أزمة سيولة تواجه المطورين العقارين والمشترين.. هل ينجح تشديد إجراءات التمويل في إيجاد حلول لها؟

- ‎فيتقارير

في دولة اعتمدت بصورة مبالغ فيها على الاستثمار العقاري لدرجة ان هذا القطاع استحوذ على شريحة كبيرة من التمويلات والتسهيلات الائتمانية، ما سبب ضررا كبيرا على القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية التي لم تحظَ بمثل هذه النسبة من القروض والتسهيلات، ولا يزال عالقا بالذاكرة حصول مطور عقاري بمفرده على قروض من أحد البنوك بما يعادل 27 مليار دولار.

يواجه القطاع العقاري المصري ضغوطًا متزايدة مع تراجع القوة الشرائية للمواطنين وانخفاض الطلب على الوحدات السكنية، في وقت لا تزال فيه أسعار العقارات عند مستويات مرتفعة، بينما يواجه المطورون ارتفاع تكاليف الأراضي والبناء والعمالة والتمويل.

ومع تصاعد حالات التأخر والتعثر في تنفيذ بعض المشروعات، تتحرك السلطات النقدية والرقابية لتشديد قواعد التمويل، في محاولة لمنع انتقال مخاطر السوق العقارية إلى الجهاز المصرفي، وهو ما يضع المطورين أمام معادلة أكثر تعقيدًا: مبيعات أبطأ، وتكاليف أعلى، وسيولة أكثر صعوبة، وقيود أكبر على الحصول على التمويل.

وتكشف التحركات الأخيرة عن أزمة لا تقتصر على المطورين وحدهم، وإنما تمتد إلى المشترين الذين تحملوا خلال السنوات الماضية التزامات طويلة الأجل لشراء وحدات بأسعار مرتفعة، في ظل تراجع قدرتهم على السداد وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

تشديد التمويل.. المركزي يرفع مستوى الرقابة

وفي إطار التعامل مع المخاطر المتزايدة، وجه البنك المركزي المصري البنوك العاملة في السوق إلى عدم تمويل المشروعات العقارية مباشرة دون إخطار مسبق والحصول على موافقته، مع توجيه بعض عمليات التمويل إلى شركات تابعة للبنوك أو شركات مشتركة مع جهات حكومية أو مساهمة.

وقال رئيس أحد البنوك الحكومية إن البنك المركزي أجرى تحديثًا لضوابط تمويل شركات التنمية العقارية، التي تعود في أصلها إلى عام 2008 وجرى تعديلها في 2021، بهدف مراجعة الموقف المالي للقروض الممنوحة لشركات التطوير العقاري قبل ضخ تمويلات جديدة.

وتستهدف التعليمات، بحسب المسئول المصرفي، الفصل بصورة أوضح بين تمويل إنشاء المشروع وتمويل شراء الوحدات، بحيث يصبح لكل مسار ائتماني مستقل، بما يقلل من احتمالات انتقال المخاطر بين تمويل المطور وتمويل العميل.

ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه التدفقات النقدية الناتجة عن مبيعات الوحدات عنصرًا أساسيًا في قدرة الشركات على استكمال تنفيذ مشروعاتها، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التنفيذ وطول آجال التقسيط.

 

الطلب يتراجع.. والمطورون يتمسكون بالأسعار

ويقول مطورون عقاريون إن الطلب على العقارات تراجع بنحو 50% خلال العام الحالي مقارنة بمستويات الذروة المسجلة خلال عامي 2023 و2024، في مؤشر على اتساع الفجوة بين أسعار الوحدات وقدرة قطاعات من المشترين على تحمل تكلفتها.

ويرتبط جانب من هذه الأزمة بطريقة تسعير العقارات، إذ تعتمد بعض الشركات في حساباتها على توقعات لسعر صرف الدولار تتراوح بين 70 و100 جنيه، باعتبار أن تكاليف الأرض ومواد البناء والتشغيل ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتغيرات سعر الصرف.

ومع تراجع القوة الشرائية، لجأ عدد من المطورين إلى تمديد آجال السداد وخفض نسب المقدمات وتقديم عروض أكثر مرونة، بهدف الحفاظ على حركة المبيعات وتوفير التدفقات النقدية اللازمة لاستمرار الإنشاءات.

