بالتزامن مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي لمصر 21 يناير 2024 لبحث القرض الجديد المقدر بـ 3 مليار دولار ويتردد أنه سيزيد إلى 5 أو 12 مليارا، وتراجع إيرادات قناة السويس لقرابة النصف وتحويلات المصريين في الخارج إلى الثلث وتدهور سعر الجنيه بفارق قرابة 100% في السوق السوداء عن سعره الرسمي (62 مقابل 31)، بدأ خبراء اقتصاد يحذرون من مؤشرات اقتراب مصر من السيناريو اللبناني.
ويقصد بهذا السيناريو استمرار التدهور في كل المجالات واقتراض السلطة من البنوك لسداد ديونها، وتدهور الأوضاع لحد رفض البنوك صرف أموال المودعين، التي تراجعت قيمتها في مصر بنسب الضعف منذ تعويم الجنية عدة مرات.
واقترضت الحكومة نصف أصول البنوك أو 7 تريليون جنيه وهذه تأتي من الودائع، ما يعني أن الودائع خطر كما يقول خبراء اقتصاد
قالوا: إن “هذه القروض غير مضمون أن ترجع مثل المعاشات التي لم ترجع أموالها، ولو رجعت ستكون بورق جنيه مطبوع لا يساوي تكلفه الحبر عليه وتتبخر ودائع كثير من المصريين”.
وزاد من تكهنات الحديث عن هذا السيناريو اللبناني توقع خبراء استحالة قدرة النظام في مصر على جمع 42 مليار دولار مطلوب سدادها أقساط وفوائد للديون البالغة 127 مليار دولار خلال عام 2024 منها قرابة 10 مليارات من بين يناير ومارس 2014.
واستمرار وكالات التصنيف الائتماني في تخفيض تصنيف مصر، ما يعني تراجع قمية السندات التي تصدرها الحكومة المصرية وأخرها وكالة “موديز” للتصنيفات الائتمانية العالمية، التي خفضت نظرتها المستقبلية لمصر من “مستقرة” إلى “سلبية”.
حيث أكدت وكالة موديز عدم قدرة الاقتصاد المصري على تحمل الديون في ظل تراجع الدعم الخارجي والإجراءات السياسية التي تحول دون إعادة هيكلة الديون.
وحالة ارتباك في الأسواق وبين المستثمرين، وعدم قدرة القطاعات الصناعية والإنتاجية على البقاء، ما دفع شركات كويتية لغلق فروعها بمصر وغيرها.
بسبب اختفاء الدولار وتصاعد المضاربة للحصول عليه والإقبال على شراء الذهب والعقارات وسحب الأموال من البنوك في سوق يعاني شح العملة الصعبة.
وكان السيسي قال في يونيو 2023، حين كان سعر الدولار 30 جنيها أنه حين يرتفع السعر أكثر من ذلك ويبلغ 60 جنيها سيتهدد أمن مصر القومي، ولن يجلس في كرسي الحكم، لكنه التزم الصمت حين بلغ ما بين 62 و65 جنيها.
https://twitter.com/shirinarafah/status/1748089929798685102
ولاحظ نشطاء أنه خلال سعى السيسي عند استقباله رئيس الصومال وتهديده إثيوبيا بأن مصر لن تصمت إذا تضرر الصومال، كان يوجه رسائل للمصريين أبرزها أن الصومال احتاج 20 و30 سنة ليتعافى من عدم الاستقرار كأنه يطالبهم بالانتظار نفس المدة.
كما لاحظوا أنه كان يتحدث بغضب وهو يحذر الشعب من الاحتجاج على تردي أوضاعه وانهيار وضعه المعيشي، بسبب سياساته قائلا لهم إن “الدول المستقرة لا تعود بسهولة” في إشارة تبين قلقه من ثورة شعبية وجياع هذه المرة بسبب تدهور أحوال المصريين الاقتصادية.
https://twitter.com/GamalSultan1/status/1749318630951547050
ما هي المؤشرات؟
خفضت “موديز” نظرتها المستقبلية لتصنيف الإصدارات الحكومية المصرية مستوى “Caa1″، وهو ما يعكس المخاطر المتزايدة المتمثلة في استمرار ضعف وضع مصر الائتماني وسط صعوبة إعادة التوازن للاقتصاد الكلي وسعر الصرف” وفق ما أوضحته الوكالة في بيان.
