أزمات المياه والكهرباء تُفاقم الاحتقان في تونس.. هل تدفع الخدمات المتدهورة الشارع إلى الانفجار؟

- ‎فيعربي ودولي

تتفاقم أزمة الخدمات الأساسية في تونس مع تكرار انقطاعات المياه والكهرباء في عدد من المناطق، بالتزامن مع نقص الأدوية والمياه المعلبة وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع حالة الغضب، وسط خلاف حاد حول أسباب الأزمة ومسؤولية السلطة عنها.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الأزمة السياسية التي تعيشها تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد عام 2021، والتي شملت حل البرلمان وإنهاء العمل بدستور 2014، في وقت يرى فيه منتقدون أن انفراد السلطة بالقرار السياسي ترافق مع تراجع القدرة على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية.

وتشهد مناطق مختلفة تحركات احتجاجية على خلفية تدهور خدمات المياه والكهرباء، فيما زادت موجة الحر، التي وصلت في بعض المناطق إلى نحو 50 درجة مئوية، من صعوبة الأوضاع، بالتزامن مع نقص بعض السلع الأساسية والمياه المعدنية.

كما ساهمت فواجع الهجرة غير النظامية، التي أودت بحياة عدد من الشبان، ولا سيما من منطقة بنقردان، في زيادة حالة الاحتقان الشعبي.

في المقابل، تفسر الرئاسة التونسية بعض حالات انقطاع الخدمات بأنها نتيجة ما وصفته بـ"أعمال مدبرة من غرف مظلمة لتأجيج الشارع"، بينما ترى أطراف نقابية وسياسية وخبراء أن الأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بتراكمات هيكلية وسياسات اقتصادية وإدارية ممتدة.

بنية تحتية متهالكة وأزمة استثمار

وترى المختصة في السياسات الاقتصادية خلود التومي أن أزمة المياه لا يمكن تفسيرها فقط بالظروف المناخية، مشيرة إلى أن ارتفاع مخزون السدود لا يعني بالضرورة وصول المياه إلى المواطنين، في ظل تهالك شبكات التوزيع وضعف الاستثمار العمومي على مدار سنوات.

وتوضح التومي أن البنية التحتية أصبحت غير قادرة على التعامل مع فترات الذروة، معتبرة أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات امتدت لنحو 14 عامًا.

وبحسب التومي، فإن الخيارات المالية للدولة لعبت دورًا في تفاقم الوضع، إذ اضطرت السلطات إلى توجيه جانب كبير من السيولة المتاحة نحو خدمة الديون الخارجية، في محاولة لتجنب مخاطر التعثر المالي، وهو ما انعكس على الإنفاق المخصص لصيانة المرافق وتوفير المواد الأساسية.

من جانبه، يرى المحلل السياسي صهيب المزريقي أن أزمة المياه في تونس ليست جديدة، مشيرًا إلى أن شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه "الصوناد" تعاني منذ سنوات من مشكلات بنيوية، في ظل عدم تحديث كافٍ لشبكاتها، رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر الإجهاد المائي.

ويشير المزريقي كذلك إلى أن قطاع الكهرباء يعاني نقصًا في قدرات الإنتاج، يقدره بنحو 2000 ميجاواط، مرجعًا ذلك إلى بطء التحول نحو مصادر الطاقة البديلة واستمرار أنماط إدارية تقليدية في إدارة القطاع.

طوابير المياه تكشف حجم الأزمة

ومع تكرار انقطاعات المياه وارتفاع درجات الحرارة، تحولت المياه المعدنية إلى سلعة مطلوبة بصورة متزايدة، وأظهرت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد ازدحام وتدافع أمام عدد من المحال للحصول عليها.

وتعكس هذه المشاهد، بحسب منتقدين، حجم الضغط الذي باتت تواجهه الأسر التونسية، خصوصًا في المناطق التي تتزامن فيها أزمة المياه مع انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة.

وتزيد هذه الأوضاع من الضغوط على المواطنين، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

"المؤامرة" في مواجهة اتهامات الفشل

وتواجه السلطات التونسية انتقادات من قوى سياسية ونقابية تعتبر أن تفسير الأزمات المتكررة باعتبارها مؤامرات أو أعمال تخريب مدبرة لا يقدم معالجة حقيقية للمشكلة.

