كشف مراقبون عن تناقض صارخ بين خطاب حكومي يتحدث عن "تحمل الأعباء" وبين الواقع الذي يفرض زيادات متتالية على المواطن، دفعهم للانتفاض عبر منصات التواصل الاجتماعي، مفندين بالأرقام والتحليلات السياسية والاقتصادية زيف هذه المبررات، لقرار مفاجئ وقع كالصاعقة على المواطنين، سبقته تصريحات لرئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي في 14 يوليو، أكد فيها أن "الدولة تتحمل تكاليف كبيرة لعدم انقطاع الكهرباء وتوفير الوقود والأدوية".
وفاجأ الشعب بقرار "حكومي" أخير برفع أسعار شرائح الكهرباء المنزلية بمتوسط 12% مع موجة عارمة من الصدمة والغضب العارم في الشارع المصري.
تناقضات الدعم الحكومي بالأرقام
في أعقاب إقرار الزيادة الجديدة، خرج وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، محمود عصمت، بتصريحات لبرنامج "الشرق بلومبرغ"، زعم فيها أن الدولة لا تزال تتحمل أكثر من 100 مليار جنيه سنويًا دعمًا لقطاع الكهرباء، مدعيًا أن هذه الزيادة هي الأولى من نوعها منذ عامين.
غير أن منصة "صحيح مصر" تصدت لهذه التصريحات بتفنيد رقمي دقيق مستند إلى بيانات الموازنة العامة للدولة وكشفت أن البيانات أثبتت أن متوسط دعم الكهرباء في موازنات السنوات الـ 12 الماضية (خلال زمن المنقلب عبد الفتاح السيسي) لم يتجاوز 17.8 مليار جنيه سنويًا، والأخطر أن دعم الكهرباء سُجل بقيمة "صفر" تمامًا في موازنات الأعوام المالية (2019/2020، و2020/2021، و2021/2022).
ولم يقترب الدعم من رقم المئة مليار إلا في تقديرات موازنة العام المالي الجديد (2026/2027) ليصل إلى 104.16 مليار جنيه، بينما بلغ في العام المنتهي (2025/2026) نحو 75 مليار جنيه فقط، بحسب@SaheehMasr .
وردًا على ادعاء أن الزيادة هي الأولى منذ عامين، أكدت البيانات أن الوزارة رفعت أسعار شرائح الاستهلاك المنزلي التي تتجاوز 2000 كيلووات/ساعة بنسبة 16% في أبريل الماضي، بالتزامن مع رفع سعر الكيلووات لمستخدمي العدادات الكودية بنسبة 28% مع إلغاء نظام الشرائح وتطبيق سعر موحد.
أكذوبة استثناء محدودي الدخل
وسوقّت وزارة الكهرباء قرارها الأخير بأنه استثنى الشريحة الأولى (من صفر إلى 50 كيلووات/ساعة) مراعاة لمحدودي الدخل. إلا أن المستندات الرسمية تكشف أن مشتركي هذه الشريحة لا يمثلون سوى 3% فقط من إجمالي الكهرباء المباعة، وانخفض عددهم من 4.17 مليون مشترك إلى 3.99 مليون مشترك.
في المقابل، تركزت النسبة الكبرى من المواطنين (حوالي 63.3% من إجمالي المشتركين الذين تجاوزوا 32 مليون مشترك) في الشرائح المتوسطة (من صفر إلى 350 كيلووات/ساعة)، وهي الفئات التي تتحمل العبء الأكبر من زيادات الأسعار التي تضاعفت بنحو 6.6 إلى 7.25 مرة مقارنة بعام 2014، وذلك في غياب تام لبيانات "بحث الدخل والإنفاق" التي توقفت الحكومة عن إرسالها لجهاز التعبئة العامة والإحصاء لقياس القدرة الفعلية للمواطنين.
