عندما تقوم حكومة الانقلاب بصرف مليارات الدولارات علي المباني الفاخرة والابراج الشاهقة ومد خدمات الطرق والسكك الحديدية الي المدن الصحراوية الجديدة، وتهمل الصرف علي التعليم حتي بالقدر اليسير الذي اشترطه الدستور 3% من الناتج المحلي الاجمالي، ففي هذه الحالة لا يجد الكثير من الطلاب اماكن لهم في الجامعات والمعاهد لاستكمال دراستهم الجامعي، وبالتالي يلجأ البعض منهم الي معاهد غير موثوقة ويصبحون عرضة للنصب والاحتيال من قبل معاهد واكاديميات غير معترف بها.
في إحدى البنايات المتهالكة وسط مدينة الإسكندرية، تبدو لافتة مضاءة بعناية تحمل اسماً يوحي بصرح أكاديمي كبير. داخل المكان، موظفون بزي موحد، وأجهزة حاسوب حديثة، وملصقات تعلن عن قبول دفعات جديدة من حاملي الثانوية العامة والدبلومات الفنية، من دون اشتراط حد أدنى للمجموع، إلى جانب وعود بالحصول على شهادات "معتمدة" وفرص عمل فور التخرج.
لكن خلف هذه الصورة المصطنعة، تتكرر واحدة من أخطر صور تجارة الوهم التي تنشط في مصر مع كل موسم للقبول بالجامعات والمعاهد، حين تتحول أحلام الطلاب وأسرهم في الحصول على مؤهل جامعي إلى سوق مفتوحة أمام كيانات تعليمية غير مرخصة، تبيع شهادات لا قيمة قانونية لها، وتستنزف مدخرات الأسر تحت غطاء أكاديمي زائف.
ومع تزايد شكاوى المواطنين من الوقوع ضحية لهذه الكيانات، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إغلاق عدد من المنشآت التعليمية الوهمية بالتعاون مع الجهات المعنية، كما نشرت قوائم بأسماء الكيانات غير المرخصة، في محاولة لتحذير الطلاب وأولياء الأمور من التعامل معها.
غير أن اتساع الظاهرة يطرح سؤالاً أكبر من مجرد إغلاق مقر أو إزالة لافتة: كيف تتمكن هذه الكيانات من جذب طلاب جدد كل عام، ولماذا لا تنجح الإجراءات الحالية في القضاء على نشاطها بصورة نهائية؟
إعلان على "فيسبوك" يقود إلى سراب
كان محمود صابر، وهو طالب من محافظة البحيرة، يبحث عن فرصة لاستكمال تعليمه بعد حصوله على 53% في الثانوية العامة.
يقول صابر إن حالة من الحزن سيطرت على أسرته عقب ظهور النتيجة، قبل أن يظهر أمامه إعلان ممول على منصة "فيسبوك" بدا وكأنه يقدم مخرجاً مثالياً من أزمة المجموع.
الإعلان كان يعد بإمكانية الالتحاق بقسم "التمريض والتحاليل الطبية" مقابل مصروفات سنوية تبلغ 28 ألف جنيه، مع تأكيدات بأن الشهادة "معتمدة من الجهات الحكومية وموثقة من الخارجية".
لم يتردد والد الشاب، وهو فلاح بسيط، في دفع المصروفات ورسوم التسجيل، أملاً في تأمين مستقبل ابنه والحصول على مؤهل جامعي يفتح أمامه أبواب العمل.
لكن الدراسة خلال السنة الأولى سرعان ما كشفت عن واقع مختلف؛ محاضرات محدودة داخل قاعات مستأجرة بنظام الساعة، ومحتوى تعليمي لا يتناسب مع الوعود التي سبقت الالتحاق.
وجاءت لحظة اكتشاف الحقيقة عندما احتاج صابر إلى شهادة إثبات قيد لتقديمها إلى مكتب التجنيد. هناك تلقى الصدمة: الجهة التي يدرس بها ليست مؤسسة تعليمية معتمدة، وإنما شركة تدريب خاصة لا تمنح حق التأجيل من الخدمة العسكرية، والشهادة التي يحصل عليها الطالب منها لا تمنحه مؤهلاً جامعياً معترفاً به.
لم تكن تجربة صابر استثناءً، وإنما نموذج لما يمكن أن يواجهه طلاب آخرون انجذبوا إلى إعلانات براقة ووعود بمستقبل سريع.
