استقالات أعضاء هيئة التدريس كشفت الأزمة.. مرتبات أساتذة الجامعات لا تكفى احتياجاتهم الضرورية

- ‎فيتقارير

أساتذة الجامعات – هذه الفئة التى كانت تتمتع بالكثير من المزايا وبالدخل الوفير – أصبحوا يعانون مثلهم مثل بقية المصريين فى زمن الانقلاب من المرتبات الضعيفة التى لا تكفى الاحتياجات الضرورية ما دفع عددا منهم إلى الاستقالة رغم الدور الذى يقومون به ويعتمد عليه نهوض المجتمع وتقدمه وإعداد الشباب لسوق العمل وللحياة بصفة عامة.

ولم يعد راتب أستاذ الجامعة يكفى للمتطلبات الأساسية لحياة كريمة مناسبة لوضعه الاجتماعى الذى يحتم عليه الظهور بمظهر العالم الوقور المتعفف عن الجرى وراء المكاسب المادية خارج نطاق عمله الجامعى الذى ارتضاه.

 

مرتبات ضعيفة

فى هذا السياق أكد عضو هيئة تدريس بكلية الآداب جامعة القاهرة أن المرتبات ضعيفة والأبحاث مكلفة جدًا والإعارات للدول الخليجية لم تعد مثل السابق، ومكافأة الامتحانات للمراقبة زهيدة والخدمات والنوادى ضعيفة مشيرا إلى أن هناك استقالات بين أعضاء الهيئة لضعف الرواتب خاصة فى أقسام اللغات .

وقال عضو هيئة التدريس الذى «فضل عدم ذكر اسمه»، إن هناك معاناة يعايشها أساتذة الجامعات لأن مرتباتهم لم تعد تتناسب مع حجم الأعباء العلمية والبحثية التى يتحملونها، موضحا أن راتب المعيد يتراوح بين 8400 و8600 جنيه، بينما يبلغ راتب المدرس المساعد نحو 9100 جنيه، والمدرس نحو 10300 جنيه، والأستاذ حوالى 12 ألف جنيه، فيما يصل راتب الأستاذ العامل إلى نحو 13500 ألف جنيه، فى حين يتقاضى عميد الكلية قرابة 20 ألف جنيه.

وأضاف أن أعضاء هيئة التدريس يخضعون لكادر خاص يختلف عن الكادر العام للعاملين بالدولة، إلا أن الحوافز والمكافآت لم تعد تمثل دعمًا حقيقيًا فى ظل ارتفاع تكاليف المعيشة .

وأشار عضو هيئة التدريس إلى أن مكافآت أعمال الامتحانات والكنترولات والمراقبة قد لا يتجاوز صافيها بعد الخصومات نحو 600 جنيه فى بعض الحالات، كما أن الضرائب والاستقطاعات تقلل بشكل ملحوظ من قيمة أى مكافآت إضافية، موضحًا أن أى مكافأة كبيرة يذهب جزء معتبر منها إلى الضرائب والخصومات مثل مكافأة عيد الأضحى 2000 جنيه تصدر من رئيس الجامعة ولكن مثلًا يُخصم منها 800 جنيه ضرائب واستقطاعات.

وكشف أن عضو هيئة التدريس ينفق جزءًا كبيرًا من دخله على متطلبات العمل الأكاديمى، مؤكدا أن إعداد الأبحاث العلمية ونشرها يتطلب مبالغ كبيرة، وأن تكلفة إعداد رسالة علمية قد تتجاوز 50 ألف جنيه فى بعض التخصصات، بخلاف رسوم استخدام بعض القاعات أو الخدمات الأكاديمية اللازمة للمناقشات والفعاليات العلمية وصرف جزء كبير على التصوير والتوثيق للمناقشة ودفع رسوم لأعضاء لجنة المناقشة تصل إلى الاف الجنيهات.

 

نظام الساعات المعتمدة

وأشار «عضو هيئة التدريس» إلى أن نظام الساعات المعتمدة وفر بعض الموارد، لكنها لا تكفى لتغطية الأعباء المتزايدة، مؤكدًا أن التطور التكنولوجى أدى إلى تراجع الاعتماد على الكتب الورقية، وأصبحت معظم المراجع فى صورة إلكترونية أو على وسائط رقمية، وهو ما يفرض أيضًا تكاليف إضافية على الباحثين، خاصة أن قيمة وسعر الكتاب الذى يقوم عليه أستاذ الجامعة أصبحت على أسطوانة رقمية تُعطى للطلبة أول العام وبه جميع المواد ويتم دفع جزء من عائدها سنويًا للأستاذ الجامعى لكن هذه المبالغ أصبحت زهيدة لأن أعداد الطلاب داخل الدفعات تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات .

