في الوقت الذي تواجه فيه مصر ضغوطًا متزايدة لتوفير الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وما يرتبط بذلك من أعباء على موارد النقد الأجنبي، تتزايد التساؤلات حول جدوى السياسات الحكومية بزمن المنقلب السفيه السيسي لإدارة قطاع الطاقة، خصوصًا مع اتجاه الدولة إلى بيع بعض أصول الطاقة المتجددة لصالح مستثمرين أجانب، واستمرار تأخر دخول محطة الضبعة النووية الخدمة.
وكشفت التطورات الأخيرة في مشروع الضبعة عن فجوة زمنية بين احتياجات مصر الحالية من الكهرباء وخطط تنويع مصادر إنتاجها، بعد تمديد الموعد المستهدف لاستكمال المشروع من عام 2028 إلى 2030، وفق المعلومات المتداولة بشأن تعديل الجدول الزمني، بينما تأجل الموعد المتوقع لتشغيل المفاعل الأول من صيف 2027 إلى نهاية 2028.
ورغم تأكيد المؤسسة الروسية للطاقة الذرية «روساتوم» التزامها باستكمال المشروع بحلول عام 2030، فإن التأجيلات تطرح تساؤلات بشأن التكلفة الاقتصادية لاستمرار الاعتماد على الغاز الطبيعي، ومدى قدرة الحكومة على تخفيف فاتورة الطاقة خلال السنوات المقبلة.
الضبعة تتأخر.. و«روساتوم» تتمسك بموعد 2030
تعهدت المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية «روساتوم» باستكمال محطة الضبعة النووية وفق الجدول الزمني المستهدف، الذي ينتهي عام 2030، ويشمل تشغيل أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية تبلغ 4.8 جيجاوات.
وقال المدير العام للمؤسسة، أليكسي ليخاتشوف، إن المشروع واجه صعوبات عديدة خلال مراحل التنفيذ، شملت تداعيات جائحة كورونا والعقوبات المفروضة على روسيا، إلى جانب ما وصفه بمحاولات بعض الدول عرقلة أعمال البناء، دون أن يحدد هذه الدول أو يقدم تفاصيل بشأن طبيعة تدخلاتها.
وجاءت تصريحات المسئول الروسي خلال لقائه عبد الفتاح السيسي في موسكو، على هامش القمة الروسية الأفريقية الثالثة، حيث استعرض الجانبان الموقف التنفيذي للمحطة ومراحل الإنشاء المختلفة.
وأكد ليخاتشوف أن «روساتوم» ستواصل بذل جهودها لاستكمال المشروع، مشيرًا إلى أن فرق العمل تمكنت من تجاوز عدد من التحديات بدعم من القيادتين المصرية والروسية.
لكن التعهد الروسي باستكمال المحطة بحلول 2030 يأتي بعد تعديل التوقعات السابقة لمواعيد التشغيل، بما يعني استمرار انتظار مصر عدة سنوات قبل الاستفادة الكاملة من القدرة الكهربائية للمفاعلات الأربعة.
من 2027 إلى 2028.. كيف تغيرت مواعيد التشغيل؟
كانت التوقعات السابقة تشير إلى بدء تشغيل المفاعل الأول في صيف عام 2027، قبل تعديل الموعد المتوقع إلى نهاية 2028، فيما امتد الأفق الزمني المستهدف لاستكمال المشروع من عام 2028 إلى 2030.
وبحسب معلومات جرى تداولها في أغسطس الماضي، ارتبط التأخير بعقوبات وقيود أثرت على التعامل مع شركات وجهات روسية، فضلًا عن ضغوط أمريكية قيل إنها طالت بعض الشركات المشاركة في المشروع.
وأشارت تلك المعلومات إلى تعطل توريد معدات تكنولوجية مرتبطة بأنظمة التحكم والسيطرة، قبل إسناد جانب من الأعمال إلى شركات كورية بعد الحصول على موافقات أمريكية.
كما تضمنت التوقعات احتمال تعرض المشروع لتأخير إضافي قد يصل إلى عام، وهو احتمال لم تؤكده «روساتوم» في تصريحاتها الأخيرة، إذ تتمسك المؤسسة بالجدول المستهدف لعام 2030.
وتعكس هذه التطورات حساسية المشروعات النووية الكبرى للتوترات الجيوسياسية والعقوبات الدولية، خاصة عندما تعتمد على سلاسل توريد تكنولوجية معقدة وموردين من دول متعددة.