الدولة ليست شركة جباية
في قراءة تحليلية عميقة وشديدة النقد لفلسفة الحكم في مصر، كتب الأكاديمي والحقوقي أسامة رشدي على إكس معبرًا عن الغضب الشعبي العارم عبر حسابه: "يا سيسي: الدولة ليست شركة، والكهرباء ليست سلعة كمالية، لقد حولت الدولة لمنظمة شريرة للجباية."
وفند رشدي الخطاب الرسمي الذي يصور السلطة كمنفق متفضل على رعاياها، مؤكدًا أن الدولة لا تنفق من جيوب الحكام الخاصة، بل من جيوب المواطنين أنفسهم. فأكثر من 80% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة التي يدفعها الشعب، إضافة إلى ثروات وطنيّة وأصول مملوكة للمواطن، وبناءً عليه، فإن المواطن هو الممول الحقيقي للدولة، وله الحق الكامل في الحصول على خدمات أساسية تحترم آدميته، لا أن يُعامل كـ "ماكينة دافعة للأموال لا تتوقف".
وسخر رشدي @OsamaRushdi من مبررات "ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً"، متسائلاً بمرارة: "وهل يتقاضى المصري راتبه بالدولار أو اليورو؟ وهل تُقارن الأسعار العالمية بمواطن يعيش دخله بالجنيه المصري بينما تتآكل قدرته الشرائية عاماً بعد عام وتعد أجوره من الأدنى في العالم؟".
وأشار رشدي إلى أن الكهرباء ليست سوى حلقة في مسلسل طويل من الجباية التي طالت كل مناحي الحياة (مياه، غاز، وقود، مترو، قطارات، رسوم قضائية، وتوثيق، ومرور، وتصالح، وضرائب)، حيث تحولت وظيفة الدولة في عهد نظام السيسي من حماية المجتمع ورعايته إلى جهاز جباية لا يرى في المواطن إلا رقماً في دفاتر التحصيل، وكلما احتجت السلطة إلى أموال -بحسب رشدي- مدت يدها إلى جيب المواطن المفلس أصلاً، لتنقل أزماتها الهيكلية وفشلها الإداري إلى أفقر طبقات المجتمع.
https://x.com/OsamaRushdi/status/2084177727930695935
انسداد أفق التعبير وغياب الرقابة
من جانبه، تناول الكاتب عمر طاهر الأزمة من زاوية حقوقية وإنسانية بالغة الدلالة، مسلطًا الضوء على المأساة الكبرى المتمثلة في غياب أي وسيلة آمنة للتعبير عن الرفض أو الغضب تجاه سياسات الحكومة الاقتصادية، وفي تعليقه البارز الذي رصدته منصة "صدى مصر" (@sadamisr25)، طرح طاهر تساؤلاً جوهرياً:
"على هامش رفع أسعار الكهرباء، بعيدًا عن قرار الزيادة، عندي سؤال بخصوص إيه الطرق المتاحة قدامي كمواطن مصري للتعبير عن غضبي من القرارات دي؟" ليجيب مفنداً كافة المسارات المغلقة بوجه المواطن: فيسبوك ووسائل التواصل: كتابة بوست لتفنيد سوء إدارة الحكومة قد يكلف صاحبه حكماً بالسجن لمدة 3 سنوات من المحكمة الاقتصادية، على غرار ما حدث مع تامر شيرين شوقي وغيره.
والصحف المعارضة معدومة تماماً، والمواقع المستقلة إما تتعرض للتعطيل أو لزيارات أمنية مفاجئة، ورؤساء تحريرها يتعرضون للضغوط المستمرة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أما كاريكاتير الرأي فمصيره السجن (مستشهداً بتجربة رسام الكاريكاتير أشرف عمر).
