في الذكرى ال10 للانقلاب .. دراسة لـ “مركز حريات”: أردوغان تعامل مع الأزمة في تحويل التهديد إلى نقطة إعادة بناء الدولة التركية

- ‎فيعربي ودولي

قالت دراسة لمركز "حريات" (2026): إن "بقاء أردوغان في السلطة وإدارته للأزمات لم يكن نتاج "الكاريزما" الفردية وحدها، بل هو ثمرة تفاعل ديناميكي بين قيادة تمتلك رؤية بعيدة المدى، ودولة جرى تطوير أدواتها ومصداتها تدريجيًا، ومجتمع احتكم في النهاية إلى الشرعية الانتخابية، إنها تجربة تقدم نموذجًا محوريًا في كيفية قيادة الدول عندما تهتز، وكيفية تحويل المحن الوجودية إلى رافعة للنهوض والاستقرار الإستراتيجي".

وقدم "مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية" في (يوليو 2026) دراسة بعنوان "أردوغان – رجل الأزمات وصانع الفرص"، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لإحباط محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو 2016، لتقدم إطارًا تحليليًا يتجاوز السرد التاريخي التقليدي، وتركز على رصد آليات صناعة القرار، وكيفية تحويل التهديدات الوجودية إلى فرص لإعادة بناء الدولة وتوسيع نفوذها.

وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالاستقرار، بل بالقدرة على إدارة الدول عندما تهتز الخيارات وتتسارع الأحداث.

وتكمن القيمة الفكرية المضافة لهذه الدراسة في تقديمها مفاهيم إستراتيجية تفسر ظاهرة الاستمرارية السياسية في تركيا أبرزها الانتقال من "الاحتواء" إلى "الهندسة والتحويل" وحاولت إثبات أن القيادة التركية لم تتعامل مع الأزمات بمنطق الدفاع أو الرغبة في العودة إلى الوضع السابق للتهديد، بدلاً من ذلك، اعتمدت ما يمكن تسميته "هندسة مخرجات الأزمة".

واستدل بما حدث في احتجاجات "غيزي بارك" (2013)، رُصدت الثغرات الإعلامية وتطورت بناءً عليها أدوات الاتصال الحكومي. وفي الصدام مع تنظيم "غولن"، تحول التهديد الداخلي إلى فرصة لتطهير البيروقراطية وتجديد معايير الولاء للدولة الدستورية، الأزمة هنا ليست حدثًا طارئًا يُراد التخلص منه، بل هي "مختبر عملي" لتحديث الدولة.

إدارة المخاطرة

 

وفي ملف السياسة الخارجية، تقدم الدراسة قراءة مميزة لبروز تركيا كلاعب إقليمي، وتوضح أن أردوغان استبدل عقيدة "تجنب المخاطر" الكلاسيكية بعقيدة "إدارة المخاطرة" والموازنة بين الردع والمرونة.

فمع روسيا؛ جرى الانتقال السريع من الصدام (بعد إسقاط الطائرة 2015) إلى الشراكة الإستراتيجية دون التفريط بالمصالح.

ومع أمريكا تم الحفاظ على التحالف مع رفض الارتهان الكامل (ملف شرق الفرات ومنظومة إس-400).

 

وعما حدث مع سوريا وليبيا وأذربيجان فكان استخدام القوة العسكرية المحدودة والذكية لتعديل موازين القوى على الأرض، ثم تحويل هذا التفوق العسكري مباشرة إلى أوراق ضغط دبلوماسية لتحسين شروط التفاوض.

التحول إلى "أزمة نظام"

وكشف التحليل الجديد للأزمات الداخلية (التضخم الاقتصادي وزلزال 2023) أن الاستراتيجية تركزت على حماية "شرعية النظام والدولة"، فرغم الانتقادات الحادة للسياسات الاقتصادية أو سرعة الاستجابة الأولى للزلزال، نجحت القيادة في امتصاص الغضب عبر برامج إعادة الإعمار السريعة والتمسك بقواعد اللعبة الديمقراطية، مما منع انتقال الضغط من قطاع اقتصادي أو طبيعي إلى انهيار مؤسسي كامل.