الاعتماد على الغاز.. فاتورة مستمرة من النقد الأجنبي
تتجاوز أهمية تأخر محطة الضبعة حدود الجدول الزمني للمشروع، لتصل إلى قضية أكثر ارتباطًا بالأزمة الاقتصادية المصرية، وهي استمرار الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء.
فكلما تأخر دخول مصادر جديدة ومستقرة لتوليد الكهرباء إلى الخدمة، استمر الضغط على مصادر الطاقة القائمة، وفي مقدمتها محطات التوليد المعتمدة على الغاز.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها مصر لتوفير احتياجاتها من الطاقة، وما قد يترتب على استيراد الغاز أو الوقود اللازم لمحطات الكهرباء من استنزاف موارد النقد الأجنبي.
وتتزامن تلك الضغوط مع احتياجات أخرى للدولار، تشمل تمويل الواردات الأساسية وسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية، ما يجعل تكلفة الطاقة جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بإدارة الموارد المالية والاقتصادية.
ورغم أن الطاقة النووية لن تُنهي بمفردها اعتماد مصر على الغاز، فإن دخول محطة الضبعة الخدمة كان من المفترض أن يُضيف مصدرًا كبيرًا لتوليد الكهرباء، بما يساعد على تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد النسبي على الوقود الأحفوري.
ومع تأخر التشغيل، تتأجل هذه المنافع المحتملة، بينما تظل الدولة مطالبة بتوفير الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحالية.
بيع أصول الرياح.. تساؤلات حول أولويات الحكومة
بالتوازي مع أزمة الغاز وتأخر محطة الضبعة، تثير سياسة بيع بعض أصول الطاقة المتجددة تساؤلات بشأن أولويات الحكومة المصرية في إدارة قطاع الكهرباء.
ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء، تتجه أيضًا إلى جذب استثمارات أجنبية عبر بيع حصص أو أصول قائمة في القطاع، بما يشمل مشروعات مرتبطة بطاقة الرياح.
وتطرح هذه السياسة سؤالًا بشأن الموازنة بين الحاجة إلى تدفقات مالية واستثمارات أجنبية من جهة، والحفاظ على العوائد المستقبلية للأصول المنتجة للكهرباء من جهة أخرى.
وتزداد أهمية هذا التساؤل عندما يتعلق الأمر بمشروعات تعتمد على الرياح، ولا تحتاج إلى استهلاك الغاز الطبيعي خلال عملية توليد الكهرباء، بما يجعلها إحدى الأدوات الممكنة لتخفيف الضغط على الوقود المستورد.
غير أن تقييم جدوى بيع هذه الأصول يتطلب معرفة تفاصيل كل صفقة، بما يشمل قيمة البيع، وحجم الحصص المنقولة، والتزامات المستثمرين، وطبيعة العقود المستقبلية لشراء الكهرباء، وهي بيانات ضرورية للحكم على المكاسب والخسائر الاقتصادية الفعلية.
وفي غياب هذه التفاصيل، يظل السؤال قائمًا: هل تحقق سياسة بيع أصول الطاقة عائدًا اقتصاديًا طويل الأجل، أم تمنح الحكومة سيولة مالية عاجلة مقابل التخلي عن جزء من إيرادات مستقبلية محتملة؟
الضبعة.. مشروع ضخم والتزامات مالية ممتدة
تُقام محطة الضبعة النووية على الساحل الشمالي المصري، وتتكون من أربعة مفاعلات روسية التصميم، تبلغ قدرة كل منها 1.2 جيجاوات، بإجمالي 4.8 جيجاوات.
ويمثل المشروع أحد أكبر مشروعات التعاون الاستراتيجي بين مصر وروسيا، ليس فقط من حيث قدرته الكهربائية المستهدفة، وإنما أيضًا من حيث حجمه الاستثماري والتزاماته المالية طويلة الأجل.
وتثير التأجيلات المتوقعة في تشغيل المفاعلات تساؤلات بشأن العلاقة بين توقيت الاستفادة الاقتصادية من المشروع وجدول الالتزامات المالية المرتبطة بتمويله.
ففي المشروعات الكبرى، لا تقتصر أهمية مواعيد التشغيل على الانتهاء من أعمال البناء، وإنما تمتد إلى موعد بدء إنتاج الكهرباء وتحقيق العائد الاقتصادي المتوقع.