وتصنيف “Caa1” للإصدارات الحكومية المصرية هو نفسه الذي قيّمت الوكالة العالمية تصنيف لبنان به في عام 2019، وفي الشهر الأول أيضا من ذلك العام، في مفارقة لافتة مع تصنيف مصر في 2024.
وتزامن خفض التصنيف مع تقارير سلبية عن الأداء الاقتصادي المصري، أججت من المضاربات في سوق الصرف، حيث تراجع سعر الجنيه في السوق الموازية بشكل حاد تخطى خلاله الدولار 61 جنيهاً، بينما ظل ثابتا في البنوك عند مستوى أقل من 31 جنيها.
وقد أكدت وكالة موديز عدم قدرة الاقتصاد المصري على تحمل الديون في ظل تراجع الدعم الخارجي والإجراءات السياسية التي تحول دون إعادة هيكلة الديون، وأشارت إلى زيادة كبيرة في مدفوعات الفائدة على الديون، تستهلك ثلثي الإيرادات في ميزانية العام الجاري 2023/ 2024 التي تنقضي بنهاية يونيوالمقبل.
وأشارت إلى أن اتساع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والسوق الموازية ساهم في تعقيد عملية التكيف في الاقتصاد الكلي، في وقت تزيد الحرب الإسرائيلية على غزة المخاطر على ميزان المدفوعات، وتؤثر سلبا على مصادر إيرادات الدخل المولدة من السيولة الأجنبية.
وتشير موديز إلى عدم تحسن صافي مركز الالتزامات الأجنبية للنظام النقدي لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، مع وجود طلبات متراكمة بالنقد الأجنبي، وثبات احتياطي النقد الأجنبي عند أقل من 27 مليار دولار بنهاية 2023.
مخاوف من القادم
جاء تصنيف “موديز” بعد أسابيع من تخفيض وكالة “فيتش” الدرجة الائتمانية للدولة من “BB” إلى “B-” في نوفمبر2023، بينما تزايد حجم الدين الخارجي إلى نحو 165 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2023، مع حاجة البلاد إلى سداد نحو 24 مليار من الديون قيمة أقساط وفوائد الديون الأجنبية، عام 2024، مع التزامات بنحو 6 تريليونات جنيه قيمة الديون المحلية، بينما تتراجع مصادر الدخل وترتفع الأعباء المالية على الموازنة العامة.
ويرى محللون أن خروج مصر من مؤشرات التصنيف يعني أن الدولة أصبحت غير مؤهلة للاستثمار المباشر، حيث ينظر المستثمرون إلى مستوى الاستثمار الذي يبدأ من مستوى “AAA” إلى مستوى “BBB”، وعندما تخرج الدولة من مستوى B، تتحول من فئة الاستثمار المباشر إلى الاستثمار المضارب، بما ينبه المستثمرين إلى الابتعاد عن الاستثمار المباشر في السوق المصرية، ويدفع الدولة إلى رفع الفائدة إلى معدلات عالية أو منح مشتري السندات خصما هائلا على السندات من قيمتها الاسمية وفائدة عالية تعوض المضاربين على المخاطر بشراء السندات.
ويحمل المحللون الحكومة مسؤولية الأزمة عندما عطلت تحويل المستثمرين مستحقاتهم بالدولار إلى الخارج وتأخرها في الوفاء بالتزامات مرتبطة بالتجارة الدولية والاستثمارات وقصر استخدام أرصدة الدولار الموجود في مصر على سداد الديون وأدوات خدمة الدين الحكومي، دون الالتزام بسداد قيمة الارتباطات الأخرى للمستثمرين، والذي يعتبر عدم الوفاء بها أخطر على الاقتصاد.
وقد أكد خبير التمويل والاستثمار المصري وائل النحاس لموقع “العربي الجديد” أن تعجيل “موديز” بإصدار تقريرها بعد 3 أشهر من تحذيرها بشأن إمكانية تخفيض نظرتها إلى مصر، والذي أعلنته نهاية سبتمبر 2023، والذي يجدد عادة ما بين 12 إلى 16 شهرا، يعكس مخاوفها من الوضع الاقتصادي في الدولة، وتوجيه رسائل تحذيريه للمستثمرين من الدخول في سوق السندات المصرية.
