني مبارك وزوجته سوزان مبارك ونجله جمال، فضلًا عن كواليس سقوط النظام، معتبرًا أن أحد أكبر أخطاء نظام مبارك تمثل في طول فترة بقائه في الحكم، مشيرًا إلى أنه كان يتصور أن يتنحى الرئيس الأسبق قبل اندلاع الثورة، ويفتح المجال أمام انتقال سياسي مختلف.
وإلى جانب هذه الأسماء، استضافت منصات إعلامية أخرى مسؤولين وشخصيات محسوبة على عهد مبارك، من بينهم مصطفى الفقي، سكرتير المعلومات الأسبق برئاسة الجمهورية، الذي أعاد فتح عدد من ملفات الحكم في لقاءات مطولة، كذلك الكاتب الصحفي أسامة سرايا، رئيس تحرير صحيفة "الأهرام" لأسبق وأحد الصحفيين المقربين من مؤسسة الرئاسة خلال عهد مبارك، والذي ظهر في لقاءات عدة استعاد خلالها كواليس علاقته بالرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وقدم روايته بشأن آليات صناعة القرار داخل الدولة في تلك المرحلة.
كذلك وزير الري الأسبق محمد نصر علام والذي تبنى سردية النظام الحالي بتحميله ثورة يناير مسؤولية تفاقم أزمة سد النهضة، حيث أشار إلى أن أديس أبابا استفادت من الاضطرابات التي شهدتها مصر إبان الثورة، لتمرير هذا المشروع، مؤكدًا أنه كان يتوقع حدوث الثورة بسبب الأوضاع الداخلية المتفاقمة وقتها.
شيطنة يناير.. العزف على ذات السردية
رغم أن رموز نظام مبارك كانوا جزءًا أساسيًا من المشهد الذي أسهم في اندلاع ثورة يناير، ومن أسباب تصاعد الاحتقان الشعبي ضد النظام السابق، فإنهم حاولوا، في ظهورهم الإعلامي الأخير، إعادة صياغة ذاكرة الثورة وتقديمها من منظور مختلف، يتماهى بدرجات متفاوتة مع السردية التي تتبناها السلطة الحالية، والقائمة على التشكيك في الثورة، وتشويه صورتها، وتجريدها من رمزيتها السياسية والتاريخية.
واتفقت غالبية هذه الشخصيات على تقديم رواية مغايرة لأسباب اندلاع الثورة؛ فلا يجري تصويرها باعتبارها انتفاضة شعبية ضد نظام اتُّهم بالفساد والاستبداد والإخفاق السياسي والاقتصادي، وإنما بوصفها مخططًا مدعومًا من الخارج بهدف نشر الفوضى وزعزعة استقرار الدولة، ووفق هذه الرواية، لم تكن الأخطاء التي وقعت خلال عهد مبارك تستدعي اندلاع ثورة بهذا الحجم، إذ لم تكن المشكلة، في نظرهم، كامنة في بنية النظام برمتها، وإنما في بعض الأخطاء المحدودة التي كان من الممكن معالجتها بالحوار والإصلاح التدريجي.
كما سعى عدد من المسؤولين الذين لاحقتهم اتهامات بالفساد عقب الثورة إلى تبرئة ساحتهم وإعادة تجميل صورتهم أمام الرأي العام، في محاولة لنقلهم داخل المخيلة المصرية من موقع "فلول النظام" إلى صورة التكنوقراط الناجحين والإصلاحيين أصحاب الرؤى والأفكار، ويبدو أن هذا المسار يستهدف تفكيك الصورة السلبية الشاملة لنظام مبارك، التي شكّلت إحدى الركائز الأساسية للخطاب الثوري في يناير.
كذلك يتقاطع التلميح إلى وجود دور أمريكي في اندلاع الثورة، والحديث عن مخططات خارجية لإثارة الفوضى، وربط أحداث يناير بتهديد الأمن المائي المصري من خلال أزمة سد النهضة، مع السردية الرسمية الحالية التي تنظر إلى الثورة بوصفها كابوسًا سياسيًا وأمنيًا لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العام، وشبحًا لم يغب عن حسابات السلطة، رغم مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاعها.
تفكيك ما تبقى من عهد مبارك
رغم الهيمنة السلطوية شبه الكاملة على المشهد العام، لا يزال نظام السيسي ينظر بعين من الريبة والقلق إلى إرث عهد مبارك، خصوصًا مع كل أزمة اقتصادية تضرب البلاد، إذ يتجدد الحنين لدى قطاعات من المصريين إلى تلك المرحلة، التي يراها بعضهم أكثر انحيازًا إلى الفقراء ومحدودي الدخل مقارنة بالأوضاع الراهنة، كما أن الشعبية التي لا يزال يتمتع بها نجلا مبارك، ولا سيما جمال مبارك، داخل بعض الأوساط الشعبية، والتي تظهر بوضوح خلال مشاركته في عدد من المناسبات العامة، قد تمثل مصدر قلق للنظام، خصوصًا مع تكرار الدعوات، من حين إلى آخر، إلى عودته للحياة السياسية أو ترشحه في انتخابات رئاسية مقبلة.
ويبدو أن هذا الحنين إلى مبارك وعهده، إلى جانب الشعبية المتنامية لجمال مبارك، تحولا إلى صداع مزمن بالنسبة إلى السلطة الحالية، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الاستضافات الإعلامية الأخيرة لرموز النظام السابق بوصفها محاولة لتفكيك ما يمكن تسميته بـ "الكتلة المباركية"، التي شهدت حضورًا متزايدًا خلال الفترة الأخيرة.
