من القضاء والخارجية إلى التعليم.. لماذا تتحول الأكاديمية العسكرية إلى بوابة للوظائف المدنية؟

- ‎فيتقارير

لم يعد حضور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة بزمن الانقلاب العسكري الدموي، يقتصر على الملفات المرتبطة بالأمن والدفاع، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى مسارات اختيار وتأهيل العاملين في مؤسسات مدنية، وصولًا إلى القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية، فيما دخلت الأكاديمية العسكرية المصرية كذلك على خط اختيار وتأهيل المعلمين وقيادات المدارس.

 

وفي أحدث ظهور لهذا التوجه، قال المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي، الخميس: "إن الأكاديمية العسكرية أصبحت معبرًا لتولي الوظائف في الدولة المصرية"، مؤكدًا أن هذا الدور يشمل مؤسسات مثل القضاء ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية وغيرها، وجاءت تصريحاته خلال حفل تخريج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية، التي ضمت 1350 دارسًا.

 

المفارقة أن المنقلب السيسي نفسه نفى أن يكون هذا المسار تعبيرًا عن «عسكرة الدولة»، لكنه في الوقت ذاته قدم الأكاديمية العسكرية باعتبارها بوابة للالتحاق بعدد متزايد من مؤسسات الدولة، مبررًا ذلك بالحاجة إلى تطبيق «معايير واحدة» في اختيار وتأهيل العاملين.

 

السيسي: لسنا أمام عسكرة للدولة

 

حاول المنقلب السيسي تقديم التوسع في دور الأكاديمية العسكرية باعتباره مشروعًا لإصلاح الجهاز الإداري ورفع كفاءة العاملين، لا وسيلة لإحكام الطابع العسكري على مؤسسات الدولة.

 

وقال: "إن الهدف من إدخال الأكاديمية في هذه العملية هو وضع معايير موحدة لاختيار وتأهيل الشباب والشابات، مع معايير تفصيلية لكل وزارة بحسب احتياجاتها، معتبرًا أن النظام الجديد يهدف إلى منع المجاملة والمحسوبية".

 

لكن اللافت أن التبرير لم يتوقف عند الكفاءة الإدارية، إذ انتقل السيسي إلى استدعاء أحداث 2011-2013، متحدثًا عن استمرار ما وصفه بخطة لإسقاط الدولة، وضرورة «تحصين الشباب» ضد ما سماه «فكرة تخريب مصر».

 

وهنا تتجاوز المسألة، بحسب القراءة السياسية التي تفرضها تصريحات المنقلب السيسي نفسها، حدود التدريب الوظيفي إلى بناء تصور أمني وسياسي موحد لدى قطاعات واسعة من العاملين في مؤسسات الدولة.

 

من القضاء إلى المعلمين

 

تكشف القرارات الرئاسية خلال عام 2026 عن اتساع هذا المسار خارج المجال القضائي.

 

ففي سبتمبر الجاري، بحث المنقلب السيسي مع وزير التربية والتعليم ومدير الأكاديمية العسكرية آليات اختيار وإعداد الكوادر العاملة في المدارس المصرية، كما استُعرضت نتائج اختبارات القبول للمرحلة الخامسة من مسابقة تعيين المعلمين، وأعلنت الرئاسة أن المعلمين ومديري المدارس الذين يجتازون دورات الأكاديمية التي تمتد بين 3 و6 أشهر يحصلون على علاوة شهرية.

 

وفي يونيو الماضي، ناقش المنقلب السيسي أيضًا إطار حوكمة التعيينات الجديدة في الدولة، بحضور رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ومدير الأكاديمية العسكرية ومدير الأكاديمية الوطنية للتدريب.

 

وبذلك، لم تعد الأكاديمية العسكرية تظهر فقط باعتبارها مؤسسة لإعداد ضباط القوات المسلحة، وإنما كجزء من منظومة أوسع لاختيار وتدريب كوادر الدولة.

 

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الأكاديمية العسكرية؟

 

المشكلة الأساسية التي تطرحها هذه السياسة ليست في تدريب الموظفين على الانضباط أو الإدارة، وهي أهداف يمكن لأي دولة أن تسعى إليها، وإنما في جعل مؤسسة عسكرية بوابة متزايدة الأهمية للوظائف داخل مؤسسات يفترض أن تتمتع باستقلال مهني وطبيعة تخصصية مختلفة.