التعلم التراكمي

 

توضح الورقة أن أسلوب رجب طيب أردوغان في مواجهة الأزمات لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تكوين ممتد. النشأة في بيئة اجتماعية بسيطة جعلته متصلًا بالمزاج الشعبي، بينما منحه العمل داخل الحركة الإسلامية خبرة الصبر والتدرج.

 

وتشير الدراسة إلى أن محطة نجم الدين أربكان علمت أردوغان أن المواجهة المباشرة مع "الدولة العميقة" قبل اكتمال عناصر القوة تؤدي إلى خسارة المشروع، وهو ما جعله يتبنى فلسفة التدرج وبناء التحالفات، أما رئاسة بلدية إسطنبول فقد صقلت قدراته الإدارية، في حين تحولت تجربة السجن وحل الأحزاب من أداة إقصاء إلى مصدر لشرعية شعبية جديدة أدت لتأسيس حزب العدالة والتنمية كمنصة وطنية منفتحة.

التأسيس المسبق لأدوات القوة

 

تؤكد الدراسة أن الأزمات لا تُدار لحظة وقوعها، بل يُحدد مسارها قبل ذلك بسنوات، لقد ركزت الحقبة الأولى من الحكم على بناء المصدات الإستراتيجية:

 

الاقتصاد: تحويل النمو البنيوي إلى رافد أساسي للشرعية الشعبية.

 

المؤسسة الحزبية: بناء تنظيم واسع الانتشار قادر على امتصاص الصدمات ونقل نبض الشارع.

إصلاح أجهزة الدولة: رفع كفاءة البيروقراطية وتطوير المنظومة الاستخباراتية لتعزيز الإنذار المبكر.

تنويع العلاقات الخارجية: عدم الارتهان لمحور واحد، والحفاظ على التوازن بين الناتو وروسيا والعالم الإسلامي.

 

تفكيك الوصاية العسكرية

واستثمرت القيادة السياسية مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لتقليص النفوذ السياسي للجيش بشكل متدرج. وتجلى نجاح هذا التدرج في أزمة المذكرة الإلكترونية 2007 ومحاولة إغلاق الحزب 2008، حيث نُقلت المعركة إلى صناديق الاقتراع.

 

وبحلول ليلة 15 يوليو 2016، لم تكن الحكومة تواجه المؤسسة العسكرية بأكملها بل فصيلًا داخلها، وقد أدى الظهور الإعلامي الرقمي لأردوغان، وتوحيد الشرطة والاستخبارات، والرفض الحزبي والشعبي المشترك، إلى تحويل ليلة الانقلاب من تهديد وجودي إلى نقطة تحول تاريخية لإعادة هيكلة الجيش والأمن والنظام التنفيذي للجمهورية.

التوصيات الإستراتيجية

وتختتم الدراسة بتقديم 18 توصية موجهة للقوى الوطنية والسياسية في المنطقة العربية والإسلامية، رغبة في تحويل التجربة التركية إلى "معرفة مؤسسية متراكمة"، وتتلخص أهم هذه التوصيات في أربعة أبعاد.

واستيعاب الأزمات والتحولات باعتبارها السمة الغالبة للمرحلة المقبلة، والانتقال الكامل من عقلية "ردود الأفعال" اللحظية إلى ثقافة التخطيط الاستشراقي وتعدد السيناريوهات.

والاستثمار في إعداد قيادات وطنية قادرة على التفكير تحت الضغط بعقلية الدولة لا الكيانات الحزبية الضيقة، وبناء مؤسسات مرنة قادرة على التجدد والتعلم حتى لا تنهار بذهاب الأفراد.

وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى معارك وجودية، ورفض الاستقواء بالخارج لحسم الصراعات الداخلية، والتمسك بالمسار الدستوري والسلمي كضمانة وحيدة لاستقرار الأوطان.

والجمع بين وضوح المقاصد الإستراتيجية ومرونة الحركة التكتيكية، والاستثمار في الوعي العام للشعوب، وبناء شبكات تنسيق بين القوى الوطنية في المنطقة لتبادل الخبرات وتجنب تكرار أخطاء الماضي.

 

https://x.com/elmogahed02/status/2078097444030619728