أصول الدولة في مواجهة الديون.. هل تتحول قناة السويس إلى ورقة لسداد فاتورة الاقتراض؟

- ‎فيتقارير

أعاد طرح مقترح باستخدام أصول الدولة المصرية في تسوية جانب من أعباء الدين العام الجدل حول مستقبل الممتلكات العامة، بعدما أثارت تصريحات المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة ورجل الأعمال حسن هيكل، بشأن إمكانية مقايضة بعض الأصول بالديون، مخاوف من فتح الباب أمام التصرف في أصول إستراتيجية، من بينها قناة السويس.

وجاءت تصريحات هيكل للمرة الثانية خلال فترة قصيرة، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع حجم الدين المحلي والخارجي وتكاليف خدمته، بينما سارعت الحكومة إلى نفي وجود توجه رسمي لتنفيذ المقترح، مؤكدة أن الفكرة سبق أن خضعت للدراسة وانتهت الجهات المعنية إلى عدم ملاءمتها.

وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالًا أساسيًا: هل يُمثل الحديث عن مقايضة الأصول بالديون مجرد اجتهاد اقتصادي فردي، أم أنه محاولة لجس نبض الرأي العام بشأن خيارات قد تلجأ إليها الحكومة في مواجهة أزمة المديونية؟

 

من رفض بيع الأصول إلى مقترح المقايضة

تأتي إعادة طرح الفكرة في تناقض واضح مع الموقف الذي أعلنه الرئيس الراحل  الشهيد محمد مرسي خلال فترة حكمه، عندما أكد عدم وجود نية لبيع ممتلكات الشعب المصري، وذلك في تصريحات له خلال احتفال بعيد العمال داخل مصنع الحديد والصلب، الذي أُغلق لاحقًا.

وبعد أكثر من عقد، يعود ملف أصول الدولة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، ولكن هذه المرة في ظل أزمة ديون أكثر تعقيدًا، إذ أصبحت تكلفة خدمة الدين تمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، وتستحوذ على جزء ضخم من موارد الدولة.

وبحسب البيانات الواردة في الطرح، بلغت أعباء خدمة الدين في الموازنة الأخيرة نحو 5.2 تريليونات جنيه، منها نحو 2.8 تريليون جنيه لسداد الأقساط و2.4 تريليون جنيه فوائد، بينما تجاوز الدين المحلي 11 تريليون جنيه، ووصل الدين الخارجي إلى نحو 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026.

وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على الاستمرار في تمويل احتياجاتها وسداد التزاماتها دون اللجوء إلى بيع أو نقل ملكية أصول عامة ذات قيمة استراتيجية.

 

قناة السويس في قلب الجدل

تكتسب القضية حساسية خاصة بسبب ورود قناة السويس ضمن الأصول التي دار حولها النقاش، باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري وأحد أبرز الأصول السيادية والإستراتيجية للدولة.

ويرى منتقدو فكرة المقايضة أن إدخال القناة أو غيرها من الأصول الإستراتيجية في ترتيبات تسوية الديون يفتح بابًا واسعًا لمخاطر اقتصادية وسيادية، خصوصًا إذا انتقلت الملكية أو السيطرة على هذه الأصول إلى جهات لا يُفترض أن يكون من اختصاصها امتلاكها وإدارتها.

وتزداد المخاوف عندما يرتبط المقترح بالبنك المركزي المصري، إذ إن نقل أصول إلى البنك المركزي مقابل تسوية مديونية محلية يطرح، بحسب منتقدي الفكرة، أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الأصول السيادية والسياسة النقدية.

 

هل يتحول البنك المركزي إلى مالك للأصول؟

أحد أكثر جوانب المقترح إثارة للجدل يتعلق بالدور المحتمل للبنك المركزي المصري في عملية مقايضة الأصول بالديون.

ويحذر منتقدو هذا الطرح من الخلط بين وظيفة البنك المركزي ووظيفة المؤسسات الاستثمارية، مؤكدين أن البنك المركزي يضطلع أساسًا بإدارة السياسة النقدية، والإشراف والرقابة على القطاع المصرفي، وإدارة الاحتياطيات الدولية، والمساهمة في الحفاظ على استقرار النظام المالي وسوق الصرف.

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل البنك المركزي إلى طرف يمتلك أصولًا وشركات وأراضي وعقارات أو أصولًا إستراتيجية، ثم استخدام تلك الأصول في تسوية ديون الدولة، قد يثير إشكاليات تتعلق بطبيعة دوره واستقلالية قراراته.

كما يطرح هذا السيناريو تساؤلات حول مدى الفصل بين البنك المركزي باعتباره جهة رقابية ونقدية، وبين المؤسسات الاستثمارية التي يمكنها امتلاك الأصول وإدارتها بهدف تحقيق عوائد.

 

مخاوف على أموال المودعين

جانب آخر من الجدل يتعلق بما قد يترتب على أي استخدام غير تقليدي لموارد الجهاز المصرفي في تسوية الدين العام. فالبنك المركزي لا يدير مدخرات المواطنين بالطريقة التي تدير بها البنوك التجارية حسابات العملاء، لكنه يمثل محورًا أساسيًا في استقرار النظام المصرفي، ويوفر أدوات للسيولة وإدارة الأزمات وحماية النظام المالي من الاضطرابات.

