لم تعد قضية الدكتور محمد علي بشر، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة المنوفية ووزير التنمية المحلية الأسبق، مجرد ملف احتجاز سياسي ممتد منذ نوفمبر 2014، بل تحولت إلى قضية إنسانية تتعلق بحياة رجل تجاوز السبعين من عمره، ويواجه، وفق بيانات أسرته ومنظمات حقوقية، ظروفًا صحية بالغة الصعوبة، وسط مخاوف من تدهور حالته وغياب المعلومات الكافية عن وضعه الطبي.
فبعد أكثر من عقد خلف القضبان، لا تزال أسرة بشر تسعى إلى معرفة حقيقة حالته الصحية، والاطمئنان عليه، والحصول على فرصة لزيارته وتقديم الدعم اللازم له.
وتضاعفت مخاوفها عقب ورود أنباء عن خضوعه لعملية جراحية لاستئصال إحدى كليتيه داخل محبسه، دون أن تتمكن، بحسب بيانها، من الحصول على معلومات واضحة بشأن ظروف العملية أو تداعياتها الصحية.
وتضع هذه التطورات قضية بشر أمام تساؤلات حقوقية ملحّة بشأن حق المحتجزين في الرعاية الطبية المناسبة، وحقهم في التواصل مع أسرهم ومحاميهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكبار السن الذين يعانون أمراضًا مزمنة قد تهدد حياتهم.
سنوات من الاحتجاز وحرمان من التواصل الأسري
ألقت السلطات المصرية القبض على محمد علي بشر فجر 20 نوفمبر 2014 من منزله، ومنذ ذلك الحين ظل محتجزًا على خلفية قضايا ذات طابع سياسي، وفق المعلومات الواردة في المادة المقدمة.
وبشر، المولود عام 1951 في قرية كفر المنشي بمركز قويسنا بمحافظة المنوفية، أستاذ جامعي متخصص في الهندسة الكهربائية، وحصل على الدكتوراه من جامعة كولورادو الأمريكية. كما شغل منصب محافظ المنوفية عام 2012، ثم تولى وزارة التنمية المحلية في حكومة هشام قنديل مطلع عام 2013، وكان من قيادات حزب الحرية والعدالة.
لكن المسيرة العلمية والإدارية للرجل لم تحل دون استمرار احتجازه سنوات طويلة، في وقت تقول أسرته إن التواصل معه أصبح بالغ الصعوبة، وإن الزيارات العائلية انقطعت عنه منذ سنوات.
وفي بيان صدر في 12 يونيو 2024، أعربت الأسرة عن قلقها من استمرار حرمانها من الاطمئنان عليه، مؤكدة أن انقطاع الزيارة يحول دون معرفة حقيقة وضعه الصحي، ويزيد من معاناتها الإنسانية في ظل الأنباء المتداولة عن إصابته بأمراض خطيرة وخضوعه لجراحة داخل السجن.
ولا يقتصر أثر الحرمان من الزيارة على المحتجز وحده، بل يمتد إلى أسرته التي تعيش في حالة من القلق وعدم اليقين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأب أو زوج مسن لا تتوافر لذويه معلومات كافية عن صحته أو ظروف علاجه.
أمراض مزمنة وجراحة داخل السجن تثيران القلق
تتزايد المخاوف على حياة بشر في ضوء ما أوردته أسرته وتقارير حقوقية عن معاناته الصحية. فقد تحدثت المعلومات المنشورة عن إصابته بجلطة في المخ خلال عام 2022، إلى جانب معاناته من تليف الكبد، وفيروس التهاب الكبد الوبائي «سي»، وتضخم الطحال، ودوالي المريء.
كما وردت أنباء عن خضوعه لعملية جراحية لاستئصال إحدى كليتيه داخل مستشفى السجن، وهي التطورات التي دفعت أسرته إلى محاولة الحصول على معلومات بشأن أسباب التدخل الجراحي وحالته بعد العملية.
وقالت الأسرة إنها تواصلت مع محامين وسعت إلى الحصول على إجابات بشأن وضعه الطبي، لكنها لم تتمكن، بحسب بيانها، من الوصول إلى معلومات شافية تطمئنها على سلامته.
وتزداد خطورة هذه المخاوف في ظل ما ذكرته منظمات حقوقية بشأن تدهور حالته عقب الجراحة وإعادته إلى محبسه، وسط مطالبات بضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة ومتابعة حالته وفق احتياجاته الصحية.
وفي مثل هذه الحالات، لا تتعلق المسألة بمجرد توفير العلاج عند الضرورة، بل تشمل ضمان المتابعة الطبية المناسبة، وإتاحة المعلومات الضرورية عن الحالة الصحية، وعدم تعريض المريض لمخاطر إضافية بسبب ظروف الاحتجاز أو ضعف الرعاية.
