حمل نداء ضياء رشوان إلى "فضفضة ضرورية" عناوين براقة تتعلق بفتح المجال أمام الحوار الموضوعي، والرأي والرأي الآخر، والتحضير لاجتماع سنوي يُعقد في 3 من ديسمبر من كل عام تحت رعاية السيسي، فضلاً عن تنشيط الحياة الحزبية، والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية، وإبراز صوت المواطن واحتياجاته، وإحياء المجالات الثقافية والقوة الناعمة.
عدد من الصحفيين والمراقبين والمحللين السياسيين عبر منصات التواصل الاجتماعي اعتبروا تصريح "رشوان"؛ "كميناً محكماً" لاعتقال الأحرار، ومن اعتبرها محاولة مبكرة لتهيئة الأجواء لولاية رئاسية جديدة وتعديلات دستورية محتملة، ومن ربطها بانهيار معايير الخدمة العامة وتبرير الفساد، تشكلت جبهة نقدية واسعة تعكس حجم الهوة السحيقة بين السلطة وبين النخبة الصحفية المستقلة في مصر.
"فخ" الرأي الآخر
كان رد الفعل الأبرز والأكثر تحذيراً هو ما طرحه الكاتب الصحفي قطب العربي، ، والذي أطلق صرخة مدوية عبر حسابه الرسمي، مؤكداً أنه يخشى بشدة أن تكون دعوة وزير الدولة للإعلام لفتح مساحات واسعة في الصحف والقنوات للرأي والرأي الآخر "كميناً محكماً لاعتقال أكبر عدد من الصحفيين والإعلاميين".
ويوضح "العربي" رؤيته بأن التهم الجاهزة أصبحت مطاطة ومرعبة في مصر، حيث إن أي محاولة للتعبير عن الرأي المخالف قد تتحول بين عشية وضحاها إلى تهم رسمية مثل "نشر أخبار كاذبة، إثارة الفوضى، الترويج للتشاؤم، أو الانضمام لجماعة إرهابية والترويج لخطابها وسياساتها"، مختتماً تحذيره بالقول: "وقد أعذر من أنذر".
وتتطابق هذه المخاوف بشكل كبير مع ما أثاره الدكتور مصطفى جاويش، وكيل وزارة الصحة السابق، الذي استدعى الحكمة الصينية الشهيرة: "دع الزهور تتفتح ليمكن قطفها"، مقاطعاً إياها بمقولة تاريخية مشابهة: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستبداد، فصدقه بعضهم ورفع رأسه فتم على الفور قطعها"، يعكس هذا التشبيه عمق الأزمة النفسية والسياسية والثقة المفقودة بين النظام وصناع الرأي، حيث يُنظر إلى أي دعوة للانفتاح على أنها مجرد "مصيدة" لفرز المعارضين ورصد أصواتهم ومن ثم تصفيتهم مهنياً أو أمنياً.
هيمنة "المتحدة" على المجال العام
من جانبه، قدّم الصحفي خالد محمود قراءة تحليلية مفصلة وعميقة لنداء ضياء رشوان، رابطاً إياه بسياق سياسي أوسع. يرى محمود أن النداء ليس سوى محاولة مبكرة لتهيئة الأجواء لولاية رئاسية جديدة محتملة وما قد يصاحبها من حديث عن تعديل دستوري، وإعادة طرح نسخة منقحة من "الحوار الوطني" الذي دعا إليه السيسي عام 2022، والذي بقيت غالبية توصياته – التي تجاوزت المئة توصية في مرحلته الأولى – حبيسة الأدراج واللجان دون أن تتحول إلى سياسات عملية تمس حياة المواطن اليومية.
ويشير خالد محمود إلى التناقض الصارخ بين الدعوات المتكررة للانفتاح الإعلامي وبين سيطرة الحكومة المطلقة على المجال الإعلامي وحصره بشكل شبه كامل في "شركة المتحدة للخدمات الإعلامية".
معتبرا أن هذا الاحتكار الممنهج للقنوات والصحف والمنصات يثير علامات استفهام كبرى حول استقلالية المشهد وطبيعة أدائه.
ويؤكد محمود أن حديث السيسي وبيان رشوان عن تنشيط الحياة السياسية والانفتاح الإعلامي لا يجب التعامل معه بمنطق "المكرمة"، مشدداً على أن المسؤول عن تدمير المشهد السياسي والإعلامي هو النظام والحكومة وليست الشعب والصحافة، وبالتالي فإن خطوة الإصلاح الأولى الحقيقية هي أن ترفع الدولة يدها تماماً عن الحياة الحزبية والإعلامية، بدلاً من محاولة تدجين الصحافة وتأطيرها لتخدم أهدافاً غير معلنة.
ولا يتردد محمود في الإشارة إلى أن حالة الاختناق الحالية تجعل الكثيرين يتررحمون على أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، رحمه الله، الذي – رغم الانتقادات الكثيرة لتلك الحقبة – ترك مساحات لحرية الصحافة وتعددية حزبية حقيقية كسرت نظرية الحزب الواحد والصوت الواحد، وهو ما افتقده الإعلام المصري تماماً في ظل الإدارة المركزية الحالية.
