أثار عدد من الأطباء والأكاديميين جدلًا حول أوضاع التعليم الطبي في مصر، في أعقاب منشورات وتعليقات تناولت شروط الالتحاق بكليات الطب، والتوسع في إنشاء الكليات الخاصة، وأعداد الطلاب المقبولين، إلى جانب فرص التدريب وأوضاع أعضاء هيئة التدريس.
وتقاطع أصحاب المنشورات في التحذير من تأثير زيادة أعداد الطلاب على جودة التعليم والتدريب الطبي، وإن اختلفت مقترحاتهم بشأن كيفية معالجة المشكلة.
ويجمع الخبراء من الأطباء حول عدد من النقاط، أبرزها القلق بشأن جودة التعليم والتدريب الطبي مع زيادة أعداد الطلاب، ومدى قدرة المستشفيات التعليمية وأعضاء هيئة التدريس على استيعاب هذه الأعداد.
ودعا د.أسامة حمدي الأستاذ بطب المنصورة إلى إغلاق كليات الطب الخاصة تدريجيًا أو قصرها على الطلاب الوافدين، واقترحت نجاة علي مسارًا دراسيًا سابقًا للطب للطلاب الذين يواجهون صعوبة في التحصيل، في حين دعا عاطف السهتاني إلى وضع معايير موحدة وصارمة للاعتماد والقبول والتدريب تطبق على جميع الكليات.
أما علاء عمر، فركز في طرحه على توضيح طبيعة المسار الطبي في الولايات المتحدة، معتبرًا أن دراسة الطب تتطلب مسارًا أكاديميًا طويلًا وشروطًا متعددة، بينما تناول د.نبيل الميقاتي بصورة خاصة أزمة أعضاء هيئة التدريس والرواتب وهجرة الأطباء.
وتعكس هذه المنشورات، في مجملها، استمرار النقاش حول مستقبل التعليم الطبي في مصر، بين مطالب بتشديد شروط القبول وضبط أعداد الطلاب، ودعوات لإعادة تنظيم التدريب وأعضاء هيئة التدريس، ومطالب بوضع معايير موحدة لجودة التعليم الطبي بمختلف أنواع الجامعات.
سمعة على المحك
وفي السياق نفسه، انتقد الدكتور د.أسامة حمدي Osama Hamdy على فيسبوك التوسع في كليات الطب الخاصة، معتبرًا أن زيادة أعداد المقبولين والتهاون في درجات القبول يمكن أن ينعكسا على مستوى التعليم والتدريب الطبي.
وقال حمدي إن «سمعة الطب المصري التي ميزتها سنوات طوالًا في الخارج والداخل أصبحت الآن على المحك أمام سطوة المال، والقرارات غير المدروسة جيدًا».
وأشار إلى أن مصر تعاني نقصًا في الأطباء، وربط ذلك، بحسب طرحه، بهجرة الأطباء بسبب «ضعف الرواتب، وصعوبة التدريب وندرة فرصته، وتدهور بيئة العمل».
وانتقد حمدي التوسع في أعداد كليات الطب، وما وصفه بالتوسع في قبول الطلاب، مشيرًا إلى أن ذلك أدى إلى ضغط على المستشفيات الجامعية وأماكن التدريب.
خمسة أسباب للاعتراض
وحدد حمدي خمسة أسباب رئيسية لاعتراضه على كليات الطب الخاصة، أولها، بحسب قوله، سحب أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية، بما يؤثر على مستوى التدريس فيها.
أما السبب الثاني، فيتعلق بعدم امتلاك كثير من الكليات، وفقًا لما ذكره، مستشفيات تعليمية حقيقية على غرار المستشفيات الجامعية الحكومية.
وأشار في السبب الثالث إلى تكدس الطلاب داخل المستشفيات الجامعية الحكومية نتيجة تدريب طلاب كليات خاصة بها، معتبرًا أن ذلك يزاحم طلاب الجامعات الحكومية والأهلية في فرص التدريب.
وفي السبب الرابع، انتقد ارتفاع المصروفات الدراسية، قائلًا إن بعض الكليات تقبل الطلاب بمصاريف قد تتجاوز 400 ألف جنيه سنويًا، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى «طبقية فاشلة أساسها تعليم الطب لمن يدفع أكثر».
أما السبب الخامس، فتمثل في اعتراضه على قبول بعض كليات الطب الخاصة، بحسب قوله، طلابًا مصريين بمجموع يصل إلى 50%.
وطالب حمدي في ختام منشوره بإغلاق كليات الطب الخاصة تدريجيًا، أو قصر الدراسة فيها على الطلاب الوافدين، مع توفير أعضاء هيئة تدريس مستقلين ومستشفيات خاصة بها.
رسوب طلاب الطب
من جانبها، تحدثت نجاة علي Nagat Ali عن ظاهرة رسوب أعداد كبيرة من طلاب السنوات الإعدادية في كليات الطب، وخصوصًا في كليات طب الأقاليم، بحسب وصفها.
