يتخوف النظام الانقلابي أو أي نظام قمعي مستبد من الحشود والجموع البشرية المتجانسة، حتى وإن كانت غير متجانسة، فلذلك فسر البعض مسارعة داخلية الانقلاب إلى إغلاق محطات كالسادات بعد أي حدث سياسي مثير لقلق السلطة، وذلك لأن محطة السادات محطة رئيسية تلتقي بها خطوط النقل، فيكثر فيها التكتلات الجسدية فضلًا عن رمزية ميدان التحرير ومظاهرات 25 يناير 2011 به.
وتمثل هذه الحشود والجموع غير المصنفة وغير المتجانسة سبيلا للحصول على شرعية سياسية قادرة على تجاوز شرعية السلطة ذاتها، وهو ما لا يريده النظام بأي شكل كان!
ورأت الباحثة مريم وحيد في كتابها “الجسد والسياسة” أن ميدان التحرير خلال اعتصام ال18 يوما في 25 يناير 2011 مَثّل جسدًا مجتمعيًا واحدًا تلاشت فيه الاختلافات بين الصغير والكبير، الذكر والأنثى وذابت الفروقات بين أصحاب الأيديولوجيات المختلفة، فقد مثل مجموع المتظاهرين حاصل أجساد وعقول فردية.

وأكدت أن الجسد المجتمعي قادر على الفعل السياسي، وأن للفعل الجسدي بأصواته وإيماءاته وصرخاته ونداءته دورًا مهمًا في الحراك الثوري.
تذكرة المترو
فيما رصدت زينب البقري في تحليلها بعنوان “كتلة منزوعة الكرامة”.. كيف تخضعنا الدولة من خلال المترو؟”، ردود الفعل المتباينة على التسعيرة الجديدة لتذاكر المترو، وقسمت التناقض في الفعل، إلى ثلاث ردود وفئات، الرافضون للقرار، ومؤيدون، وأطلقت على الفئة الثالثة “إحنا بتوع الأتوبيس”.
وكشفت أن الفئة الرافضة للقرارات، اتخذ تمردها أشكالا عدة، منها، المواجهة المباشرة مع الأمن داخل عربات المترو وقفزهم على الحواجز، والمرور دون دفع التذاكر، ودعوة البعض منهم للإضراب ومقاطعة المترو، ومنهم من اتخذ من جسده وسيلة للمقاومة، كهؤلاء الذين ذكرنا مواقفهم في المشاهد الثلاثة المذكورة في مستهل هذا التقرير، الذين ألقوا بأجسادهم أمام عربات القطار في محطة محمد نجيب، وهؤلاء الملثمين الذين تصدوا للقطار والركاب في محطة السادات، وتلك السيدة الفقيرة التي صرخت ولعنت القرار والسكوت عنه، وكشفت عن وجهها وخلعت النقاب كإعلان للرفض والتمرد.
وأضافت أن مشهد الملثمين، وحالة السيدة، والمواجهة مع الأمن، دلالة على أن الجسد حاضر في مشاهد المعارضة والمقاومة داخل محطات المترو. وآخرين اعترضوا بالتحايل، كمت قام بعمل تطبيق هاتفي لتبديل التذاكر بين الركاب كاستراتيجية للتعايش، وكوسيلة للمقاومة.
ورأت أن الفئة الثانية فهي الفئة المؤيدة لزيادة تسعيرة التذاكر فهي إما راغبة في إعلان دعمها وتأييدها المطلق لسياسات النظام القائم، وإما لرفضها لممارسات طبقة الكادحين ورغبتها في تقليل نسبة تواجدهم في المترو، ولضمان حصولها على خدمة أفضل، وأن هذه هي الأسعار العالمية لمترو الأنفاق في الدول الأخرى، وبعضهم غير مستفيد مباشرة من خدمات المترو، فيرى أن الدولة عليها أن ترفع الدعم عن المترو نهائيًا، وتجعله لصالح دعم خدمات أكثر شمولية كالتعليم والصحة.
بتوع الأتوبيس
وعن فئة إحنا بتوع الأتوبيس، فأوضحت أنها فئة ثالثة تعلن تأييد القرار خوفًا من بطش السلطة التي نشرت قوات الأمن المركزي والداخلية في داخل عربات المترو، فقد قامت الدولة بشن حملة عشوائية لاعتقال العشرات من داخل عربات المترو، في سخرية من الاتهام الذي يلحق من يتم القبض عليه”رافض للتسعيرة الجديدة للتذاكر” تتشابه موقف الدولة في حملتها العشوائية مع ما عكسه فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس”، حيث بعض المصريين خوفًا من بطش السلطة يجبن ويخاف.

وأضافت الفئة قد تتظاهر بالرضا عن قرار التسعيرة الجديدة، بينما يعلن في سره سخطه وكراهيته للسلطة وأنينه من سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأبانت أن صور مقاومة هذه الفئة تتعدد في شكل السخرية والنكات أو الصمت أو غيرهما من الصور التي أوردها عالم الاجتماع جيمس سكوت في كتابه”المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم”، لابد من تحليلها ومحاولة فهم صورها حتى يكتمل مشهد المعارضة وخوف القمع في مصر عامة، هذا المشهد المنذر بشيوع الكراهية الصلبة التي تصفها الروائية الإنجليزية جورج إليوت بأنها تلك الكراهية التي تجد جذورها في الخوف، وتتكثف عبر الصمت، وتحول شعور العنف إلى نوع من شعور الرغبة في الانتقام، إلى إلغاء متخيل للشيء المكروه، إلى شيء يشبه طقوس الثأر الخفية التي تؤجج غضب الإنسان المضطهد”.