عاد منير فخري عبد النور، وزير السياحة والتجارة والصناعة الأسبق والقيادي السابق بجبهة الإنقاذ، إلى الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين والأحداث التي سبقت وصولها إلى الحكم ثم خروجها منه، في تصريحات متتالية خلال 30 سبتمبر و1 أكتوبر 2026.
وفي أحدث تصريحاته، نفى عبد النور ما وصفه بأنه اعتقاد أو حديث عن مساندة الجيش لوصول الإخوان إلى الحكم، وقال إنه كان مقتنعًا بأن الجيش قرر الابتعاد عن العمل السياسي بعد 25 يناير، لكنه عاد إلى المشهد عندما شعر بأن مصر أصبحت على حافة حرب أهلية.
وقال عبد النور: "إن لقاءه بالفريق محمد العصار، عضو المجلس العسكري السابق، بعد سيطرة الإخوان على البرلمان، أقنعه بأن الجيش كان يريد الابتعاد عن السياسة، مشيرًا إلى أن العصار أبلغه بأن الجيش لن يتدخل، وأن الناخبين يمكنهم تغيير اختيارهم لاحقًا".
وأضاف أن مظاهرات جبهة الإنقاذ لم تحقق هدف إنهاء حكم الإخوان، وأن انضمام الجيش أصبح، بحسب تعبيره، "أملنا الوحيد"، لعدم الثقة في قدرة القوى المدنية على إزاحة الجماعة.
كما قال: "إن الجبهة اعتبرت تصريحات قيادات عسكرية بشأن حماية المظاهرات والاستجابة لنداء الشعب إشارات تشجيعية، وإنه كان يعتقد أن تدخل الجيش سيكون مؤقتًا لمساندة الحركة المدنية وإقامة دولة مدنية حديثة".
"ثقافة الشعب المصري إخوان"
وتزامنت هذه التصريحات مع إعادة تداول تصريحات أخرى لعبد النور، من بينها قوله إن "ثقافة الشعب المصري إخوان"، وإن الثقافة السائدة في الشارع المصري قريبة من فكر الإخوان، مع حديثه عن ضرورة الحذر من عودة الجماعة، كما نُقل عنه قوله، ردًا على سؤال حول إمكانية عودة الإخوان: "مفيش حاجة اسمها مستحيل في السياسة".
"الدبة التي قتلت أهلها"
الصحفي والكاتب قطب العربي علق على تصريحات عبد النور، معتبرًا أن الرجل قدم، من وجهة نظره، اعترافًا جديدًا بطبيعة ما جرى في يوليو 2013.
وكتب العربي: "الدبة التي قتلت أهلها، منير فخري عبد النور الوزير السابق والقيادي الكبير في حزب الوفد الليبرالي وسليل العائلة الوفدية الممتدة يعترف مجددا وبكل صراحة بأن ما حدث في يوليو 2013 هو انقلاب عسكري لأن القوى المدنية التي ينتمي لها لم تكن لديها القدرة على مواجهة الإخوان، فلجأت للجيش".
هل الديمقراطية "قائمة طعام"؟
وأثارت تصريحات عبد النور ردود فعل أخرى، كان من بينها تعليق الدكتور مراد علي، الذي طرح أسئلة حول الديمقراطية والحرية الفكرية وموقف عبد النور من الإخوان.
وتساءل علي عن خوف عبد النور من عودة الإخوان، وعن قوله إن "الاسم الحركي لكل من يحمل الفكر الإسلامي" يمثل "الثقافة السائدة" في المجتمع المصري.
وطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الديمقراطية، في فهم عبد النور، "قائمة طعام" يجري اختيار ما يروق للنخب منها، أم أنها احترام خيارات الناس حتى عندما تخالف أهواء النخب.
كما تساءل عن كيفية الدعوة إلى "الحرية الفكرية" وفي الوقت نفسه المطالبة بإقصاء التيار الذي يقول إنه يمثل غالبية الشارع المصري لأنه يتبنى قناعات لا تنسجم مع مواقف النخبة.
وختم علي طرحه بالقول إن الوطن، من وجهة نظره، لا يُبنى بإقصاء ثقافة الأغلبية، وإنما بالاعتراف بها والانطلاق من واقعها.
"لم نثق في قدرة القوى المدنية على إزاحة الإخوان"
وتعود شهادة عبد النور عن الإخوان إلى الفترة التي سبقت 30 يونيو 2013.
وفي 27 يونيو 2013، نُقلت عنه تصريحات قال فيها: "إن 30 يونيو لن يمر بالساهل، وإن أحدًا لن يتراجع حتى يتم إسقاط نظام الإخوان".
وفي شهادته التي أعاد طرحها لاحقًا، قال عبد النور: "إن جبهة الإنقاذ لم تكن تثق في قدرة القوى المدنية على إزاحة الإخوان".
وأضاف أن المظاهرات التي نظمتها الجبهة لم تحقق هدف إنهاء حكم الجماعة، وأن الأمل أصبح في انضمام الجيش إلى المشهد.