لكن هذه السياسة تحمل في المقابل مخاطر إضافية، إذ تعني زيادة الفترة التي تنتظر خلالها الشركات تحصيل قيمة الوحدات، بينما تستمر التزاماتها المتعلقة بالأرض والإنشاء والعمالة والتمويل.

 

«آي سكور» يدخل على خط الأزمة

ولا يقتصر التشديد الرقابي على تمويل المطورين، وإنما يمتد كذلك إلى قدرة العملاء على تحمل الالتزامات الائتمانية. فقد وضعت الهيئة العامة للرقابة المالية ضوابط تلزم جهات التمويل الاستهلاكي وتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بإبلاغ الشركة المصرية للاستعلام الائتماني «آي سكور» بصورة لحظية بتطورات عمليات التمويل، بداية من الموافقة على التمويل، مرورًا بمرحلة صرفه، وحتى السداد.

ويهدف هذا النظام إلى تكوين صورة أكثر اكتمالًا عن حجم الالتزامات التي يتحملها العميل لدى الجهات المختلفة، بما يقلل مخاطر حصول الشخص نفسه على تمويلات متعددة دون أن تكون الجهات الممولة الأخرى على علم بها في الوقت المناسب.

ويرى خبير التمويل والاستثمار الدكتور وائل النحاس أن هذه الإجراءات ستدفع السوق إلى الاعتماد بصورة أكبر على البيانات والملاءة المالية والقدرة الفعلية على التنفيذ، بدلًا من الاعتماد على قيمة الوحدة العقارية كضمان كافٍ للحصول على التمويل.

ويحذر النحاس من أن بعض التقييمات العقارية خلال السنوات الماضية ربما تجاوزت القيمة الفعلية لبعض الوحدات، بما يجعل الاعتماد على الضمان العقاري وحده غير كافٍ لاتخاذ القرار الائتماني.

ويؤكد أن الجهة الممولة تحتاج إلى معرفة إجمالي التزامات العميل، ومصادر دخله، وقدرته على خدمة الدين، وتاريخ السداد، والتمويلات التي حصل عليها من جهات أخرى، مشيرًا إلى أن امتلاك وحدة عقارية كضمان لا يلغي مخاطر عدم قدرة المقترض على السداد.

كما يربط بين التمويل العقاري والاستهلاكي من زاوية مخاطر العميل، محذرًا من إمكانية انتقال المخاطر من قطاع تمويلي إلى آخر إذا توسع الإقراض دون تقييم دقيق للقدرة الحقيقية على السداد.

 

450 مطورًا تحت الاختبار

وتأتي هذه الإجراءات بينما تكشف عملية حصر حكومية للمشروعات العقارية عن وجود نحو 450 مطورًا لديهم مشروعات متأخرة في التسليم، من بين نحو 15 ألف مشروع أو مرحلة يجري فحصها.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن جميع الحالات تمثل تعثرًا ماليًا بالمعنى نفسه؛ إذ تختلف أسباب التأخير بين مشروع وآخر، وبين شركة وأخرى.

ولهذا تدفع غرفة صناعة التطوير العقاري باتجاه التمييز بين المشروعات المتأخرة، والمشروعات المتعثرة، والمشروعات المتوقفة، بدلًا من وضع جميع الحالات في خانة واحدة.

وترى الغرفة أن ارتفاع تكاليف التنفيذ والتمويل، إلى جانب تغيرات سعر الصرف، أثرت في قدرة بعض الشركات على الالتزام بالجداول الزمنية التي وضعت في ظروف اقتصادية مختلفة.

 

هل نحن أمام «فقاعة عقارية»؟

وتختلف التقييمات بشأن طبيعة الأزمة الحالية، فبينما يحذر خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس من مخاطر انفجار ما وصفه بـ«الفقاعة العقارية» نتيجة ارتفاع الأسعار وتراكم الالتزامات التمويلية، يرى المستشار أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري، أن السوق لا تشهد فقاعة بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تواجه أزمة مرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف التنفيذ والتمويل وسرعة دوران رأس المال.

وقال سعد الدين في تصريحات متلفزة إن جانبًا من ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الماضية يعود إلى زيادة أسعار الأراضي ومواد البناء والعمالة والتمويل، بينما دفعت الضغوط على القدرة الشرائية الشركات إلى الاعتماد بدرجة أكبر على نظم التقسيط طويلة الأجل.

