في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط على المزارعين، لم تعد أزمة ارتفاع أسعار الأسمدة مجرد أرقام تُتداول، بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه الفلاح في الحقل.
خلال الأيام الأخيرة، شهدت الأسواق زيادات حادة في أسعار بعض الأنواع الأساسية، حيث ارتفع طن اليوريا من نحو 23 ألف جنيه إلى قرابة 30 ألف جنيه، بينما قفزت أسعار الأسمدة البوتاسية بنسب متفاوتة وصلت في بعض المناطق إلى أكثر من 25%.
هذه القفزات السريعة وضعت المزارعين أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في الزراعة أو تقليل المساحات المزروعة لتجنب الخسائر، وهو ما يُنذر بتداعيات أوسع على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء في الفترة المقبلة.
هذه الزيادات تدق ناقوس خطر جديد يهدد استقرار أسعار الغذاء، فمع قفزة وصلت إلى نحو 30% في السوق المحلية، لم يعد الأمر مجرد تغير في تكلفة أحد مدخلات الإنتاج الزراعي، بل تحول إلى مؤشر مبكر على موجة تضخمية قد تمتد آثارها إلى كل مائدة مصرية.
أسعار غالية جدا
حول هذه الأزمة قال الحاج عبدالسلام، مزارع من محافظة المنيا : اللي بناخده من الجمعية الزراعية ما بيكفيش نص الأرض، والباقي بنجيبه من السوق الحر بأسعار غالية جدا، وده بيخلينا نزرع وإحنا مش ضامنين نكسب ولا نخسر .
وأضاف أن تكلفة الفدان ارتفعت هذا الموسم بشكل غير مسبوق، خاصة مع ارتفاع أسعار السولار والنقل إلى جانب الأسمدة.
وأكد «محمود»، مزارع من محافظة البحيرة، أن الوضع «بقى صعب جدًا»، موضحا أن سعر الشيكارة زاد فجأة، وإحنا مش بنعرف نحسب تكاليفنا من الأول، كل يوم في سعر جديد، وفي الآخر التاجر هو اللي بيكسب والفلاح بيتعب وخلاص.
وأشار إلى أن بعض المزارعين بدأوا بالفعل في تقليل المساحات المزروعة أو الاتجاه لمحاصيل أقل تكلفة، حتى لو كانت أقل ربحية.
امتصاص الصدمات
أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور السيد خضر، أن ارتفاع أسعار الأسمدة هو أحد أخطر المؤشرات المبكرة على تضخم غذائي ممتد، موضحا أن الزراعة قطاع حساس يعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة أو مرتبطة بأسعار عالمية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي.
وقال «خضر»، فى تصريحات صحفية إن أي زيادة في هذه المدخلات تنتقل تدريجيا عبر سلاسل الإنتاج لتصل في النهاية إلى المستهلك، وهو ما يفسر العلاقة المباشرة بين أسعار الطاقة والغذاء.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بقدرة السوق على امتصاص هذه الصدمات، مشيرا إلى أن تراجع القوة الشرائية للمواطنين يجعل أي زيادة حتى لو كانت محدودة ذات تأثير مضاعف.
نتائج عكسية
وأكد خبير الاقتصاد الزراعي الدكتور محمود عبدالعزيز، أن دولة العسكر تواجه تحديًا حقيقيًا في تحقيق التوازن بين تأمين احتياجات السوق المحلية والحفاظ على موارد النقد الأجنبي.
وقال عبدالعزير فى تصريحات صحفية إن قطاع الأسمدة يُمثل فرصة مهمة لجلب العملة الصعبة في ظل الطلب العالمي المرتفع، لكن الاعتماد المفرط على التصدير دون ضبط السوق المحلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة معدلات التضخم.
وأشار إلى أن الحل لا يكمن في إيقاف التصدير بشكل كامل، بل في إدارة ذكية للموارد، من خلال زيادة الكميات المخصصة للسوق المحلية، وتحسين منظومة التوزيع لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، إلى جانب فرض رقابة صارمة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
تضخم مؤجل
وقالت أستاذ سلاسل التوريد الدكتورة مها الشيخ، إن أزمة الغذاء العالمية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار النفط أو اضطرابات إمداداته، بل اتسعت لتشمل ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف إنتاج الغذاء، نتيجة اختلالات متزايدة في سلاسل توريد الأسمدة، خاصة اليوريا والأمونيا والأسمدة النيتروجينية، التي تُعد عناصر أساسية في العملية الزراعية، موضحة أن تأثير الأزمة لا يظهر بشكل مباشر وسريع على أسعار الغذاء النهائية، بل يمتد عبر سلسلة طويلة ومعقدة من المراحل الإنتاجية.
وأشارت مها الشيخ فى تصريحات صحفية إلى أن ارتفاع تكاليف إنتاج السلع الأساسية مثل القمح والذرة والأرز والخضراوات والأعلاف لا ينعكس فورًا على الأسواق، بل يمر بعدة مراحل مترابطة تبدأ من مدخلات الإنتاج، مرورًا بعمليات الزراعة والتسميد، ثم الحصاد، وصولًا إلى التصنيع والتوزيع، موضحة أن هذه السلسلة المعقدة تجعل من الصعب على المستهلك ملاحظة أسباب ارتفاع الأسعار بشكل مباشر، رغم أن جذورها تبدأ من مرحلة مبكرة جدًا في دورة الإنتاج.
وحذرت من أن العالم قد يكون مقبلًا على موجة ما يُعرف بـ"التضخم الغذائي المؤجل"، الذي من المتوقع أن يظهر تأثيره خلال المواسم الزراعية المقبلة، نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف المدخلات الأساسية للإنتاج الزراعي، وأن هذا النوع من التضخم لا يحدث بشكل فوري، بل يتراكم تدريجيًا حتى يظهر بشكل واضح في الأسواق بعد فترة زمنية، عندما تنعكس التكاليف المرتفعة على المنتجات النهائية.
الغاز الطبيعي
ولفتت مها الشيخ إلى أن أحد أبرز المحاور التي تقود هذه الأزمة يتمثل في الاضطرابات المتعلقة بإنتاج وتوريد الأسمدة، التي تعتمد بشكل كبير على مدخلات الطاقة، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، وأن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا أدى إلى زيادة تكلفة إنتاج الأمونيا واليوريا، وهما من أهم المكونات المستخدمة في صناعة الأسمدة النيتروجينية، وهو ما انعكس بدوره على تكلفة الإنتاج الزراعي، إذ أن هذه الأزمة لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد لتشمل الأسواق العالمية كافة، نظرًا لاعتماد سلاسل الإمداد الزراعية على شبكة دولية مترابطة.
وأضافت أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي يشكل أحد المحركات الرئيسية لموجات التضخم الغذائي، حيث يؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات الأساسية بشكل تدريجي، مع مرور الوقت عبر مراحل الإنتاج المختلفة، لافتة إلى أن هذه الضغوط لا تنعكس فقط على الأسعار النهائية، بل تؤثر أيضًا على قرارات المزارعين المتعلقة بالزراعة والإنتاج، ما قد يؤدي إلى تغييرات في حجم المعروض من المحاصيل الزراعية عالميًا.