وفي 10 مايو 2013، نُقلت عنه تصريحات حذر فيها من أن إقصاء الإخوان للقوى السياسية واستمرار الصراع قد يؤدي في النهاية إلى تدخل حاسم من الجيش.
"كبائن المنتزه".. واقعة في خلفية المشهد
ومن الوقائع التي وردت في المادة المتعلقة بعبد النور قضية "كبائن المنتزه"، التي ظهرت في سياق التحقيقات التي طالت عددًا من المسؤولين والشخصيات خلال عام 2013.
وارتبط اسم عبد النور بهذه القضية في وقت كان فيه الصراع السياسي بين الإخوان ومعارضيهم يتصاعد.
وبحسب المادة المتاحة، تظل الواقعة جزءًا من السياق السياسي الذي كان يتحرك فيه عبد النور في تلك الفترة، من دون أن تتضمن المادة المعروضة حكمًا بإدانته فيها.
من حكومة شفيق إلى حكومة الببلاوي
قبل أن يصبح عبد النور وزيرًا في حكومة حازم الببلاوي بعد 3 يوليو 2013، كان قد دخل حكومة الفريق أحمد شفيق في 2011 وزيرًا للسياحة.
وتؤكد مصادر صحفية أن عبد النور، الذي كان سكرتيرًا عامًا لحزب الوفد، تولى حقيبة السياحة في حكومة شفيق، ثم استمر في حكومة عصام شرف. كما قال عبد النور لاحقًا: "إنه حصل على موافقة حزب الوفد على تولي حقيبة السياحة في حكومة شفيق".
وتكتسب هذه المحطة أهمية في قراءة مساره السياسي، خصوصًا أن الرجل لم يكن مجرد شخصية ظهرت بعد 30 يونيو، وإنما كان موجودًا في السلطة التنفيذية منذ المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام مبارك.
ومن موقعه لاحقًا داخل حكومة الببلاوي، تحدث عبد النور عن الاتصالات والمفاوضات التي سبقت فض اعتصامي رابعة والنهضة.
"البرادعي" واتفاق ما قبل الفض
بحسب رواية عبد النور، ففي 6 أغسطس 2013، وأثناء توجهه إلى اجتماع مجلس الوزراء، طلب منه وزير الخارجية آنذاك نبيل فهمي الاتصال بمحمد البرادعي، بعدما أُبلغ بأن البرادعي كان يفكر في الاستقالة.
وقال عبد النور: "إنه لم يتحدث مع البرادعي في ذلك اليوم، بعدما أبلغه زياد بهاء الدين بأنه كان قد تواصل معه وأن الأمور هدأت".
وأضاف أنه تحدث إلى البرادعي بعد يومين، في 8 أغسطس 2013، خلال اتصال للمعايدة بمناسبة عيد الفطر، وأن الحديث كان طويلًا.
وبحسب روايته، أبلغه البرادعي بأنه غير راضٍ عن طريقة إدارة الأزمة، وأنه توصل إلى صيغة قال إنها مقبولة من الأطراف الأخرى لحل المشكلة.
وقال عبد النور "إن البرادعي أخبره بأنه التزم بهذه الصيغة مع الوسطاء الخليجيين ومع المسؤولين عن الأجهزة الأمنية".
الإفراج عن "الكتاتني" و"أبو العلا ماضي"
ووفق رواية عبد النور، كشف البرادعي له مضمون الصيغة التي قال "إنه تم التوصل إليها، والتي تضمنت الإفراج عن سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب السابق، وأبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط، مقابل تخفيض أعداد المعتصمين في رابعة والنهضة".
وقال عبد النور "إنه اعترض على المقترح، وطرح على البرادعي أسئلة حول معنى "تخفيض أعداد المعتصمين"، وكيف يمكن قياس هذا التخفيض، وما الجدوى منه في ظل أن الهدف الأساسي كان إنهاء الاعتصامين بالكامل".
وبحسب روايته، أبلغ البرادعي بأن الصيغة "غير متوازنة ولا يمكن تنفيذها".
"قال إنهم لم ينفذوا الاتفاق"
ومن أكثر النقاط التي أثارتها رواية عبد النور قوله إن البرادعي أبلغه بأن الصيغة التي تم التوصل إليها لم تنفذ من جانب المسؤولين المعنيين.
وقال عبد النور "إن البرادعي كان يقصد، بحسب فهمه، وزير الداخلية ورؤساء وقيادات أجهزة سيادية وأمنية، وإن البرادعي اعتبر عدم تنفيذ ما تم التوصل إليه أمرًا غير مقبول".
كما تحدث عبد النور عن خلاف داخل دوائر السلطة الانتقالية بشأن الطريقة التي يمكن من خلالها إنهاء الاعتصامين.
قرار الفض "اتُخذ قبل ذلك"
في رواية أخرى، قال عبد النور "إن مجلس الوزراء كان قد اتخذ قرارًا بشأن فض الاعتصامين بالإجماع في نهاية يوليو 2013، مع تفويض وزير الداخلية والأجهزة الأمنية بتحديد الموعد المناسب للتنفيذ".