وكل تأخير في التشغيل يعني تأجيل الاستفادة من الكهرباء التي كان مخططًا إنتاجها، وإن كان تحديد الأثر المالي الدقيق يستلزم الاطلاع على العقود وجداول التمويل والسداد والتكلفة الفعلية للتأخير.
كما يطرح المشروع تساؤلات حول التكلفة النهائية للكهرباء النووية مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى، ومدى قدرتها على تخفيف الأعباء عن قطاع الكهرباء والموازنة العامة بعد دخول المفاعلات الخدمة.
السيسي وبوتين يبحثان المشروعات الاستراتيجية
بحث المنقلب عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تطورات المشروعات الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية المزمع إقامتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأكد الجانبان أهمية استمرار التعاون في تنفيذ هذه المشروعات، باعتبارها من أبرز مجالات الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وموسكو.
وفي لقاء منفصل مع مدير «روساتوم»، أعرب السيسي عن تقديره للتعاون مع المؤسسة الروسية، مشددًا على ضرورة التنسيق المشترك لتنفيذ المحطة وفق الجداول الزمنية المحددة.
كما أشار إلى أهمية المشروع في تلبية احتياجات مصر من الكهرباء والطاقة، بالتوازي مع خطط زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة.
وخلال كلمته أمام القمة الروسية الأفريقية، وصف السيسي محطة الضبعة بأنها أحد أبرز المشروعات التي تجسد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب مشروع المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس.
أزمة الطاقة تكشف تحديات التخطيط الاقتصادي
تضع التطورات المرتبطة بمحطة الضبعة الحكومة المصرية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الطاقة العاجلة والمشروعات الاستراتيجية طويلة الأجل.
فمن ناحية، تحتاج البلاد إلى توفير كميات كافية من الغاز الطبيعي لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء القائمة، ومن ناحية أخرى، تراهن على مشروعات جديدة، بينها الطاقة النووية والمتجددة، لتقليل الاعتماد النسبي على الوقود الأحفوري مستقبلًا.
لكن استمرار تأخر تشغيل الضبعة، بالتزامن مع اتجاه الحكومة إلى بيع بعض أصول الطاقة المتجددة، يثير نقاشًا أوسع بشأن مدى اتساق القرارات الاقتصادية مع الأهداف المعلنة لتنويع مصادر الكهرباء.
كما أن الاعتماد على مشروعات تستغرق سنوات طويلة قبل بدء الإنتاج لا يُعفي الحكومة من مسئولية وضع حلول أقرب زمنيًا لتخفيف أعباء الطاقة، والحد من الضغوط على النقد الأجنبي.
وتتضاعف أهمية هذه القضية في ظل الأعباء المرتبطة بخدمة الدين والاحتياجات الاستيرادية، إذ يصبح كل قرار يتعلق بإنتاج الطاقة أو استيراد الوقود أو بيع الأصول العامة جزءًا من المعادلة الاقتصادية للدولة.
من يتحمل تكلفة الانتظار؟
مع تمسك «روساتوم» باستكمال محطة الضبعة بحلول عام 2030، تبقى أمام مصر سنوات قبل التشغيل الكامل للمشروع والاستفادة من قدرته المستهدفة البالغة 4.8 جيجاوات.
وخلال هذه الفترة، ستظل الحكومة مطالبة بتوفير الوقود لمحطات الكهرباء القائمة، وإدارة تكلفة إنتاج الطاقة، وضمان استمرار الإمدادات دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية يمكن تجنبها.
وفي المقابل، تحتاج سياسة بيع أصول الطاقة المتجددة إلى قدر أكبر من الشفافية، بما يسمح بتقييم ما إذا كانت عوائد البيع والاستثمارات الجديدة تتناسب مع القيمة الاقتصادية طويلة الأجل لهذه الأصول.
وتبقى المفارقة الأساسية أن مصر تسعى إلى تخفيف اعتمادها على الغاز عبر مشروع نووي ضخم تأخر تشغيله، بينما تواصل إعادة هيكلة ملكية بعض مشروعات الطاقة المتجددة التي يمكن أن تسهم في تقليل استهلاك الوقود.
وبين وعود تشغيل الضبعة في 2030، وضغوط توفير الغاز والدولار، وقرارات بيع الأصول، يظل السؤال الأهم: هل تنجح حكومة الانقلاب في بناء قطاع طاقة أكثر استقرارًا وأقل تكلفة، أم تستمر الأعباء الاقتصادية خلال سنوات الانتظار، قبل أن تظهر العوائد الفعلية للمشروعات الكبرى؟