خوارزميات المنصات.. بوابة جديدة للنصب
ومع انتقال جزء كبير من عملية البحث عن الجامعات والمعاهد إلى الإنترنت، وجدت الكيانات الوهمية وسيلة أكثر فاعلية للوصول إلى ضحاياها.
وتستخدم بعض هذه الكيانات الإعلانات الممولة على منصات التواصل الاجتماعي لاستهداف فئات عمرية محددة من الطلاب، خصوصاً من تتراوح أعمارهم بين 17 و20 عاماً، مع التركيز على المحافظات والطلاب الذين يبحثون عن نتائج الثانوية العامة وفرص القبول بالكليات والمعاهد.
وتعتمد الإعلانات على عبارات مصممة لاستغلال القلق الذي يعيشه الطالب بعد ظهور النتيجة، مثل "الفرصة الأخيرة قبل غلق باب التقديم"، و"قبول فور استلام المستندات"، و"تسهيلات في السداد".
وبهذه الطريقة يتحول الخوف من ضياع عام دراسي أو المستقبل المهني إلى وسيلة ضغط تدفع الطالب وولي الأمر إلى اتخاذ قرار سريع، قبل التحقق من الوضع القانوني للمؤسسة.
ولا يتوقف التضليل عند الإعلانات، إذ تلجأ بعض الكيانات إلى عرض مستندات تحمل أختاماً وشعارات رسمية أو تصاريح لمزاولة أنشطة تدريبية صادرة عن جهات لا تملك اختصاص اعتماد المؤسسات التعليمية، لإقناع الأسر بأن الكيان يعمل بصورة قانونية.
شهادات بلا قيمة.. وخطر يتجاوز أموال الأسر
ويرى الخبير في السياسات التعليمية سمير النيلي أن خطورة هذه الكيانات لا تقتصر على الاستيلاء على أموال الطلاب وأسرهم، وإنما تمتد إلى جودة العملية التعليمية وسلامة المجتمع.
ويحذر النيلي من أن تخريج طلاب من مؤسسات غير مؤهلة يمكن أن يؤدي إلى دخول أشخاص غير مدربين إلى مهن حساسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجالات مثل التمريض أو التحاليل الطبية أو صيانة الطائرات أو هندسة البترول.
ويزداد الخطر عندما يعتقد الخريج أنه يحمل مؤهلاً يؤهله لممارسة المهنة، ثم يحاول العمل فعلياً اعتماداً على شهادة غير معترف بها، بما قد يؤدي في بعض الحالات إلى ممارسة أنشطة مهنية من دون ترخيص أو كفاءة كافية.
ويشير الخبير إلى أن اتساع مساحة التعليم الوهمي يرتبط أيضاً بما وصفه بـ"فجوة الاستيعاب" بين أعداد خريجي الثانوية العامة والطاقة الاستيعابية للمؤسسات الحكومية والأهلية المعتمدة، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الدراسة في عدد من الجامعات الخاصة.
وتوفر هذه الفجوة بيئة مناسبة لسماسرة التعليم، الذين يقدمون للطلاب وعداً بسيطاً ومغرياً: تجاوز أزمة المجموع مقابل المال.
عقوبات لا تردع.. وكيانات تعود باسم جديد
ولا تقتصر المشكلة على قدرة هذه الكيانات على استقطاب الطلاب، وإنما تمتد إلى صعوبة منعها من العودة بعد إغلاق مقارها.
ويقول المحامي بالنقض عماد جبريل إن العقوبات الحالية لا تبدو، في كثير من الحالات، رادعة بما يتناسب مع الأرباح التي تحققها هذه الأنشطة.
ويشير إلى أن الإجراءات قد تنتهي إلى تشميع المقر ومصادرة بعض الأجهزة وفرض غرامات مالية، لكنه يرى أن قيمة الغرامات تظل محدودة مقارنة بحجم الأموال التي يمكن أن يجمعها الكيان من الطلاب خلال موسم واحد.
والأخطر، بحسب جبريل، أن بعض الشبكات تلجأ إلى إعادة إنتاج نفسها سريعاً؛ إذ يتم إغلاق المقر، ثم الانتقال إلى شقة أخرى في منطقة مجاورة، وتغيير اسم الكيان واللافتة والحسابات المستخدمة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل استئناف النشاط من جديد.
وفي المقابل، يجد كثير من الضحايا أنفسهم أمام معركة أخرى لاسترداد أموالهم، خصوصاً في ظل غياب عقود واضحة أو مستندات تضمن حقوقهم المالية، ما يجعل خسارة الطالب مضاعفة: أموال ضاعت، وسنة دراسية قد تضيع معها.