وأضاف أن الحكومة كانت تدرك صعوبة تنفيذ القرار خلال شهر رمضان، ولذلك كان من المفهوم، بحسب روايته، أن يتم التنفيذ بعد انتهاء الشهر.
وقال "إنه علم لاحقًا بانعقاد اجتماع لمجلس الدفاع الوطني في 13 أغسطس 2013، اتُخذ خلاله قرار فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة".
"مأساة إنسانية".. عبد النور عن رابعة
في 14 أغسطس 2026، أعادت منصة "المنصة" نشر مقتطفات من حوار سابق مع عبد النور تحدث فيه عن فض اعتصامي رابعة والنهضة.
وقال عبد النور "إن ما حدث كان مأساة إنسانية"، مضيفًا: "هذا حدث مؤلم جدًا. مفيش شك إنه فيه ناس اتقتلت وما كانش مفروض تتقتل".
كما أعاد الحديث عن المقترح الذي قال "إن محمد البرادعي قدمه بالإفراج عن بعض قيادات الإخوان مقابل تفريغ بعض الأعداد من ميدان رابعة".
واستعاد عبد النور الساعات الأولى من يوم الفض، وقال إن حازم الببلاوي، رئيس الوزراء وقتها، اتصل به صباح يوم الفض وطلب منه الحضور إلى مجلس الوزراء.
وبحسب روايته، وصل عبد النور إلى المجلس في نحو الساعة التاسعة والنصف صباحًا، وقال إن الببلاوي كان متفائلًا بعد فض اعتصام النهضة دون مشكلات كبيرة، وكان يتوقع أن تسير عملية رابعة بالطريقة نفسها، قبل أن تتطور الأحداث بصورة مختلفة.
1984.. تحالف "الوفد" و"الإخوان"
لكن علاقة عبد النور بالإخوان تعود، وفق ما ورد في شهاداته الأخيرة، إلى ما قبل 25 يناير بسنوات طويلة.
ففي انتخابات 1984، شارك حزب الوفد في تحالف مع الإخوان المسلمين.
وفي أحدث تصريحاته، وصف عبد النور هذا التحالف بأنه "خطأ قاتل"، وقال "إنه منح الجماعة شرعية للحضور السياسي، رغم محدودية عدد ممثليها داخل الكتلة البرلمانية للتحالف" كما ربط التحالف بظروف انتخابية وسياسية خاصة بعودة الوفد إلى المنافسة.
وقد أشار مشاركون في النقاش إلى أن عبد النور نفسه استفاد سياسيًا من ذلك التحالف.
وفي 30 يناير، كتب محمد محمود أن عبد النور نجح في انتخابات 1984 بفضل تحالف الوفد مع الإخوان، مستندًا إلى طبيعة النظام الانتخابي في ذلك الوقت.
وفي 9 يوليو 2024، كتب سليم عزوز عن علاقة عبد النور التاريخية بالإخوان، مستعيدًا واقعة الانتخابات التي خاضها عبد النور في مواجهة مرشح الحزب الوطني.
وقال عزوز: "إن الإخوان وقفوا إلى جانب عبد النور في تلك الانتخابات، وإنهم أصدروا منشورات ولافتات دعمت ترشحه".
كما تحدث عن واقعة منشور انتخابي استُخدم ضد عبد النور على خلفية كونه مسيحيًا، وقال إن الإخوان ردوا على المنشور ودعموا عبد النور.
وفي المنشور نفسه، انتقل عزوز من سرد الوقائع التي يقول إنه يتذكرها إلى انتقاد ظهور عبد النور المتكرر في البرامج التي تتناول الإخوان.
وأشار إلى ظهوره في برامج ومنصات عدة، متسائلًا عن سبب استمرار فتح ملف الجماعة إذا كان الخطاب المقابل يقول إن الإخوان انتهوا.
كما انتقد اعتماد بعض روايات عبد النور، بحسب رأيه، على شهادات أو معلومات لا يمكنه توثيق مصدرها.
وتناول عزوز كذلك مسار عبد النور السياسي بعد خروجه من حزب الوفد، وقدم روايته الخاصة عن اقترابه من لجنة السياسات ثم توليه منصب وزير السياحة بعد الثورة.
وهذه النقاط الأخيرة تظل، وفق المادة، رواية سليم عزوز وتقييمه الشخصي لمسار عبد النور، وليست حقائق يقررها التقرير من تلقاء نفسه.
تكشف تصريحات عبد النور المرفقة عن انتقال واضح في موقفه السياسي من الإخوان: من تحالف انتخابي بين الوفد والجماعة في 1984، يصفه اليوم بأنه "خطأ قاتل"، إلى موقف معارض لحكم الإخوان بعد 2011، ثم إلى القول إن القوى المدنية لم تكن قادرة على إزاحتهم وإن تدخل الجيش أصبح "أملنا الوحيد".