وأوضح أنه بعد أن كانت بعض الدفعات تضم نحو 800 طالب بكل قسم فى كلية الآداب على سبيل المثال ونفس الحال بكليات تجارة وحقوق، أصبحت تضم الآن فى بعض الأقسام ما بين 150 و250 طالبًا، وهو ما أثر على بعض الموارد الذاتية للكليات.

وأكد أن أقسام اللغات تواجه تحديًا آخر يتمثل فى تسرب عدد من الخريجين والمعيدين إلى سوق العمل الخاص، حيث توفر مجالات الترجمة والشركات الدولية والطيران دخولًا أعلى بكثير، إذ قد تتجاوز رواتب بعض العاملين فيها 35 ألف جنيه شهريًا، وهو ما يجعل الاستمرار فى المسار الأكاديمى أقل جاذبية للكثير من الكفاءات.

 

الجامعات الخاصة

ولفت «عضو هيئة التدريس» إلى أن أسعار النوادى الترفيهية والشقق السكنية لأعضاء هيئة التدريس غالبًا تكون بنفس الأسعار الخارجية ولا يوجد امتيازات كبرى للأعضاء، وبالنسبة للعمل فى الجامعات الخاصة والأهلية فتكون بضعف الراتب وهناك أقسام فى تلك الجامعات لايوجد لها قسم مثل الأقسام الأدبية ويكون تركيزها على الطب والهندسة ولكن غالبًا تكون فى أماكن بعيدة عن المدن الرئيسية مما يكلف أستاذ الجامعة مشقة ذهاب وعودة وسعر بنزين للسيارة، وبالتالى الزيادة فى تلك الجامعات ليس مجزية بشكل كبير.

وقال إن الإعارات إلى الجامعات العربية لم تعد تمثل الفرصة نفسها التى كانت متاحة فى السابق، بعدما اتجهت العديد من الدول إلى إعداد كوادرها الأكاديمية محليًا، الأمر الذى حرم الكثير من أعضاء هيئة التدريس من مصدر دخل كان يساعدهم على تحسين أوضاعهم المعيشية، لافتا إلى أنه يحظر على العاملين بهيئة التدريس المشاركة فى نشاط تجارى آخر أو العمل بوظائف خارجية دون موافقة الجامعات.

 

العائد المادى

وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسى الدكتور سعيد صادق أن أزمة تدنى مرتبات أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية لم تعد مجرد قضية فئوية تتعلق بالدخل، وإنما أصبحت قضية تمس مستقبل التعليم الجامعى والبحث العلمى وجودة الكوادر التى تعتمد عليها دولة العسكر فى بناء الإنسان وتحقيق التنمية.

وقال «صادق» فى تصريحات صحفية إن الجامعات فى أى دولة متقدمة تعد قاطرة للمعرفة والابتكار، بينما لا يمكن مطالبة الأستاذ الجامعى بالإبداع والإنتاج العلمى فى ظل أوضاع اقتصادية تفرض عليه البحث عن مصادر دخل إضافية لتلبية احتياجاته الأساسية.

وأوضح أن عضو هيئة التدريس يقضى سنوات طويلة فى الدراسة والبحث العلمى، بداية من مرحلة البكالوريوس، مرورًا بالماجستير والدكتوراه، ثم سنوات التدرج الأكاديمى، ليصل فى النهاية إلى وظيفة يُفترض أنها من أكثر الوظائف احترامًا واستقرارًا، إلا أن الواقع الحالى يجعل كثيرًا من الأساتذة يشعرون بأن العائد المادى لا يتناسب مطلقًا مع حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم أو سنوات التأهيل التى قضوها.

وأشار «صادق» إلى أن الأستاذ الجامعى لا يقتصر دوره على إلقاء المحاضرات فقط، بل يقوم بالإشراف على الرسائل العلمية، وإجراء الأبحاث، ونشر الدراسات فى دوريات علمية دولية، والمشاركة فى المؤتمرات، وتقديم الاستشارات العلمية، والمساهمة فى تطوير المناهج وربط الجامعة باحتياجات المجتمع وسوق العمل، وهى مسئوليات ضخمة تتطلب تفرغًا كاملًا واستقرارًا ماديا ونفسيًا.

وشدد على أن الدول التى حققت طفرات فى التعليم والاقتصاد بدأت أولًا بتقدير المعلم والأستاذ الجامعى، باعتبارهما الركيزة الأساسية لبناء رأس المال البشرى، موضحا أن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس لا ينبغى النظر إليه باعتباره عبئًا على الموازنة العامة، بل استثمار مباشر فى مستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة العلمية والاقتصادية.