دماء لم تجف وجرح مفتوح في جسد الوطن
تمر الذكرى الثالثة عشرة لواحدة من أبشع مجازر العصر الحديث وأكثرها دموية في تاريخ مصر المعاصر؛ ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة في صيف عام 2013.
فمع مرور الأعوام، لا تزال تداعيات تلك الإبادة الجماعية حاضرة بقوة في المشهد المصري، ليس فقط كذكرى أليمة لضحايا سقطوا بدم بارد، بل كجذر أساسي لكل الأزمات الطاحنة التي تعاني منها البلاد اليوم، من انهيار اقتصادي، وتدهور غير مسبوق في مستوى المعيشة، وتضخم هائل في أعداد المعتقلين والزنازين الممتلئة.
في صيف عام 2013، كانت مصر تقف على مفترق طرق تاريخي، بعد أن تذوق الشعب طعم الحرية لأول مرة عبر انتخابات نزيهة أفرزت رئيساً مدنياً منتخباً، غير أن الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي أنهى تلك التجربة الديمقراطية الوليدة بالحديد والنار.
البداية الدموية انطلقت عند أسوار دار الحرس الجمهوري في ما عرف بـ "مذبحة الساجدين"، لتمهد الطريق سريعاً نحو المجزرة الكبرى في الرابع عشر من أغسطس 2013. يومها، اقتحمت قوات الجيش والشرطة ميدان رابعة العدوية الذي كان يعتصم فيه عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال السلميين المطالبين بعودة الشرعية.
تحولت الساعات الأولى للصباح إلى جحيم مطلق؛ رصاص حي انهمر بلا توقف من القناصة الذين اعتلوا أسطح المباني، طاردوا الفارين في الأزقة، وأحرقوا الخيام بمن فيها. ولم تتوقف الوحشية عند القتل المباشر، بل امتدت لدهس الجثث بالجرافات واستهداف من حاولوا النجاة عبر ما سُمي زوراً بـ "الممر الآمن"، وتحويل مسجد رابعة إلى كومة رماد مختلطة بدماء الشهداء. تجاوز عدد الضحايا الآلاف، لتُصنف المجزرة كواحدة من أبشع عمليات القتل الجماعي المنظم.
بطلان أحكام الإعدام والاعتقال
ولم تتوقف مأساة رابعة عند حدود القتل الميداني، بل امتدت لتطال منظومة العدالة برمتها، والتي تحولت إلى أداة لتثبيت أركان النظام عبر التلفيق والقمع المنهجي، وفي هذا السياق، كشفت وثائق رسمية صادرة عن النيابة العامة فضيحة قانونية مدوية؛ إذ تؤكد إحدى الأوراق الرسمية الموثقة أن الدكتور عبد العظيم إبراهيم كان مقبوضاً عليه ومودعاً في الحبس الانفرادي منذ 25 يوليو 2013، أي قبل فض اعتصام رابعة بنحو ثلاثة أسابيع كاملة.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة الدامغة الموثقة بأختام الدولة نفسها، لم يلتفت القاضي لتلك التواريخ، وأرسل الدكتور عبد العظيم إلى حبل المشنقة بتهمة المشاركة في أحداث وقعت بينما كان هو خلف الأسوار، بل إن السلطات قامت بنسخ تهم قديمة، في مخالفة صارخة لأبسط قواعد القانون التي تمنع محاكمة الشخص على التهمة ذاتها مرتين، وضمه لمحاكمة جماعية مسيسة أيدت محكمة النقض حكم الإعدام فيها مؤخراً، هذه الفضيحة تجسد كيف تدار أرواح المصريين في محاكم فقدت أي صلة بالمنطق أو العدالة، تاركة أسراً بأكملها تعيش رعب انتظار تنفيذ أحكام باطلة.
تحركات في لندن لإسناد الضحايا
ولم تغب قضية رابعة عن الساحة الدولية، حيث استمرت جهود الجاليات والقوى الثورية الحية في إبقائها حية في ضمير العالم، وفي هذا السياق، سَلم المجلس الثوري المصري خطاباً رسمياً إلى رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي برنهام في مقره الشهير بـ 10 داوننج ستريت في لندن، تزامن هذا التحرك مع الذكرى الثالثة عشرة لمذبحة رابعة وما تلاها من جرائم بحق الشعب المصري.
وطالب المجلس الثوري الحكومة البريطانية بالضغط الفعلي على النظام الانقلابي في مصر للإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين، والتوقف التام عن تقديم أي دعم سياسي أو اقتصادي لنظام السيسي، فضلاً عن مساندة الجهود الرامية لرفع المعاناة الإنسانية والاقتصادية عن كاهل الشعب المصري الذي يدفع ثمن الصمت الإقليمي والدولي.