أوضح أن تصنيف موديز تأثر بالتقرير الذي أصدرته مؤسسة “جيه بي مورغان” الأسبوع الماضي، مع وجود رغبة لدى شركات التصنيف الكبرى في إخلاء مسؤوليتها عن أي مخاطر تقع لعملائها من الشركات والدول والأفراد، المتعاملة مع مصر.
ويرى أن حالة الضبابية التي تدير الحكومة بها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتعاملاتها في مواجهة ارتفاع الدولار والمضاربة على الذهب أثار حالة من القلق بين المستثمرين ولدى شركات التصنيف الكبرى، في ظل تصريحات حكومية تبين أن المفاوضات مع صندوق النقد “عالقة” دون أن تبين ما يدور حول هذه المفاوضات، وإمكانية حصول الدولة على ضمانات من الصندوق.
بعثة صندوق النقد في القاهرة لمناقشة برنامج القرض، موديز تخفض نظرتها المستقبلية لمصر إلى “سلبية” + الجنيه يتراجع لمستويات قياسية جديدة.
أقساط الدين وفوائده تلتهم كامل إيرادات مصر
وقد كشفت أرقام الموازنة العامة المصرية للعام المالي المقبل عن زيادة كبيرة في أعباء الدين العام، لتصل نسبتها إلى 114% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة.
وبحسب البيان المالي للموازنة العامة للدولة للعام المالي (2023-2024) فقد بلغت قيمة فوائد الدين العام المحلي والخارجي الواجب سدادها خلال العام القادم 1120 مليار جنيه (36.3 مليار دولار) مقابل 775.2 مليار جنيه (25.1 مليار دولار) في العام المالي الحالي بنسبة زيادة بلغت 44.5%
وبلغت قيمة الأقساط الواجب سدادها من الدين العام المحلي والخارجي عن العام نفسه 1316 مليار جنيه (42.6 مليار دولار) مقابل 965.5 مليار جنيه (31.3 مليار دولار) في العام المالي الحالي بنسبة زيادة بلغت 36.3%
وبهذا يصل إجمالي أعباء الدين العام خلال العام المالي المقبل إلى 2436 مليار جنيه (78.9 مليار دولار) مقابل 1741 مليار جنيه (56.3 مليار دولار) خلال العام المالي الحالي بنسبة زيادة بلغت 40%
وبحسب البيان الذي ألقاه وزير المالية محمد معيط أمام مجلس النواب مايو 2023 فإن إجمالي الإيرادات العامة للدولة المتوقعة خلال العام المالي المقبل الذي يبدأ في يوليو/تموز تبلغ 2142 مليار جنيه (69.3 مليار دولار) أي أقل بنحو 294 مليار جنيه (9.5 مليارات دولار) من أعباء خدمة الدين.
تمويل بالدين
وللعام الثاني على التوالي، سيكون تمويل جميع أبواب الموازنة العامة باستثناء الفوائد عن طريق الاقتراض، الأجور 470 مليار جنيه، شراء السلع والخدمات 139.4 مليار جنيه، الدعم 529.7 مليار جنيه، المصروفات الأخرى 145.1 مليار جنيه، الاستثمارات العامة 586.7 مليار جنيه.
وبحسب البيان المالي، فإن الاحتياجات التمويلية (القروض) للعام المالي المقبل تبلغ 2140 مليار جنيه (69.3 مليار دولار).
وسبق أن سلط الكاتب، ماجد مندور، الضوء على المأزق الاقتصادي الذي تواجهه مصر، مشيرا أن عبد الفتاح السيسي، دعا المقرضين، إلى إظهار مزيد من التفهم لأزمة الديون المتدهورة في بلاده.
قال: إن “حل النظام المصري للأزمة يدور حول انتظار معجزة بتدفق استثنائي للدولارات يسمح له بإدارة تخفيض آخر لقيمة العملة، والذي لا يبدو أنه وشيك”.
ومع ذلك، فإن القرارات التي يتخذها النظام المصري غير عقلانية.