وأشار إلى أنه ممنوع منعاً باتاً استضافة أي شخص يجرؤ على إحراج الحكومة أو انتقاد سياساتها، ويقتصر الأمر على تسريبات "لايت" للمذيعين لإيهام الناس بوجود شعور بمعاناتهم، قبل أن تُترك المساحة للقنوات الخارجية لتتولى فتح الملفات التي تعجز الداخل عن مناقشتها، ثم تُتجه التهم لتلك القنوات بأنها "تخرب الدنيا" رغم أن الداخل هو من وفر لها المادة الإعلامية.
وأوضح أن البرلمان جرى تحويله إلى وضع "السايلنت" و"الطيران"، حيث لا يملك النائب سوى 3 دقائق اعتراض هامشية تشبه "المخلل مع الطبق الرئيسي"، أما التظاهر أو الوقفة الاحتجاجية الصامتة، فمصيرها التخوين والحساب العسير باعتبارها جرائم مخلة بالأمن.
وخلص عمر طاهر إلى أن النتيجة الحتمية لهذه السياسات القمعية هي انسداد الشرايين العامة للسياسة والنقاش الحقيقي، ودفع المجتمع نحو حالة من القهر الصامت والنقاشات العبثية الهامشية لعدم وجود متفسفس حقيقي للغضب الشعبي.
تناقضات المديونيات والأرباح
لم تقتصر الانتقادات على النخب والكتّاب، بل امتدت لتشمل الشارع عبر منصات التواصل الاجتماعي واستنكر الناشط أحمد لطفي (@AHMADLO13219562) تصريحات مدبولي حول "تحمل الدولة للتكاليف"، متسائلاً بسخرية ساخطة: "هي مين الدولة اللي بتتحمل دي؟ والدولة دي بتجيب فلوس منين؟ من جيب أبوكم مثلاً! دي فلوسنا وإنتم عايشين على حسابنا."
وانتقد آخرون مثل عاطف أبو موسى Atef abo mousa التوقيت والتجاهل البرلماني لأزمات المواطنين، مشيرين إلى أن جلسات مجلس النواب التي شهدت تقديم عشرات طلبات الإحاطة بشأن أزمة العدادات الكودية التي تخنق أكثر من 11.5 مليون بيت مصري، تم القفز فوقها بينما تفرغت الدولة لقرارات أخرى.
ورصد حساب حدث بالفعل (@7adasBelfe3l) كيف تتخذ الحكومة قرارات عكس مصلحة المواطن، مثل إلغاء جمارك السيارات الكهربائية المستعملة في الخفاء سابقاً لحماية مصالح وكلاء السيارات والشركات الكبرى على حساب المواطن البسيط الذي عجز عن شراء السيارات الكهربائية الجديدة باهظة الثمن.
وعلق محمد عنان @3nan maبسخرية على مقترح الحكومة بعمل الموظفين "أونلاين" من المنازل لتوفير الطاقة، بالقول: "وهو الناس لما تترزع في البيت مش تحتاج كهرباء ونت ولا هتعيش على الطاقة الشمسية؟! يعني المواطن يدفع فاتورة مش فاتورته علشان فشل حضراتكم؟!"
أرباح القابضة وديون البترول
تأتي هذه الزيادات المفاجئة في الوقت الذي كشفت فيه القوائم المالية للشركة القابضة لكهرباء مصر عن تحقيق أرباح مليارية صافية وصلت إلى 14.4 مليار جنيه في إفصاح يونيو 2024، بعد أن حققت في أعوام سابقة أرباحاً تجاوزت 60.2 مليار جنيه خلال ثلاث سنوات فقط، وفي المقابل، تعاني وزارة الكهرباء من تفاقم مديون لصالح وزارة البترول بلغت نحو 495 مليار جنيه بنهاية يوليو، نتيجة التكلفة الباهظة للوقود المستخدم في التوليد، لتختار الحكومة في النهاية أسهل الحلول وأقصرها: مد اليد مجددًا إلى جيب المواطن لتسديد فاتورة الفشل الهيكلي وسوء إدارة الموارد، تنفيذاً لالتزامات حتمية ضمن برنامج صندوق النقد الدولي مقابل شحنات قروض جديدة.