يكشف تقرير حديث لمنظمة العفو الدولية عن جانب من واقع الحريات في مصر، في ظل استمرار السلطات في ملاحقة شباب وفتيات على خلفية نشاطهم أو تعبيرهم عن آرائهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، بحسب ما وثقته المنظمة الحقوقية.
ويعيد التقرير فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة والشباب في مصر، خصوصاً مع اتساع الاعتماد على الفضاء الرقمي بوصفه ساحة للتعبير عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فبينما يفترض أن يكون الشباب أحد المحركات الأساسية لأي عملية إصلاح سياسي أو اجتماعي، يرى منتقدون أن التعامل الأمني مع الأصوات المعارضة والمبادرات الشبابية يضيّق المجال أمام أي حوار مجتمعي حقيقي.
وتقول منظمة العفو الدولية: "إن السلطات المصرية صعّدت من إجراءاتها ضد أشخاص بسبب تعبيرهم عن آرائهم أو نشاطهم عبر الإنترنت، مشيرة إلى حالات اعتقال تعسفي واختفاء قسري واتهامات مرتبطة بالنشاط الرقمي، من بينها نشر أخبار كاذبة أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بما تعتبره السلطات تهديداً للأمن والاستقرار".
من الشارع إلى الفضاء الرقمي.. الشباب يبحث عن أدوات جديدة للتعبير
مع تراجع المساحات التقليدية المتاحة للعمل السياسي والمعارضة، تحولت المنصات الرقمية إلى مجال رئيسي للتعبير بالنسبة إلى قطاعات من الشباب المصري، وتتيح هذه المنصات تشكيل مجموعات ونقاشات تتجاوز القيود المفروضة على النشاط السياسي التقليدي، وهو ما يجعلها، في نظر مراقبين، إحدى أبرز ساحات التفاعل بين الأجيال الجديدة والسلطة.
وفي هذا السياق، برزت مبادرات شبابية رقمية حاولت حشد التأييد والتفاعل حول قضايا سياسية، من بينها مبادرات ارتبطت بالناشطين أنس حبيب وطارق حبيب المقيمين في هولندا، واستخدمت منصات مثل «ديسكورد» للتواصل والتنظيم.
كما أُطلقت مبادرات إلكترونية تناولت مسألة استمرار المنقلب السفاح ، عبد الفتاح السيسي في الحكم، وتداول ناشطون نتائج وتفاعلات واسعة حولها، في حين أفادت تقارير بحجب بعض المواقع المرتبطة بهذه المبادرات داخل مصر.
وبغض النظر عن حجم المشاركة الفعلية أو مدى دقة الأرقام المتداولة بشأنها، فإن هذه التحركات تعكس اتجاهاً متزايداً لدى قطاعات من الشباب إلى استخدام الأدوات الرقمية للتعبير عن مواقفهم، في ظل محدودية القنوات السياسية التقليدية.
"العفو الدولية": التعبير على الإنترنت يتحول إلى سبب للملاحقة
بحسب منظمة العفو الدولية، فإن السلطات المصرية تستخدم قوانين واتهامات فضفاضة لملاحقة منتقدين ونشطاء بسبب منشورات أو نشاط عبر الإنترنت، معتبرة أن هذه الممارسات تفرض قيوداً واسعة على حرية التعبير.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف حقوقية بشأن مستقبل المجال العام في مصر، خصوصاً عندما تمتد الملاحقات إلى شباب وفتيات بسبب نشاط رقمي أو تعبير عن الرأي. ويرى حقوقيون أن توسيع دائرة الملاحقة الأمنية لا يؤدي إلى معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي، بل قد يدفع مزيداً من الشباب إلى العزوف عن العمل السياسي أو البحث عن مساحات بديلة للتعبير خارج الأطر الرسمية.
وتقول المنظمة: "إن الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري يمثلان انتهاكات خطيرة، مطالبة السلطات المصرية باحترام الحق في حرية التعبير والإفراج عن المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لهذه الحقوق".
محاصرة الشباب.. هل تغلق السلطة أبواب الإصلاح؟
يطرح هذا المشهد سؤالاً أوسع حول قدرة النظام المصري على التعامل مع جيل جديد تختلف أدواته عن الأجيال السابقة. فالشباب الذين نشأوا في عصر الإنترنت لا يعتمدون بالضرورة على التنظيمات السياسية التقليدية، بل يمتلكون وسائل متعددة للتواصل ونشر المعلومات وتشكيل الرأي العام.
ويرى منتقدون للسلطة أن استمرار الملاحقات الأمنية وحجب المواقع وتقييد النشاط العام قد يؤدي إلى إغلاق المسارات السلمية التي يمكن أن تستوعب مطالب الإصلاح، بدلاً من معالجة أسباب الغضب المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كما أن التضييق على المبادرات الشبابية قد يرسخ حالة من الانفصال بين الدولة وقطاع واسع من الأجيال الجديدة، في وقت تحتاج فيه مصر إلى توسيع مساحة الحوار والمشاركة السياسية لمعالجة أزماتها المتراكمة.
"جيل " Z.. تحدٍ جديد أمام أدوات السيطرة التقليدية
تواجه السلطة، وفق هذا الطرح، تحدياً مختلفاً يتمثل في جيل اعتاد على التواصل المفتوح وسرعة تداول المعلومات، ولا يرى الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتعبير والنقاش والحشد.
ومن هنا، فإن التعامل الأمني مع هذا الجيل قد يحقق نتائج قصيرة المدى في الحد من بعض الأنشطة، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب التي تدفع الشباب إلى التعبير عن غضبهم أو انتقادهم للسياسات العامة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو السلطة أن الإجراءات الأمنية تأتي في إطار حماية الأمن القومي ومواجهة ما تعتبره الدولة محاولات لنشر الفوضى أو الأخبار الكاذبة أو التحريض، وهو ما يجعل ملف الحريات الرقمية موضع خلاف مستمر بين الحكومة ومنظمات حقوق الإنسان.
الإصلاح أم المزيد من التضييق؟
يضع تقرير منظمة العفو الدولية ملف الشباب في قلب النقاش حول مستقبل المجال العام في مصر. فكلما تقلصت فرص التعبير والمشاركة السياسية السلمية، اتسعت الفجوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع، بينما يظل الفضاء الرقمي مجالاً يصعب إخضاعه بالكامل للسيطرة التقليدية.
وفي ظل هذه المعادلة، يرى مراقبون أن فتح قنوات للحوار، والإفراج عن المحتجزين على خلفية التعبير السلمي عن الرأي، وتوسيع هامش الحريات العامة، قد تكون أدوات أكثر فاعلية في تخفيف الاحتقان من استمرار المقاربة الأمنية.
أما استمرار محاصرة الشباب وملاحقة الأصوات المعارضة، فقد يدفع مزيداً من الأجيال الجديدة إلى اعتبار أن أبواب الإصلاح السلمي مغلقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة النظام على إدارة التحديات السياسية والاجتماعية المقبلة، ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية، وإنما من خلال الاستجابة للمطالب المتزايدة بوجود مساحة أوسع للتعبير والمشاركة.