سيناريوهات مقلقة بعد تزامن أحداث أمنية في الإقليم.. “فلاي دبي” حادث في سياق إقليمي غير عفوي

- ‎فيتقارير

أعادت حادثة طائرة «فلاي دبي» فتح باب واسع من الجدل حول ملابسات ما جرى داخل الطائرة، في وقت تصاعدت فيه التساؤلات بشأن الطريقة التي جرى بها تقديم الحادثة إعلامياً وسياسياً، ولا سيما بعد دخول رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو على خط الرواية واستقباله عدداً من الناجين وتسليطه الضوء على ما وصفه بـ"العمل البطولي" الذي حال دون وقوع كارثة، ماسحا أثر التعليق على زيارته السرية لأبوظبي  ولقائه ممثلي 10 دول عربية.

وفي قراءة للحادثة، رأى سام كيلي، محرر الشئون العالمية في صحيفة «الإندبندنت»، أن محاولة اختطاف الطائرة، أياً كانت حقيقتها النهائية، تخدم سياسياً شخصاً واحداً هو نتنياهو. وكتب كيلي أن الحادثة، سواء كانت مرتبطة بدافع انتقامي على خلفية الحرب في غزة أو كانت نتيجة اضطراب نفسي، تعزز الرواية التي يسعى نتنياهو إلى ترسيخها بشأن تعرض الاحتلال للخطر والظلم، بما ينسجم مع خطابه السياسي الداخلي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قراءة قدمها الأكاديمي السوري أحمد رمضان @AhmedRamadan_SY، الذي دعا إلى «فتح الأعين» أمام ما وصفه بتزامن مجموعة من التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة. وربط رمضان بين حادثة «فلاي دبي» وما اعتبره استثماراً احتلالياً لها، وبين تطورات أخرى في العراق وسوريا وإيران ولبنان واليمن، محذراً من أن الإقليم يتحرك باتجاه سيناريوهات أمنية أكثر اضطراباً.

وفي تصريحات لمسئول أمريكي للجزيرة أشار إلى أن حاملة الطائرات روزفلت غادرت مع مجموعتها الضاربة قاعدة سان دييجو متجهة إلى الشرق الأوسط.

مجموعة الإنزال البحري مايكون إيلاند غادرت سان دييغو إلى الشرق الأوسط الاثنين الماضي.

أكثر من 2000 جندي من وحدة المارينز يتوجهون لشرق الأوسط على متن مجموعة الإنزال.

بحلول نهاية نوفمبر المقبل ستنتشر في محيط إيران 3 حاملات طائرات ومجموعتي إنزال.

مع حشد كل هذه القوة في الشرق الاوسط سيكون لدى القادة خيارات كثيرة للتعامل مع إيران.

ويبدو أنه لذلك يرى "رمضان" أن المشهد الإقليمي لا يمكن قراءته من خلال حادثة منفردة، مشيراً إلى الانسحاب الأميركي الجزئي من العراق، والتطورات الأمنية في جنوب سوريا، وحوادث أخرى قرب دمشق وحمص، إلى جانب التهديدات الإيرانية والتوتر المتصاعد بين روسيا والغرب. ويخلص إلى أن المنطقة تقف أمام احتمالات مفتوحة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قدرة أي طرف على احتواء مسار التصعيد.

 

الرواية الصهيونية تحت المجهر

في المقابل، ركز عدد من المعلقين العرب على الرواية المتداولة بشأن ما حدث داخل قمرة القيادة، وعلى التفاصيل التي قيل إنها صاحبت عملية السيطرة على الطائرة وهبوطها.

وذهبت ريم العلوي @ReemAlalwi16517 إلى التشكيك في الرواية المتداولة بشأن أحد الأشخاص الذين قيل إنهم ساهموا في إنقاذ الطائرة، مشيرة بسخرية إلى أن الرجل الذي قيل إنه يعمل سباكاً تحدث عن تمكنه من التعامل مع الموقف بعد مشاهدته برنامجاً تلفزيونياً عن حوادث الطيران.

أما البروفيسور مأمون فندي @mamoun1234، فتناول الرواية من زاوية مختلفة، مشيراً إلى أن السباك الصهيوني يانيف حايون قال إنه ساعد في إنقاذ الطائرة مستفيداً من برنامج تلفزيوني عن كوارث الطيران. ولفت فندي إلى أن نتنياهو نقل الرواية، ثم نقلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إشارة إلى أنه لا يعرف مدى صحتها.

كما أشار فندي إلى أن الطاقم هو الذي تولى في النهاية عملية الهبوط، معتبراً أن هذا التفصيل لم يحظَ بالاهتمام الإعلامي نفسه الذي حظيت به قصة «السباك المنقذ».

 

من حادثة طيران إلى قضية سياسية

بدوره، ذهب المحلل السياسي ياسر الزعاترة @YZaatreh إلى أن طريقة التعامل الصهيوني مع الحادثة حملت، في رأيه، طابعاً سياسياً واضحاً. وكتب أن نتنياهو سارع إلى استثمار قصة الطائرة داخلياً وخارجياً قبل اكتمال الصورة النهائية للتحقيق، مستشهداً بتصريحات نقلت عنه إلى شبكة CNN شبّه فيها ما جرى بمحاولة منع كارثة على غرار هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

ويطرح الزعاترة تساؤلات حول جدوى هذه المقارنة، خصوصاً أن طبيعة ما جرى داخل الطائرة، وفق ما كان متاحاً من روايات في حينه، لم تكن قد حُسمت بصورة نهائية. كما انتقد تصوير الواقعة باعتبارها «عملاً بطولياً» واسع النطاق، في ظل روايات تحدثت عن تدخل أكثر من شخص داخل الطائرة.