الأسرة تستغيث وتطالب بالإفراج الصحي
لم تكتفِ أسرة بشر بالتعبير عن قلقها، بل قالت إنها تقدمت بطلبات وبلاغات إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان للمطالبة بالإفراج الصحي عنه، كما تقدمت بطلبات للسماح لها بزيارته والاطمئنان على حالته، دون أن تحقق هذه التحركات، وفق بيانها، النتائج المرجوة.
وطالبت الأسرة بالكشف عن حقيقة وضعه الطبي، وتمكينها من التواصل معه، وتوفير الرعاية اللازمة له، والإفراج عنه حتى يتمكن من تلقي العلاج وسط أسرته.
كما دعت المنظمات الحقوقية والشخصيات العامة إلى التدخل للمساعدة في معرفة حالته الصحية، وضمان وصول أسرته ومحاميه إليه، والاستجابة للمطالب المتعلقة بالعلاج والزيارة.
وتعكس هذه المطالب حاجة الأسرة إلى معلومات موثوقة، بدلًا من الاعتماد على أنباء متداولة لا تتيح لها تقييم خطورة الحالة أو معرفة ما يحتاج إليه من علاج ورعاية.
وفي السياق ذاته، طالبت منظمة «نجدة لحقوق الإنسان» بالإفراج الصحي الفوري عن بشر، محذرة من تدهور حالته بعد العملية الجراحية. كما أعرب مركز «الشهاب لحقوق الإنسان» عن قلقه بشأن وضعه الصحي، ودعا إلى مراعاة حالته الطبية الحرجة.
وتتقاطع هذه المطالب عند ضرورة وضع الاعتبارات الصحية والإنسانية في مقدمة التعامل مع حالة بشر، وعدم ترك أسرته في مواجهة الغموض بشأن سلامته، خصوصًا مع تقدمه في العمر وتعدد الأمراض المنسوبة إليه في البيانات الحقوقية.
اتهامات سياسية لا تلغي الحق في العلاج والرعاية
تعود قضية بشر إلى فترة شديدة الاستقطاب في مصر، بعدما أُسندت إليه اتهامات شملت التخابر مع دول أجنبية، والاشتراك في اتفاق جنائي بغرض قلب نظام الحكم، والانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام الدستور والقانون، وفق ما ورد في المعلومات المتعلقة بقضيته.
وبينما ترتبط القضية بخلاف سياسي ممتد، فإن حقوق المحتجزين في الرعاية الطبية والمعاملة الإنسانية تظل مسألة مستقلة عن الموقف السياسي أو طبيعة الاتهامات المنسوبة إليهم.
فوجود شخص رهن الاحتجاز لا يعفي السلطات من مسئوليتها عن سلامته، ولا ينتقص من حقه في الحصول على العلاج الملائم، كما أن خطورة وضعه الصحي تستدعي التعامل معه على أساس الاحتياجات الطبية الفعلية، لا ترك أسرته أمام معلومات ناقصة ومخاوف متزايدة.
وتكتسب هذه المسئولية أهمية خاصة عندما يكون المحتجز مسنًا ويعاني أمراضًا مزمنة، أو يكون قد خضع لتدخل جراحي يتطلب متابعة مستمرة. وفي هذه الظروف، يصبح تمكين الأسرة من الاطمئنان عليه والحصول على معلومات أساسية عن حالته جزءًا مهمًا من معالجة المخاوف الإنسانية المحيطة باحتجازه.
حياة معلقة بين المرض والعزلة
تختصر قضية محمد علي بشر جانبًا من المعاناة التي قد تواجهها أسر المحتجزين عندما تنقطع الزيارات وتتعذر معرفة التفاصيل المتعلقة بصحة ذويهم. فالأمر لا يتعلق فقط بسنوات يقضيها المحتجز بعيدًا عن أسرته، بل أيضًا بالخوف من أن يمر بتدهور صحي خطير دون أن يتمكن أقرباؤه من الاطمئنان عليه أو معرفة ما يحتاج إليه.
وبالنسبة إلى بشر، تتضاعف هذه المخاوف مع تقدمه في العمر، والتقارير التي تحدثت عن إصابته بجلطة وأمراض مزمنة، والأنباء المتعلقة باستئصال إحدى كليتيه.
وفي ظل هذه المعطيات، تتطلب الاستجابة الإنسانية والحقوقية الكشف عن حالته الصحية الراهنة، وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه، والنظر الجاد في طلب الإفراج الصحي عنه.
إن استمرار الغموض بشأن صحة محتجز مسن لا يبدد القلق، بل يفاقمه، فيما تظل حياة الإنسان وكرامته وحقه في العلاج اعتبارات لا ينبغي أن تتراجع أمام أي خلاف سياسي.
وبعد أكثر من عقد من الاحتجاز، لا تطالب أسرة محمد علي بشر سوى بمعرفة حقيقة حالته الصحية، والاطمئنان عليه، ومنحه فرصة لتلقي العلاج والرعاية بين ذويه. وهي مطالب إنسانية تستوجب استجابة واضحة، تضع سلامة الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.