ويحذر منتقدو مقايضة الأصول بالديون من أن أي آلية تؤدي إلى خلق سيولة نقدية غير مدعومة بزيادة حقيقية في الإنتاج أو الاحتياطيات قد تنعكس على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية للمواطنين.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل الضغوط التي تعرضت لها العملة المصرية خلال السنوات الماضية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.

 

مقايضة الأصول ليست علاجًا لجذور أزمة الدين

يرى منتقدو سياسة بيع الأصول أو مقايضتها بالديون أن التخلص من جزء من الممتلكات العامة قد يوفر سيولة مؤقتة، لكنه لا يُعالج الأسباب التي أدت إلى تراكم الدين من الأساس.

فإذا استمرت حكومة الانقلاب في الاقتراض لتمويل الإنفاق العام والمشروعات التي لا تحقق عائدًا اقتصاديًا كافيًا، فإن بيع الأصول قد يتحول إلى حل مؤقت يعقبه احتياج جديد إلى الاقتراض، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص قاعدة الأصول العامة دون إنهاء أزمة المديونية.

وتتركز الانتقادات على ضرورة معالجة أصل المشكلة من خلال السيطرة على الاقتراض، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي، بدلًا من تحويل الأصول العامة إلى مصدر متكرر لتمويل الموازنة.

 

بين البنك المركزي وبنك الاستثمار القومي

ويشير منتقدو طرح هيكل إلى ضرورة التمييز بين البنك المركزي المصري وبنك الاستثمار القومي، إذ تختلف طبيعة ووظائف كل منهما.

فبنك الاستثمار القومي ارتبط تاريخيًا بتمويل مشروعات واستثمارات حكومية، كما دخل في ترتيبات مالية مرتبطة بديون والتزامات لجهات حكومية، بينما يتمتع البنك المركزي بدور مختلف يتعلق بالسياسة النقدية والاستقرار المالي والرقابة على الجهاز المصرفي.

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الخلط بين المؤسستين قد يؤدي إلى تصورات غير دقيقة حول الأدوات التي يمكن استخدامها لإدارة الدين العام.

 

أزمة الديون تضغط على الحكومة

ويأتي الجدل حول مقايضة الأصول في وقت أصبحت فيه المديونية واحدة من أكبر التحديات أمام الاقتصاد المصري. فارتفاع الدين المحلي والخارجي ترافق مع زيادة تكلفة الفوائد والأقساط، ما أدى إلى تخصيص جزء كبير من الموازنة لخدمة الدين بدلًا من توجيه الموارد إلى قطاعات الإنتاج والخدمات العامة.

ويخشى اقتصاديون من أن استمرار هذه المعادلة يؤدي إلى حلقة مفرغة: اقتراض جديد لسداد التزامات قديمة، ثم الحاجة إلى مزيد من الاقتراض لتغطية الاحتياجات الجديدة، وصولًا إلى مرحلة تصبح فيها أصول الدولة أحد الخيارات المطروحة لتوفير السيولة.

 

هل كانت التصريحات بالونة اختبار؟

رغم نفي الحكومة تبنيها رسميًا لفكرة مقايضة أصول الدولة بالديون، فإن تكرار طرحها خلال فترة قصيرة أثار تساؤلات حول أسباب إعادة تقديمها للرأي العام في هذا التوقيت.

ويطرح ذلك احتمالين رئيسيين؛ الأول أن التصريحات تعكس اجتهادًا اقتصاديًا شخصيًا لا يمثل سياسة الحكومة، وهو ما يتسق مع بيان مجلس الوزراء الذي أشار إلى أن الفكرة سبق بحثها ورفضها.

أما الاحتمال الثاني، الذي يطرحه منتقدو الحكومة، فهو أن تكون إعادة طرح الفكرة محاولة لاختبار ردود الفعل الشعبية والسياسية تجاه خيارات أكثر جرأة في إدارة أزمة الدين.

وفي الحالتين، فإن الجدل كشف حجم المأزق الذي تواجهه المالية العامة، بعدما أصبحت الدولة مطالبة بالتوفيق بين خدمة دين متضخم، والحفاظ على أصولها الاستراتيجية، وتوفير الموارد اللازمة للإنفاق العام.

 

السؤال الذي ينتظر إجابة

وسط هذا الجدل، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بالصفة التي تحدث بها حسن هيكل عندما أعاد طرح فكرة مقايضة أصول الدولة بالديون: هل كان يتحدث بصفته مستشارًا اقتصاديًا لرئيس الحكومة، بما يجعل تصريحاته محل قراءة باعتبارها جزءًا من النقاش داخل دوائر صنع القرار، أم بصفته رجل أعمال يقدم رؤية اقتصادية شخصية؟ الإجابة عن هذا السؤال تبدو ضرورية لتحديد طبيعة المقترح ومدى ارتباطه بسياسات الحكومة الفعلية.

وفي انتظار إجابة واضحة، تظل قضية أصول الدولة مرتبطة بسؤال أكبر: هل تكون مواجهة أزمة الدين عبر إصلاح أسبابها وزيادة الإنتاج، أم عبر تحويل ممتلكات الدولة إلى أدوات لسداد فاتورة الاقتراض المتراكم؟ فبيع الأصول أو مقايضتها قد يمنح الخزانة مساحة مؤقتة للتنفس، لكنه لا يضمن وحده خروج الاقتصاد من دائرة الدين، ما لم يترافق مع تغيير حقيقي في السياسات التي أدت إلى تضخم المديونية وتزايد أعبائها.