مسرحية المنصات الجديدة
وفي السياق ذاته، توقف الإعلامي أيمن عزام عند مفارقة لافتة تعكس حالة التخبط وازدواجية المعايير في الخطاب الرسمي، معلقاً بسخرية على ظهور الوزير ضياء رشوان مذيعاً في قنوات غير مصرية ليلاً بينما يرتدي عباءة المسؤول الرسمي والوزير نهاراً، متسائلاً بعبارة شهيرة تعكس العبث المستشري: "يا مصر بتعمليها إزاي؟!".
إن هذه المظاهر المتباينة تؤكد أن المشهد الإعلامي برمته مصمم لخدمة واجهات محددة دون وجود أي رغبة حقيقية في إحداث تغيير جذري، فدعوات "إبراز صوت المواطن" والاحتفاء بمنظومة الشكاوى الحكومية وصفحة وزارة الداخلية على فيسبوك كبدائل عن الإعلام الحر، ليست سوى محاولة لاختزال دور الصحافة والإعلام من "سلطة رابعة رقيبة وموجهة للرأي العام" إلى مجرد "مكتب شكاوى وخدمات إدارية" يتلقى التظلمات الفردية ويتجاهل تماماً السياسات العامة التي أدت إلى الأزمات من الأساس.
وكان السيسي دعا لإطلاق "منصة وطنية تفاعلية للشباب" على السياق ذاته وقبل دعوة "رشوان"، وسخر أسامة رشدي من كثرة المؤتمرات والندوات واللجان والجيوش الإلكترونية، متسائلاً بمرارة: "وماذا تفعل الماشطة في الوجه العِكر؟". ويؤكد أن مشكلة شباب مصر ليست في قلة المنصات أو نقص القنوات، بل في غياب "الحرية" بالمعنى الحقيقي، فالشباب أدركوا أن المطلوب منهم ليس التفكير أو المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، بل التصفيق والهتاف وتردي الشعارات، ويخلص رشدي إلى أن مصر لا تحتاج إلى دكاكين جديدة وموازنات ومكافآت تُغدق على شبيحة النظام والبلطجية، بل تحتاج إلى رفع الأيدي الأمنية عن الجامعات، وإطلاق سراح سجناء الرأي، وتحرير الصحافة من سطوة الأجهزة والمخابرات، وترك المصريين ينظمون أنفسهم بحرية تامة.
ازدواجية المشهد
وفي توضيح على بداية مهام ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، فتح الناشط والمعلق السياسي أسامة رشدي النار على ما وصفه بـ "تبرير الفساد وانعدام الأهلية القانونية والأخلاقية لبعض الوزراء"، يرى رشدي أن الوزير استهل عمله بالدفاع عن وزراء طالتهم اتهامات التزوير والفساد وأدينوا قضائياً (مثل وزيرة الثقافة المدانة بحكم محكمة الاستئناف الاقتصادية، ووزير التعليم المتماثلة شهاداته للطعن بالتزوير، ووزيرة الإسكان)، رافعاً شعار: "السلطة أولاً.. والمعايير الأخلاقية أخيراً".
ويؤكد رشدي أن المنصب الوزاري ليس حقاً مكتسباً، وأن الأخلاق وحسن السيرة والنزاهة لا تنتظر "ختم محكمة النقض" أو حكماً باتاً لتكون شرطاً للتعيين. إن دفاع رشوان عن هذه النماذج يعكس – بحسب رشدي – أن المطلوب من وزير الإعلام الجديد ليس الدفاع عن الحقيقة أو ترسيخ قواعد الشفافية، بل "تجميل القبح الرسمي بلغة قانونية متلاعبة وحجج باردة".
إن قراءة نداء ضياء رشوان عبر مجهر النخبة الصحفية والمراقبين المستقلين تكشف بوضوح أن الأزمة ليست في نصوص البيانات ولا في مواعيد الاجتماعات السنوية في الثالث من ديسمبر، بل في بنية النظام السياسي والإعلامي بأكمله. فالصحفيون والمراقبون أجمعوا على أن أي دعوة للحوار أو لفتح المجال العام تظل حبرًا على ورق ما لم تسبقها إجراءات حقيقية على الأرض تتضمن:
رفع القبضة الأمنية عن الصحافة والأحزاب والجامعات.
إنهاء الاحتكار الاقتصادي والإعلامي المفروض على الشاشات والصحف.
الإفراج عن سجناء الرأي ووقف ملاحقة أصحاب الكلمة الحرة بتهم نشر الأخبار الكاذبة.
استعادة المعايير الأخلاقية والمؤسسية في اختيار المسؤولين وتولي المناصب العامة بعيداً عن سياسة تجميل القبح الرسمي وتدجين العقول.
وإلى أن تدرك السلطة أن الصحافة الحرة هي حليف استراتيجي وليست خصماً ينبغي ترويضه، ستظل كل نداءات "الفضفضة" والاجتماعات السنوية مجرد تمارين علاقات عامة لا تغير من واقع المشهد شيئاً، وتبقى الكرة دائماً في ملعب من يملك قرار إتاحة الحريات الحقيقية في البلاد.