وبين القراءتين، تبدو المشكلة الأساسية مرتبطة بقدرة السوق على الحفاظ على مستويات الأسعار الحالية في ظل انخفاض الطلب، وقدرة المطورين والعملاء في الوقت نفسه على الوفاء بالالتزامات التي تراكمت خلال فترة الطفرة العقارية.

 

 البحث عن  أسباب التعثر

ومع تصاعد المخاوف بشأن مستقبل عدد من المشروعات، وجه رئيس مجلس الوزراء المسئولين بحصر المشكلات التي تواجه المشروعات العقارية، وتحديد أسباب التعثر والمسئولية عنها، مع التمييز بين الحالات التي تعود إلى تقاعس المطور وتلك التي ترتبط بأسباب خارجة عن إرادته.

ويعكس هذا التوجه محاولة للتعامل مع الأزمة بصورة انتقائية، بحيث لا يؤدي تعثر بعض الشركات إلى وضع القطاع بأكمله في دائرة المخاطر، ولا تتم معاقبة الشركات التي واجهت ظروفًا استثنائية خارجة عن سيطرتها بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع الشركات غير الملتزمة.

لكن نجاح هذه المعالجة يتوقف على دقة عملية الحصر وقدرتها على تحديد الأسباب الحقيقية وراء تأخر المشروعات، وليس الاكتفاء بقياس عدد المشروعات المتأخرة.

 

اتحاد للمطورين.. تنظيم أم تصفية للسوق؟

وبالتوازي مع الإجراءات المالية والرقابية، تتحرك وزارة الإسكان لإعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، تمهيدًا لعرضه على البرلمان، بهدف وضع إطار أكثر تنظيمًا للنشاط وتصنيف الشركات وفق حجم الأعمال والملاءة المالية والقدرة على التشغيل.

وقالت وزيرة الإسكان راندا المنشاوي إن الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات في المواعيد والالتزامات المتفق عليها لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد.

ويفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة في السوق العقارية، قد يصبح فيها حجم الشركة وملاءتها المالية وسجلها في التنفيذ عناصر أكثر أهمية في تحديد قدرتها على الاستمرار والعمل.

 

أزمة السيولة تضغط على طرفي السوق

وتكشف التطورات المتزامنة عن حلقة مترابطة من الضغوط. فالمشتري يواجه تراجعًا في قدرته الشرائية وارتفاعًا في أسعار الوحدات، بينما يحتاج المطور إلى استمرار المبيعات لتوفير السيولة اللازمة للإنشاء، في الوقت الذي أصبحت فيه البنوك أكثر حذرًا في تمويل المشروعات العقارية.

وفي المقابل، فإن أي تعثر واسع للمطورين قد ينعكس على المشترين الذين دفعوا مقدمات وأقساطًا لسنوات، وعلى المقاولين وشركات مواد البناء والعمالة المرتبطة بالمشروعات، وصولًا إلى المؤسسات المالية التي تمول أطراف القطاع.

ولهذا تبدو إجراءات البنك المركزي والرقابة المالية محاولة لعزل المخاطر ومنع انتقالها من طرف إلى آخر، بينما تواجه الحكومة تحديًا آخر يتمثل في الحفاظ على استمرار المشروعات دون ضخ سيولة غير محسوبة قد تزيد من حجم المخاطر.

وفي المحصلة، لم تعد الأزمة العقارية المصرية مجرد مسألة ارتفاع أو انخفاض في أسعار الوحدات، وإنما أصبحت اختبارًا لقدرة السوق على تحقيق التوازن بين الأسعار والطلب والتمويل والسيولة.

فإذا استمرت الأسعار عند مستويات لا تتناسب مع القوة الشرائية، وتزامن ذلك مع تشدد التمويل وارتفاع تكلفة التنفيذ وطول آجال التقسيط، فقد تتزايد الضغوط على المطورين والمشترين معًا.

أما نجاح إجراءات التنظيم والرقابة، فيتوقف على قدرة حكومة الانقلاب والقطاع المصرفي والمطورين على معالجة جذور الأزمة، لا مجرد تأجيل آثارها، وعلى الوصول إلى سوق تكون فيها أسعار الوحدات مرتبطة بصورة أكبر بالقدرة الحقيقية على الشراء والعائد الاقتصادي، وليس فقط بتوقعات ارتفاع الأسعار وسعر الصرف.