وفي منشور آخر، تناول الزعاترة ما وصفه بمحاولة توظيف التحقيقات في اتجاه اتهامات أوسع ضد سلطنة عُمان، مستشهداً بما نشرته صحيفة «الاحتلال اليوم» عن فرضية أن مساعد الطيار كان ينوي إسقاط الطائرة، وبما أوردته الصحيفة بشأن مزاعم عن خلفيات دينية وفكرية للطيار.

 

سلطنة عُمان في دائرة الاتهامات

توسعت هذه الرواية، بحسب الزعاترة، إلى استحضار مواقف مفتي سلطنة عُمان أحمد الخليلي تجاه الاحتلال وحركة حماس، معتبراً أن إدخال هذه المواقف في سياق حادثة الطائرة يمثل محاولة لربط الحادثة بموقف سياسي أوسع تجاه سلطنة عُمان.

ويذهب الزعاترة إلى أن الأمر يتجاوز، في تقديره، التحقيق في حادثة الطائرة إلى الضغط السياسي والإعلامي على عُمان، خصوصاً في ظل موقف مسقط من الاحتلال وعدم انضمامها إلى «اتفاقات أبراهام». وهذه قراءة سياسية للواقعة وليست نتيجة تحقيق جنائي مثبتة، وهو ما يجعل الفصل بين المعلومات المؤكدة والاتهامات المتبادلة ضرورياً في تغطية القضية.

 

نتنياهو والاستثمار الداخلي للحادثة

من جانبه، ركز الصحفي القطري جابر الحرمي @jaberalharmi على البعد السياسي الداخلي للحادثة، معتبراً أن نتنياهو يسعى، وفق قراءته، إلى تحسين صورته أمام جمهوره الصهيوني بعد ما وصفه بالعزلة التي واجهها في الأمم المتحدة، وأن استقباله للناجين وتوظيف الصور والتصريحات المتعلقة بالطائرة يدخلان في إطار محاولة تعزيز موقعه السياسي.

ويرى الحرمي أن الحادثة جرى استخدامها أيضاً في سياق أوسع يتعلق بالعلاقات العربية الصهيونية، مشيراً إلى زيارة نتنياهو إلى أبوظبي، وإلى الجدل حول قطر، إضافة إلى التطورات العسكرية والسياسية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.

هذه القراءة، كسواها من المواقف الواردة في المادة، تعكس تفسير أصحابها للأحداث ودوافع الأطراف، ولا تمثل بحد ذاتها نتيجة مثبتة للتحقيقات المتعلقة بالطائرة.

 

الإمارات بين الحادثة والرواية الإعلامية

وتناول حساب «سياسي واستراتيجي» @political0s مسألة مختلفة تتعلق بالدور الإماراتي في التعامل مع الحادثة، معتبراً أن الاحتلال حاول، التأثير في السرد الإعلامي والسياسي للواقعة رغم وقوعها على خطوط إماراتية وارتباطها بسلطات وطواقم عربية.

ويرى الحساب أن الطريقة التي أُديرت بها الحادثة إعلامياً تكشف، من وجهة نظره، عن تعقيدات العلاقة الإماراتية الصهيونية، محذراً من أن استمرار هذا النمط من التفاعل قد يخلق إشكالات أمنية وسياسية مستقبلاً.

التشكيك في تفاصيل الرواية

من جهته، طرح ناصر بن راشد النعيمي @AlnuaimiNasser1 رواية أكثر تشكيكاً، متسائلاً عن تسلسل الأحداث داخل قمرة القيادة، وعن كيفية فتح باب القمرة ودخول الأشخاص إليها، كما طرح فرضيات تتعلق بإمكان وجود ترتيب مسبق للحادثة.

لكن هذه الطروحات بقيت في إطار التساؤلات والفرضيات التي طرحها صاحبها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها وقائع مثبتة من دون أدلة أو نتائج تحقيقات مستقلة تؤكدها.

كما أبدى عمرو بقلي @ABakly تحفظات على الرواية المتداولة، مشيراً إلى أن العاملين في قطاع الطيران يخضعون عادة لإجراءات أمنية وتدقيقات متخصصة، وأن ثبوت قيام أحد أفراد طاقم الطائرة بعمل إرهابي سيمثل، في حال تأكده، خرقاً أمنياً استثنائياً قد ينعكس على إجراءات السلامة في الطيران المدني.

بين الحادثة والمرحلة الإقليمية

وتتقاطع هذه القراءات عند نقطة واحدة: حادثة «فلاي دبي» لم تبقَ مجرد واقعة مرتبطة بسلامة طائرة، بل تحولت سريعاً إلى مادة سياسية وإعلامية في منطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متداخلة.

وبينما يركز بعض المعلقين على احتمال وجود خلفية أمنية للحادثة، يرى آخرون أن طريقة تقديمها واستثمارها السياسي تستحق التدقيق، خصوصاً مع تضارب بعض الروايات وتعدد القصص التي ظهرت تباعاً بشأن ما حدث داخل الطائرة.

أما قراءة أحمد رمضان، فتضع الحادثة ضمن مشهد إقليمي أوسع، يرى فيه أن سلسلة التطورات الأمنية والسياسية المتزامنة قد تكون مؤشراً إلى مرحلة جديدة من التصعيد، وسط مخاوف من انتقال المنطقة من أحداث أمنية متفرقة إلى مواجهات أوسع يصعب احتواؤها.

وفي المحصلة، تبقى المسافة بين ما حدث فعلاً داخل الطائرة وبين الروايات السياسية والإعلامية التي بُنيت عليه هي النقطة الأكثر حساسية في القضية، إلى حين صدور نتائج موثوقة ومعلنة للتحقيقات تحدد طبيعة الحادث ودوافعه ومسؤوليات الأطراف المعنية.