 

فالقاضي يحتاج إلى تكوين قانوني وقضائي عميق، والمعلم يحتاج إلى تأهيل تربوي وأكاديمي، والدبلوماسي يحتاج إلى معرفة واسعة بالعلاقات الدولية واللغات والسياسة الخارجية، بينما تختلف طبيعة العمل الرقابي والإداري عن هذه المجالات جميعًا.

 

ومن ثم يبرز سؤال جوهري: هل توحيد عملية الاختيار والتدريب يعني بالضرورة توحيد المؤسسة التي تتولى إعداد جميع هذه الفئات؟

 

المنقلب السيسي يرى أن الإجابة نعم، باعتبار أن الأكاديمية تضع معايير عامة للانضباط والتأهيل والوعي، أما منتقدو هذا التوجه فيمكنهم النظر إليه باعتباره نقلًا لمنطق المؤسسة العسكرية إلى المجال المدني، بما قد يضعف استقلال التكوين المهني لكل فئة.

 

«خطر مستمر».. مبرر سياسي للتوسع

 

الأكثر دلالة في خطاب المنقلب السفيه السيسي أنه لم يبرر المشروع فقط بالحاجة إلى إصلاح الإدارة، بل ربطه مباشرة بما يعتبره خطرًا مستمرًا منذ أحداث 2011-2013.

 

وقال: "إن ما حدث خلال تلك الفترة «لم ينته»، وإن ما وصفه بخطة لإسقاط الدولة ما زال قائمًا، داعيًا إلى الحفاظ على النظام الذي تضعه الأكاديمية".

 

لكن الخطاب الانقلابي لم يقدم في المناسبة نفسها تفاصيل أو أدلة علنية على الجهات التي قال إنها تواصل خطة لإسقاط الدولة، الأمر الذي يجعل استخدام هذا التهديد في تبرير توسيع الدور المؤسسي للأكاديمية محل تساؤل سياسي.

 

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات وضوحًا: فبينما يقول السيسي: "إن الهدف ليس الحفاظ على الرئيس وإنما حماية الدولة، فإن توسيع الحضور العسكري في مؤسسات مدنية يأتي في سياق سياسي شديد الحساسية، بعد سنوات من تضييق المجال العام وتراجع مساحة العمل السياسي المستقل".

 

هل تكفي الدورات العسكرية لإصلاح الدولة؟

 

يقدم النظام هذه الدورات باعتبارها جزءًا من «بناء الإنسان»، ويقول السيسي: "إن البرامج تستهدف إعداد شخص كفء ومؤهل ومتوازن وقادر على الإسهام في بناء الدولة".

 

لكن جودة الدولة لا تقاس فقط بانضباط موظفيها أو التزامهم بنظام موحد، وإنما كذلك بمدى تخصصهم واستقلال مؤسساتهم وقدرتهم على اتخاذ القرارات وفق قواعد مهنية وقانونية.

 

كما أن الحديث عن «توحيد المعايير» لا يجيب وحده عن سؤال آخر أكثر أهمية: من يضع هذه المعايير، وكيف يجري تقييم نتائجها، وما الجهة المستقلة التي تستطيع قياس أثرها على أداء المؤسسات بعد سنوات؟

 

واللافت أن السيسي نفسه قال: "إن التأثير المتوقع لفكرة تحويل الأكاديمية إلى بوابة للوظائف سيتم الشعور به بعد سنوات، وهو ما يعني عمليًا أن الحكم على نتائج هذا المشروع لا يزال مؤجلًا".

 

من عسكرة الوظائف إلى إعادة تشكيل الدولة

 

ومنذ انقلاب السيسي ، توسع حضور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد والإدارة ومشروعات الدولة، ومع انتقال الأكاديمية العسكرية إلى تدريب واختيار كوادر مؤسسات مدنية، يصبح السؤال أكبر من مجرد دور أكاديمية في تدريب الموظفين.

 

إنه سؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل تتجه مصر إلى جهاز إداري مدني مستقل ومتخصص، أم إلى جهاز تتقاطع فيه معايير الإدارة المدنية مع فلسفة المؤسسة العسكرية؟

 

وبغض النظر عن موقف المؤيدين أو المعارضين، فإن الوقائع الرسمية باتت واضحة في نقطة أساسية: الأكاديمية العسكرية لم تعد تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة تقتصر على إعداد العسكريين، بل أصبحت جزءًا من منظومة اختيار وتأهيل كوادر في مؤسسات مدنية متعددة، وهو ما أكده السيسي صراحة في حديثه عن القضاء والخارجية والرقابة الإدارية، كما ظهر في ملف تدريب واختيار المعلمين.