واللافت أن تصريحات تلك الشخصيات، رغم اختلاف مساراتها وتباين مضامينها، تصب في نهاية المطاف داخل إطار واحد، الإقرار بأن مبارك ارتكب أخطاء مصيرية، حتى وإن لم ترتق لمستوى الثورة عليه، والإيحاء بأن جمال مبارك، الذي لم يكن مناسبًا لخلافة والده آنذاك، لا يمثل بديلًا صالحًا للحكم حاليًا، وقد اختلفت الأدوار التي أدتها هذه الشخصيات داخل ذلك الخطاب؛ فبعضها انتقد سياسات نظام مبارك، وبعضها قدم نفسه بوصفه إصلاحيًا عارض التوريث، فيما ادعى آخرون أنهم حذروا الرئيس الأسبق من عواقب بعض القرارات، أو حاولوا التبرؤ من قربهم من دوائر صناعة القرار.
ويبعث هذا الخطاب برسائل ضمنية إلى الشارع المصري مفادها أن نظام مبارك لم يكن نموذجًا مثاليًا للحكم، وأن الحنين إليه يقوم، في جانب كبير منه، على ذاكرة عاطفية وانتقائية لا تستند إلى قراءة شاملة لوقائع تلك المرحلة، كما يوحي بأن ما يعرف ب "الكتلة المباركية" لم تعد كتلة متماسكة، وأن الحديث، صراحة أو تلميحًا، عن عودة ذلك النظام أو رموزه إلى المشهد السياسي يظل أمرًا مستبعدًا.
ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه المساحة الإعلامية باعتبارها محاولة لاحتواء الحنين إلى عهد مبارك، ومنحه متنفسًا محدودًا للتعبير عن نفسه عبر بعض رموزه، ولكن تحت رقابة السلطة وفي إطار منضبط، يضمن ألا يتحول ذلك الحنين من حالة وجدانية إلى مشروع سياسي قادر على فرض نفسه مجددًا داخل المجال العام.
مقارنة تخدم النظام الحالي
المعنى الأبرز الذي يمكن استخلاصه من تلك اللقاءات مع رموز نظام مبارك يتمثل في عقد مقارنة غير مباشرة، لكنها محسوبة ومنضبطة، بين النظام السابق والنظام الحالي، فقد جرى تقديم عهد مبارك باعتباره مرحلة لم تكن الأفضل، وأن الرئيس الأسبق لم يمتلك القدر الكافي من الحسم والجرأة لاتخاذ قرارات اقتصادية صعبة، مثل تحريك الأسعار وإعادة هيكلة منظومة الدعم، على غرار القرارات التي اتخذها نظام السيسي.
كما وجّه عدد من رموز النظام السابق انتقادات إلى مبارك، متهمين إياه بالجمود والتردد والتمسك بالأساليب التقليدية في إدارة الدولة، في مقابل إبداء الإعجاب بقدرة النظام الحالي على تعزيز المؤسسة العسكرية، وتطوير البنية التحتية، وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، في وقت تمر فيه المنطقة باضطرابات وتحولات شديدة الخطورة.
ورغم أن هذا الخطاب لم يتضمن هجومًا مباشرًا أو حادًا على نظام مبارك، فإنه حمل اتهامات ضمنية له بالضعف، والعجز عن استشراف المخاطر، وترك الأحداث تتطور من دون تدخل حاسم، إلى جانب السماح بتمرير مشروعات سياسية كان لها أثر بالغ، وفي مقدمتها مشروع التوريث، وهي إشارات توحي بأن النظام السابق افتقر إلى الرؤية الواضحة والقدرة على إدارة الأزمات قبل انفجارها.
ولا شك أن مثل هذه السردية تخدم النظام الحالي، إذ تقدمه بوصفه نظامًا يتمتع بالحسم، والقدرة على إعادة بناء الدولة، واتخاذ القرارات الصعبة بصرف النظر عن المزاج الشعبي أو كلفتها الاجتماعية، كما أن مجرد إتاحة المجال أمام هذه الشخصيات للظهور والحديث، بعد سنوات من الابتعاد عن الساحة، يصب في مصلحة السلطة التي تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها أكثر انفتاحًا، وقادرة على استيعاب أصوات تنتمي إلى مراحل سياسية سابقة.
وفي السياق ذاته، فإن استدعاء رموز نظام مبارك للحديث عن تجربتهم، رغم ما قد يحمله ذلك من احتمالات تجدد الحنين إلى تلك المرحلة، يمكن قراءته بوصفه استعراضًا للقوة من جانب النظام الحالي، الذي يريد التأكيد أنه لا يخشى هذا الظهور ولا يتحرج منه، خصوصًا بعد نجاحه في ضبط مساراته وتقديمه بالصورة التي تخدم سرديته السياسية وأهدافه.
وفي المحصلة، لا يمكن تفسير هذا الاستدعاء باعتباره تراجعًا عن سياسة تضييق المجال العام، أو فتحًا حقيقيًا للباب أمام مختلف التيارات السياسية، فلو كان الهدف توسيع هامش التعبير بالفعل، لكان استدعاء رموز التيارات المعارضة الأخرى، من إسلاميين ويساريين وليبراليين وغيرهم، أكثر دلالة واتساقًا مع هذا التوجه.
وعليه، يبدو أن الهدف يتجاوز بكثير ما يُروَّج له إعلاميًا؛ إذ تسعى السلطة إلى إعادة صياغة ذاكرة عهد مبارك بما يعزز شرعيتها، ويقدمها في صورة الدولة القوية والحاسمة، إلى جانب احتواء الحنين إلى تلك المرحلة وتقييده داخل نطاق وجداني وعاطفي، بما يمنع تحوله إلى مشروع سياسي، ويقضي على أي آمال محتملة في عودة ذلك النظام أو رموزه إلى المشهد من جديد، فهو حرق لما تبقى من ذاك النظام أكثر منه تجميلا لصورته.