وزارة التعليم العالي تواجه "سوق الوهم"
وتحاول وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مواجهة الظاهرة من خلال حملات دورية لإغلاق الكيانات التي تمارس النشاط التعليمي من دون ترخيص، إلى جانب نشر قوائم سوداء بالمنشآت التي تم ضبطها والتحذير منها.
كما تنشر الوزارة قوائم المؤسسات التعليمية المعتمدة، وتشمل الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية، إضافة إلى المعاهد العليا الخاضعة لإشراف المجلس الأعلى للجامعات.
ويؤكد القائم بعمل رئيس قطاع التعليم والمشرف على مكتب تنسيق القبول بالجامعات والمعاهد، أحمد الجيوشي، أن الوزارة لا تتهاون مع أي كيان يمارس نشاطاً تعليمياً دون ترخيص أو يروج لشهادات غير معتمدة.
وشدد على ضرورة أن يتأكد الطالب من الوضع القانوني للمؤسسة قبل دفع أي مبالغ مالية، وأن يرجع إلى القوائم الرسمية الصادرة عن وزارة التعليم العالي للتحقق من اسم المؤسسة واعتمادها.
كما حذر من الإعلانات التي تستخدم عبارات مثل "قبول مضمون" و"شهادة معتمدة دولياً" و"التحق الآن قبل غلق باب التقديم"، مؤكداً أهمية عدم دفع أي رسوم قبل التأكد بصورة كاملة من الوضع القانوني للجهة التعليمية.
من جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار، نشر قوائم مؤسسات التعليم العالي المعتمدة عبر وسائل الإعلام والموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، مع تحديث هذه القوائم بصورة مستمرة بالتزامن مع إنشاء مؤسسات جديدة وبدء الدراسة بها.
4 ملايين طالب.. وسوق تعليمية ضخمة
وتكشف أرقام التعليم العالي عن حجم السوق التي تتحرك فيها هذه الكيانات، إذ بلغ إجمالي عدد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي نحو 4 ملايين طالب خلال العام الدراسي 2024/2025، فيما يصل عدد الجامعات في مصر إلى 135 جامعة.
ومع هذا الحجم الكبير من الطلاب، تصبح أي ثغرة في منظومة الرقابة أو التحقق من المؤسسات التعليمية فرصة أمام شبكات تستغل حاجة الأسر إلى التعليم والرغبة في الحصول على مؤهل جامعي.
وتتزامن هذه الأزمة مع ضغوط أخرى تواجه قطاع التعليم، من بينها محدودية الموارد وارتفاع تكاليف الدراسة في بعض المؤسسات، إذ أظهر البيان التحليلي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 تراجع الإنفاق على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.54%، بإجمالي مخصصات بلغت 315.095 مليار جنيه.
وتبدو هذه النسبة بعيدة عن النسب التي ينص عليها الدستور للتعليم والبحث العلمي، بما يعكس استمرار الضغوط التي يواجهها القطاع.
تجارة الوهم.. معركة لا تنتهي بالإغلاق
ورغم حملات الإغلاق والقوائم السوداء والتحذيرات المتكررة، فإن استمرار ظهور كيانات جديدة يكشف أن المشكلة تحتاج إلى ما هو أبعد من ملاحقة المقرات وإغلاقها.
فالمواجهة الحقيقية تبدأ من تجفيف مصادر هذه التجارة، وتشديد الرقابة على الإعلانات التعليمية الممولة عبر المنصات الرقمية، وربط أي إعلان عن مؤسسة تعليمية بإثبات رسمي لاعتمادها، إلى جانب تشديد العقوبات على القائمين على الكيانات الوهمية وضمان سرعة رد أموال الطلاب المتضررين.
أما الطالب وولي الأمر، فيبقيان خط الدفاع الأول أمام هذه الشبكات، خصوصاً في موسم القبول، حين تصبح عبارة مثل "بدون شرط المجموع" مغرية لمن لم تسمح له درجاته بالالتحاق بالكلية التي يحلم بها.
وفي النهاية، لا تبيع الأكاديميات الوهمية مجرد ورقة أو شهادة غير معترف بها؛ إنها تبيع أملاً زائفاً لأسرة قد تنفق مدخراتها على مستقبل ابنها، ثم تكتشف بعد عام أو أكثر أن ما دفعته من أموال ووقت لم يشترِ سوى وهم الحصول على مؤهل جامعي.