ويقول ربيع قاسم، عضو تحرك "نفس"، "إن الأوضاع المعيشية الحالية تعكس ما وصفه بمقومات "دولة منكوبة"، معتبرًا أن الاحتجاجات تعبر عن رفض سنوات من الحكم الفردي وتراجع المشاركة السياسية".

ويربط قاسم الأزمة الخدمية بالمسار السياسي الذي بدأ بعد إجراءات الرئيس قيس سعيّد الاستثنائية في يوليو 2021، معتبرًا أن تركيز السلطات في يد مؤسسة الرئاسة أدى، بحسب رؤيته، إلى إضعاف آليات الرقابة والمساءلة.

وانتقد كذلك ما اعتبره تناقضًا في الخطاب الرسمي، بين الإشادة بعمال شركتي الكهرباء والمياه من جهة، والحديث عن وجود جهات غامضة تتعمد تخريب الخدمات من جهة أخرى.

ويتقاطع هذا الموقف مع انتقادات صادرة عن الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس، الذي وصف خطاب المؤامرة والاتهامات بالخيانة بأنه محاولة للتهرب من المسؤولية السياسية والإدارية عن تدهور الخدمات.

أزمة مركبة تتجاوز المياه والكهرباء

ويرى خبراء أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن الوضع الاقتصادي العام في تونس، حيث تتداخل مشكلات التمويل والدين والاستثمار مع تهالك البنية التحتية وارتفاع الطلب على الطاقة والمياه.

وتشير هذه التطورات إلى أن انقطاع الخدمات لم يعد مجرد مشكلة فنية مؤقتة، وإنما أصبح ملفًا اجتماعيًا وسياسيًا يهدد بتوسيع دائرة الاحتجاج، خصوصًا عندما يتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة ونقص بعض الاحتياجات الأساسية.

كما أن استمرار الأزمة من دون حلول طويلة الأجل يضع مزيدًا من الضغط على مؤسسات الدولة، ويعمق فجوة الثقة بينها وبين المواطنين.

ما الحل؟

وتطرح الخبيرة الاقتصادية خلود التومي ضرورة وضع خريطة طريق متوسطة وطويلة المدى لمعالجة أزمات القطاعات الحيوية، مع إعادة فتح قنوات التفاوض مع صندوق النقد الدولي بهدف توفير تمويلات بالعملة الصعبة تساعد على صيانة وتطوير البنية الأساسية.

أما صهيب المزريقي، فيرى أن معالجة أزمة الطاقة والمياه تتطلب إعادة النظر في السياسات القائمة والاستعانة بالخبراء لوضع استراتيجيات بعيدة المدى، بدل الاكتفاء بإجراءات مؤقتة مع كل موجة أزمة.

ويرى ربيع قاسم أن الحل لا يمكن أن يكون فنيًا أو اقتصاديًا فقط، معتبرًا أن معالجة الأزمة تبدأ باعتراف السلطة بأوجه القصور والتوقف عن احتكار القرار، ثم إطلاق حوار وطني واسع يشارك فيه الخبراء والكفاءات التونسية لوضع حلول مستدامة للقطاعات الحيوية.

وتكشف أزمة المياه والكهرباء في تونس عن فجوة متزايدة بين احتياجات المواطنين وقدرة البنية الأساسية على الاستجابة لها. وبينما تركز السلطة على تفسير بعض الأزمات باعتبارها نتيجة مؤامرات أو أعمال تخريب، يطالب منتقدون بمعالجة الأسباب الهيكلية التي راكمتها سنوات من ضعف الاستثمار وتهالك الشبكات والأزمات الاقتصادية.

ومع استمرار الضغوط المعيشية والسياسية، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة التونسية احتواء الغضب الشعبي عبر إصلاح حقيقي للخدمات والاقتصاد، أم أن تراكم الأزمات سيحوّل الاحتجاجات المتفرقة إلى موجة أوسع يصعب احتواؤها؟