سجون ممتلئة واقتصاد منهار
إن دماء رابعة التي رآها النظام وسيلة للردع وبث الرعب في نفوس المعارضين، تحولت بمرور السنين إلى لعنة تلاحق أركان الحكم. لقد ظن صانعو الانقلاب أن إراقة الدماء ستخرس الشارع المصري لعقود، لكن التاريخ أثبت أن دماء الأحرار لا تضيع هباءً.
فمنذ ذلك اليوم المشؤوم، لم يشهد نظام السيسي استقراراً حقيقياً؛ ورغم محاولاته المستمرة لكسب الدعم الإقليمي والدولي عبر تقديم الموارد الوطنية وثروات البلاد على طبق من ذهب، إلا أن الفشل الذريع ظل السمة الأساسية لإدارته، أدى هذا الفشل إلى إضعاف السيادة الوطنية وربط مقدرات الدولة بقوى إقليمية ودولية، وامتد ليعصف بحياة المواطن البسيط.
ما بعد التجاهل والسكوت
اليوم، وبعد مرور أكثر عقد على المجزرة، يجني المصريون تضاعف أسعار السلع والخدمات بشكل جنوني.
انهارت قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
ارتفعت معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة.
امتلأت السجون بمئات الآلاف من خيرة شباب الوطن وعقوله، بينما تُداس الكرامة الإنسانية تحت وطأة القبضة الأمنية الغاشمة.
غزة ورابعة أخوات
في مذبحة رابعة استلهمت تل أبيب إبادة غزة، بدعم إماراتي سعودي ومباركة أمريكية، وسعادة صهيونية، وتواطؤ غربي وصمت شعبي.
غزة لم تكن لتعاني هذه المعاناة الكبيرة وتتعرض لهذه الإبادة الجماعية لولا أن مصر قد تغيرت وتقزمّت وتبدلت أحوالها إلى الأسوأ يوم حدثت مجزرة رابعة.
حدثان يتشابهان في استخدام آلة الدعاية (مثل الإعلام المصري الموالي للنظام، والإعلام السعودي والإماراتي) لترويج الأكاذيب وشيطنة المعتصمين في رابعة وصفهم بالإرهابيين، تماماً كما روج الاحتلال ووكلاؤه لشيطنة غزة بعد 7 أكتوبر.
وفي إحراق وتدنيس جنود الجيش المصري لمسجد رابعة، مشابه تماماً لتدنيس وقصف الاحتلال للمساجد في غزة.
وفي قتل واعتقال الجرحى والأطباء وإحراق المستشفى الميداني برابعة، كررته قوات الاحتلال باقتحام مجمع الشفاء الطبي.
وفي إحراق عشرات المعتصمين أحياء داخل خيام رابعة والنهضة، يتطابق مع قصف خيام النازحين في رفح.
ثم في تبرير إعلام الانقلاب والثورة المضادة للقتل عبر اتهام الضحايا بقتل أنفسهم في رابعة، يشبه اتهام المقاومة بقصف المستشفى المعمداني في غزة.
وسقوط شهداء من الصحفيين في رابعة (مثل أحمد السنوسي وحبيبة عبد العزيز) يتطابق مع استهداف الصحفيين الممنهج في غزة (مثل إسماعيل الغول وسامر أبو دقة).
وتطابق صور إذلال الأسرى وجردهم من ملابسهم، فضلاً عن وقوف الجنود مبتسمين بجوار الدماء والجثث في الحالتين.
حتمية القصاص العادل
تتوالى الأصوات والشهادات عبر منصات التواصل الاجتماعي والفعاليات الحقوقية لتؤكد أن الشعب المصري لم ولن ينسى دماء رابعة، فالتغريدات والتدوينات تعج بالتأكيد على أن قضية رابعة وغزة وتونس والجزائر تتقاطع في مسار واحد هو رفض الاستبداد ومواجهة الظلم.
فالأمل باقٍ في جيل جديد يرفض الاستسلام لواقع القهر والانهيار، مدركاً أن ثمن الحرية وإن كان باهظاً، إلا أن الاستمرار في الصمت لا يجلب إلا مزيداً من الدمار، إن القصاص العادل لكل من شارك في إراقة دماء المصريين أو نهب مقدراتهم عبر المحاكم الثورية والقضائية النزيهة يظل الشرط الأساسي لأي مسار حقيقي نحو استعادة الوطن ورد الكرامة وفتح صفحة جديدة تُكتب بمداد العدالة وسيادة القانون.
https://x.com/haythamabokhal1/status/2086563079194829021
https://x.com/haythamabokhal1/status/2087214066871763429
https://x.com/watanegypt/status/2086920526455505146
https://x.com/AlshoubBreaking/status/1955947516593127503
https://x.com/drmgaweesh/status/1724798953303245206
https://x.com/elmogahed02/status/1383366809374527494
https://x.com/Alsh5anah/status/1956392944597905832
https://x.com/amrelhady4000/status/805557809853112320