أزمات عمالية متصاعدة .. 80 من عمال جامعة “العاصمة” ومطعم “عيش وملح” و250 مدرسا بمطروح

- ‎فيحريات

يشهد سوق العمل في مصر أزمات متصاعدة تعكس تعمق الانتهاكات بحق العمال في مختلف القطاعات، سواء في المشاريع القومية، أو القطاع الخاص، أو الجهات الحكومية، وتكشف التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، عن نمط ممنهج يتمثل في تحويل الحقوق القانونية والمستحقات الأساسية إلى أدوات للمساومة والضغط والإكراه.

عمال جامعة العاصمة (حلوان سابقًا)

في واقعة تعكس التنكيل بالعمالة المؤقتة، قامت إدارة جامعة العاصمة (جامعة حلوان سابقًا) باتخاذ إجراءات تعسفية بحق نحو 80 عاملًا من قطاعات الخدمات المعاونة والإدارية.

شملت هذه الإجراءات حجب رواتبهم عن شهر يوليو، وتعطيل نظام بصمة الحضور والانصراف، بهدف إجبارهم على توقيع عقود عمل جديدة تتضمن البند السادس، والذي ينص على عدم اعتبار العامل موظفًا وعدم أحقيته في المطالبة بالتثبيت.

ويأتي هذا التعنت رغم أن العديد من هؤلاء العمال أمضوا أكثر من عشر سنوات في العمل، وهو ما يكسبهم مراكز قانونية مستقرة تستند إلى المادة (187) من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، فضلاً عن وجود أحكام قضائية سابقة صدرت عام 2019 لصالح عاملين بذات الجامعة تقر بحقهم في التثبيت.

إن استخدام حجز الأجور كوسيلة للإكراه يمثل اتهاماً صارخاً للحق في الأجر العادل والاستقرار الوظيفي.

أزمة عمال مطعم "عيش وملح"

في القطاع الخاص، تجلت أزمة عمال مطعم "عيش وملح" بوسط البلد لتكشف عن اتساع ظاهرة التشغيل بلا عقود، تعرض العمال للفصل التعسفي المفاجئ، والحرمان من مستحقاتهم المالية، والامتناع عن تسليمهم مسوغات التعيين والأوراق الرسمية، مما أدى إلى تعطيلهم عن الالتحاق بفرص عمل جديدة لأكثر من عشرين يومًا.

وتعكس هذه الممارسة نمطًا متكررًا في قطاع الخدمات والمطاعم، حيث تُنتهك قوانين العمل ويُترك العمال تحت رحمة الإرادة المنفردة لأصحاب العمل دون تأمينات اجتماعية أو ضمانات قانونية، في ظل ضعف فعالية آليات التفتيش العمالي ومكاتب التسوية الودية.

معلمو محافظة مطروح المغتربون

وامتدت الانتهاكات لتشمل القطاع التعليمي، حيث تقدم نحو 250 معلمًا ومعلمة بطلبات انتداب إلى محافظاتهم الأصلية بعد قضائهم نحو تسع سنوات بعيدًا عن أسرهم. ورغم حصولهم على موافقات رسمية وقرارات انتداب من لجنة خماسية بوزارة التربية والتعليم خلال شهر يونيو، إلا أن محافظ مطروح امتنع عن التنفيذ بدعوى العجز في أعداد المعلمين.

ويتفاقم هذا التعنت في ظل تدني الأجور الفعلية التي لا تتجاوز 7300 جنيه شهريًا، وغياب تطبيق مبدأ التدرج في الأجور، وتحمل المعلمين تكاليف باهظة للإقامة والسكن لا تتناسب نهائيًا مع بدل السكن المزعوم البالغ 500 جنيه، مما يُعد حملاً غير مبرر للعمال جراء القصور الإداري وسوء توزيع الموارد البشرية.

تقارير المنظمات الحقوقية

جاء حصاد شهر يوليو 2026 ليؤكد استمرار وتيرة الانتهاكات العمالية وتنوعها؛ إذ رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات وعدد من المنصات الحقوقية والعمالية أنماطًا بالغة الخطورة من الهجمات على حقوق العمال:

وفي شركات مياه الشرب والصرف الصحي بالقليوبية، تم ربط صرف الحد الأدنى للأجور بتوقيع العمال على عقود وكالة أقل استقرارًا.

وفي شركة وبريات سمنود، جرى تحصيل اشتراكات التأمين الصحي من أجور العمال والعاملات دون توريدها لجهات العلاج، مما حرم نحو 500 عامل من الرعاية الصحية الأساسية.

وفي وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، استمر نحو 3700 عامل وعاملة في أداء مهامهم دون أجر لسنوات، رغم صدور أحكام قضائية وقرارات تعيين لصالح أعداد منهم.

وعلى صعيد السلامة والصحة المهنية، شهد شهر يوليو مأساة مفجعة بمركز أبوتيج في محافظة أسيوط، حيث لقي تسعة أطفال من العمالة الزراعية مصرعهم في طريق عودتهم من الحقل، لتتحول سياسات تأجيل الحقوق وحرمان العمال من الحماية إلى أرواح تُفقد على الطرق وفي بيئة عمل خالية من معايير الأمان.

وتواصلت التحركات النضالية للطبقة العاملة خلال يوليو، شملت اعتصام عمال شركة "إيماك للورق" الذي دخل يومه التاسع احتجاجًا على جشع الإدارة، إضافة إلى دخول عمال شركة "مصر العامرية للغزل والنسيج" في إضراب عن العمل لليوم الثاني على التوالي على خلفية تنصل الإدارة من الاتفاق المعلن بشأن احتساب علاوة بنسبة 12% على الأجر التأميني وضم جزء منها للأجر الأساسي، والالتفاف على حقوقهم المالية لتفريغ الزيادة من مضمونها.

تؤكد هذه التقارير أن ما يتم رصده عبر الخطوط الساخنة والمصادر العلنية لا يمثل سوى الحد الأدنى من الحجم الحقيقي للانتهاكات التي يتعرض لها العمال في مصر.

ادعاءات السلطة

في المقابل، تروج الخطابات الرسمية المتمثلة في تصريحات رأس السلطة ووزير العمل لنظرة منحازة تمامًا لمصالح أصحاب الأعمال ورأس المال على حساب الطرف الأضعف في معادلة الإنتاج (العمال). تتردد ادعاءات مستمرة بأن "تطوير التشريعات العمالية يحقق التوازن بين حقوق العمال وجذب الاستثمار"، وغالباً ما يُساق الشعار المبتذل القائل بأن "علينا أن نتحمل.. عشان خاطر مصر" لتبرير إهدار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة.

ويعتبر حقوقيون ومنظمات حقوقية إن هذا الخطاب يمثل التواءً مفضوحًا للحقائق؛ فالتضحية المطلوبة لا تُفرض على أصحاب الشركات والمستثمرين الذين يحققون الأرباح الطائلة، بل تُفرض قسراً على العمال الذين يعانون من تآكل الأجور بسبب التضخم، وغياب التأمين الصحي، والتشغيل بلا عقود، والفصل التعسفي.

وقالت المفوضية المصرية للحقوق والحريات: "إن حرمان العمال من أجورهم، وإجبارهم على التنازل عن حقهم في التثبيت، والتنصل من الاتفاقات العمالية المبرمة، كلها ممارسات لا علاقة لها بجذب الاستثمار الحقيقي القائم على احترام سيادة القانون، بل هي استثمار في السخرة وتقويض السلم المجتمعي وإفقار متعمد للطبقة العاملة المصرية".