لأني أمٌّ تحركها مشاعرها أولاً ودائماً، فقد دأبتُ في كل عدوان مرّ على غزّة على اتباع طريقة واحدة لمواجهة القصف الحائم حولنا: أن ننام جميعاً في غرفة واحدة، وكنت أصرخ إذا ما جنّ الليل بهستيريا حين يخرج أحد الأولاد من الغرفة، فأطالبه بأن يعود سريعاً، لكي نتكوّر جميعنا فيها، حتى أصبح بيننا عهد غير مكتوب، أن نعيش معاً أو نموت معاً، إلى أن بدأت حرب الإبادة وتنقّلنا من البيت إلى بيوت كثيرة، فقد كنا نتكوّر على أرضيات متنقلة باردة أيضاً، ونحرص على أن نبقى متلاصقين، لكي نحصل على بعض الدفء، وفي الوقت نفسه، لكي نبقى على العهد الذي لم يُكتب.
كان لديّ خوفٌ لا يوصف من ألّا نموت معاً، لأني أرى مرارة شعور الأمهات بالفقد، وألمح مرارة بقاء أحد الأبناء على قيد الحياة فيما يرحل جميع أفراد العائلة، ولذلك كتبت قصة قصيرة جداً أيضاً في بداية الحرب، تعبّر عن حيرة أحد الآباء وسعيه الحثيث لإيجاد طريقة لإنقاذ أطفاله من القصف المترقب ليلاً، وحين عجز عن هذا، قرّر أن يربط كل طفل في عمود من أعمدة الخيمة، ثم الجلوس على حجر في انتظار الموت الذي لا يخطئ طريقه، وحيث لا يوجد مكان في غزّة فعليّاً لا يعرف الموت طريقاً إليه، وقد كانت هذه القصة فعليّاً تعبيراً عن عجز عقلي عن الوصول إلى طريقة للنجاة.
في غزّة اليوم، وبعد شهور من كذبة أطلقها العالم وصدّقها لكي ينام مرتاح الضمير، أن الحرب قد توقفت فعلاً، ولكن، وحسب اعتراف إعلام الاحتلال (صحيفة هآرتس)، هناك طفلٌ واحد على الأقل يُقتل يوميّاً في القطاع بقصف متفرق يطاول الخيام وبقايا المباني، والنتيجة واحدة، أنه لا نجاة للأبرياء المنهكين، ولك أن تتصور كيف يموت هؤلاء بعد ما يقارب ثلاث سنوات من المعاناة، كيف حلموا بأن يتغيّر حالهم وأن يستيقظوا من هذا الكابوس المرعب، ولكنهم لم يستيقظوا، بل تحوّلوا إلى أشلاء، وبعد أن أعيتهم الوسيلة في الهرب والنجاة، وحيث أدركوا فعليّاً أن كل شبر على هذه الأرض ما هو إلا هدف مؤجل لحمم القصف، حتى حين قرر أحد الآباء أن يحفر قبراً لكي يكون ملجأً ليلياً لأطفاله، فإن ذلك الخيار لم يكن يعني النجاة أيضاً، لأن آلة القتل لم تُراعِ قبور الأموات ولم تحترم حرمتها، وقد رأينا مراراً صوراً ومشاهد لتجريف المقابر وبعثرة الرفات وبقايا الجثث، في مشاهد لا تمت للآدمية بصلة.
لذلك اختيار هذا الأب هذه الفكرة لا تملك أمامه سوى أن تشعر بالحزن والأسى، لأن الأب البائس لم يفعل شيئاً سوى أن يدفن أطفاله أحياء كل ليلة، لكي يعيشوا تجربة شعور البقاء في قبر مفتوح تحت سطح الأرض، حتى لو لم يكن القبر في مقبرة، بل بين الخيام، فلا الأرض المستوية تحمي من فوقها، ولا حتى القبور تحمي من بداخلها، فالموت يأتي بلا هوادة وفي كل وقت في هذه البقعة المنسية من العالم، وسط كذبة رائجة يستلقي العالم مستريحاً في فراشه الوثير كلما تذكرها.
في الصباح الذي لا بد أن يأتي لكي يفتح ذلك الأب عينيه على الحقيقة التي حاول ليلاً أن يهرب منها، وحيث كانت الحفرة التي حفرها كما هي، إلا أنها بدت أصغر بكثير من خوفه، وأضيق بكثير أيضاً من حزنه، حتى إذا ما أطال النظر إليها، أدرك أنها لم تكن قبراً بارداً فحسب، بل كانت أيضاً حفرة مقيتة تطل عليه شاهداً جديداً على عجزه، بعد أن استنفد كل ما يعرفه، وكل ما هداه إليه تفكيره من وسائل الهروب من الموت، ومحاولات حماية الأحبّة من أن يصبحوا أشلاء، ففي غزّة فعليّاً هناك حقيقة واحدة: إن القبور لا تستقبل الأموات فقط، ولكنها لا تحمي الأحياء على الإطلاق.