وأرجعت ذلك إلى أسباب عدة، من بينها صعوبة الدراسة باللغة الإنجليزية، إضافة إلى دراسة مواد قالت إنها غريبة على بعض الطلاب، مثل علم النبات أو «البوتاني».
وقالت علي إن رسوب هؤلاء الطلاب، رغم حصولهم على مجاميع مرتفعة عند الالتحاق، يمثل دلالة واضحة، من وجهة نظرها، على تدني مستوى التحصيل مقارنة بأقرانهم.
واقترحت، في حال إصرار بعض الطلاب على دراسة الطب رغم ضعف مستواهم، إلزامهم بدراسة بكالوريوس علوم قبل الالتحاق بكليات الطب، مشيرة إلى أن هذا النظام معمول به في الخارج.
المشكلة أوسع من ملكية الجامعة
وفي المقابل، طرح د.عاطف Atef El Shitany رؤية مختلفة بشأن القضية، معتبرًا أن المخاوف المتعلقة بجودة التعليم والتدريب الطبي «مهمة ومشروعة»، لكنه رأى أن حصر المشكلة في ملكية الجامعة، سواء كانت حكومية أو خاصة، لا يعالج القضية كاملة.
وقال إن جودة خريج الطب لا تضمنها ملكية الجامعة وحدها، وإنما تحتاج إلى نظام اعتماد مستقل وصارم، ومعايير قبول واضحة وموحدة، وهيئات تدريس كافية ومتفرغة، ومستشفيات تعليمية حقيقية، إلى جانب ربط أعداد الطلاب بالطاقة التدريبية الفعلية.
ودعا إلى تقييم الكليات من خلال مخرجات قابلة للقياس، مثل نتائج الامتحانات الموحدة وكفاءة التدريب الإكلينيكي ومعدلات التوظيف وتقييم جهات العمل ورضا المرضى.
واعتبر أن الحل، من وجهة نظره، هو «ضبط المنظومة بمعايير صارمة وشفافة تطبق على الحكومي والخاص والأهلي معًا»، وليس الغلق أو الإقصاء.
تجارة مفتوحة للجميع
من جانبه، قال الدكتور نبيل الميقاتي Nabil El Mikatti الاستاذ المتفرغ بطب القاهرة وحاليا طب جامعه مانشستر -بريطانيا إن المشكلة في كليات الطب الخاصة لا تتعلق فقط بعدم وجود مستشفيات تعليمية، وإنما تشمل أيضًا عدم وجود أعضاء هيئة تدريس بصفة دائمة.
ووصف الميقاتي تعليم الطب في مصر بأنه أصبح، بحسب تعبيره، «تجارة مفتوحة للجميع بدون حساب أو عقاب»، محذرًا من تداعيات ضعف أعداد أعضاء هيئة التدريس وتوزعهم بين أكثر من جهة.
وربط الميقاتي بين ضعف الرواتب واتجاه بعض أعضاء هيئة التدريس إلى الإعارات أو الإجازات بدون مرتب والعمل خارج الجامعات، مشيرًا إلى أن بعض الأطباء ينتقلون للعمل في دول الخليج أو دول أخرى.
كما تحدث عن أطباء مصريين انتقلوا إلى بريطانيا، وقال إن عددًا منهم حصل على وظائف بعد اجتياز الاختبارات المطلوبة للأطباء الأجانب، مشيرًا إلى أن بعضهم يمكنه لاحقًا التقدم للعمل في دول الخليج بعد الحصول على الجنسية البريطانية.
مسار طويل ومعقد
وفي سياق غير بعيد، انتقد د.علاء عمر Alaa Omar على فيسبوك ما وصفه بالمعلومات المتداولة حول سهولة الالتحاق بكليات الطب في الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الطالب لا ينتقل مباشرة من الثانوية إلى كلية الطب في النظام الأمريكي.
وقال عمر إن الطالب الراغب في دراسة الطب في الولايات المتحدة يحتاج أولًا إلى دراسة جامعية لمدة أربع سنوات بعد المرحلة التي تعادل الثانوية العامة، قبل أن يصبح مؤهلًا للتقدم إلى كلية الطب.
وعدد عمر مجموعة من المتطلبات التي أشار إليها، من بينها الحصول على بكالوريوس سابق، والحصول على درجات مرتفعة، واجتياز اختبار القبول الطبي MCAT، إلى جانب الخبرات الإكلينيكية والتطوعية وخطابات التوصية والمقابلات الشخصية.
وقال: «إن دخول الطب في أمريكا عملية معقدة.. جدًا.. وجدا جدا كمان»، منتقدًا الاعتقاد بأن الحصول على نسبة 50% يمكن أن يكون كافيًا لدخول كلية الطب في الولايات المتحدة.
كما تناول عمر التكلفة المالية لدراسة الطب في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن إجمالي الدراسة قد يتراوح، بحسب تقديره، بين 300 ألف إلى 400 ألف دولار، وأن الطلاب يعتمدون في كثير من الحالات على القروض الطلابية لسداد تكاليف الدراسة.
https://www.facebook.com/photo?fbid=28247894764879168&set=a.991675177594495
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10240987934848929&set=a.10202326568138924