المتحف المصري الكبير.. عائدات صفرية أم تسريب للإيرادات لصالح الشركة المشغلة؟!

- ‎فيتقارير

في محاولة لفرض حالة من التفاؤل والبهجة، تناقلت بعض المواقع الصحفية واللجان الإلكترونية تقارير صادرة عن وكالات مثل «الشرق بلومبرغ»، تحت عنوان: «مصر تتوقع قفزة 717% في إيرادات المتحف المصري الكبير إلى 572 مليون جنيه خلال 2026-2027».

وجاءت هذه الأرقام مطابقة لما كشفته الجريدة الرسمية في قانون الربط والموازنة، حيث بينت أن:

المتحف المصري الكبير – الإيراد السنوي: وفقًا للأرقام المنشورة، يُتوقع أن يحقق المتحف إيرادات سنوية بقيمة 572 مليون جنيه (و500 جنيه فكة).

المصروفات: بلغت قيمة المصروفات خلال المدة ذاتها الرقم نفسه تمامًا، وهو 572 مليون جنيه (و500 جنيه فكة!).

وكانت النتيجة المحاسبية هي التعادل التام بين الإيرادات والمصروفات، فلا ربح ولا خسارة على الورق، لتعلق بعض الصحف وتحتفي بأن «المتحف ربح»، وكأن المعادلة تقول: ماذا لو ربح المتحف مليار جنيه؟ ستزيد المصروفات إلى مليار مساوية له بالتمام!

«يحيا قيس، تحيا ليلى، تحيا الحكومة!».. هكذا كتب الأكاديمي رضوان جاب الله، ساخرًا من حالة التعادل المالي تحت وسم #بالتساوي_لا_لنا_و_لا_علينا.

وقدّم المتحف المصري الكبير، بعد افتتاحه قبل أشهر، باعتباره «أيقونة القرن» ومشروعًا يضع مصر في صدارة السياحة العالمية، وسط احتفال ضخم وباذخ حضرته وفود من 79 دولة، ووعود بعوائد استثنائية.

لكن بعد أشهر، جاءت المفاجأة في أول موازنة للمتحف المصري الكبير، بأرقام تستحق التوقف عندها كثيرًا، لتشتعل المنصات بين من يدافع عن جدوى المشروع، ومن يرصد عجزه المالي، وتطابق إيراداته مع مصروفاته بشكل يثير التساؤلات.

تناقض الأرقام الرسمية.. تعادل صفري أم ربح ورقي بنسبة 717%؟

علّق نقيب الصحفيين السابق وعدد من الخبراء على ما اعتبروه تناقضًا في الأرقام المعلنة، مشيرين إلى ما كتبه نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي:

«أشارت موازنة المتحف المصري الكبير للسنة المالية الحالية 2026/2027، والواردة بالقانون 128 لسنة 2026، والمنشورة بالجريدة الرسمية العدد 27 مكرر (ل) في السابع من يوليو الحالي، إلى بلوغ إيرادات المتحف الكبير 572 مليون جنيه، أي ما يعادل 11.44 مليون دولار عند سعر صرف خمسين جنيهًا للدولار.

وتوزعت الإيرادات البالغة 572 مليون جنيه ما بين 500 مليون جنيه تمثل إيرادات النشاط، وأبرزها تذاكر دخول الزائرين للمتحف والفعاليات التي تقام به من مؤتمرات ومعارض مؤقتة، أي ما يعادل عشرة ملايين دولار، بالإضافة إلى 72 مليون جنيه تمثل إيرادات وأرباحًا أخرى.

وعلى الجانب الآخر، بلغ إجمالي التكاليف والمصروفات للمتحف خلال العام المالي الحالي 572 مليون جنيه، وهو ما يشير إلى تعادل كل من الإيرادات والمصروفات المتوقعة، دون تحقيق أي ربح خلال العام المالي».

صحافة اللجان وأوهام الأرقام المليارية

في الوقت الذي يسجل فيه المتحف تعادلًا صفريًا في موازنته الرسمية، تعود إلى الواجهة تصريحات ومانشيتات إعلامية سابقة، من بينها ما نشرته «جريدة الدستور» لصاحبها محمد الباز، والتي بشّرت المتابعين بموسم سياحي أسطوري تحت عنوان: «بشاير المتحف.. وصول إيرادات السياحة إلى 20 مليار دولار سنويًا»!

وعند استعادة هذه المانشيتات، قوبلت بسخرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث علّق أحد المتابعين بمرارة:

«ساخر: كده فل أوي.. نضيفهم مع الـ100 مليار بتوع قناة السويس بعد افتتاحها، والـ180 مليار بتوع المؤتمر الاقتصادي بعد انعقاده.. يبقى كده معانا 300 مليار دولار مقفولين سنويًا. خلاص مفيش قروض تاني وهنسدد كل ديوننا، ويزيد دخل المواطنين، وترخص الأسعار، ونفرم الدولار.. ولو قلت غير كده تبقى خاين ومش بتحب مصر وحاقد وغبي وحمار!!»

تحليل الخسارة الحقيقية

وتداخل محمد رجب (Mohamed Ragab) في النقاش عبر منشور أوضح فيه ما اعتبره خطورة هذا التعادل المالي لمشروع بحجم المتحف المصري الكبير، قائلًا:

«.. كده الإيرادات قد المصروفات.. يعني لا كسبنا ولا خسرنا.. لا طبعًا خسرنا، لما يكون عندك واحد من أكبر متاحف العالم والناس عليه طوابير من المصريين والعرب والأجانب، ومش بتحقق أرباح محترمة، تبقى خسرت.. وبناءً عليه في كام سؤال:

يعني إيه نتفاجئ بالمصروفات؟ المفروض أي مصروفات معروفة مقدمًا ومدرجة في ميزانية، لا يجب أبدًا تخطيها؟

يعني إيه الرقم المعلن بالجنيه المصري، وضمن إيرادات المتحف من تذاكر الأجانب تحصيل دولاري؟

هل إيرادات المتحف الكبير من بيع التذاكر فقط، ولا في أنواع أخرى زي إيجار محلات وباركنج وحفلات؟

مشكل مشروع في أول سنة تتساوى فيه إيراداته مع مصروفاته، يبقى صح، لأننا أمام مشروع فريد أنعش أصلًا السياحة في مصر».

أين تذهب الإيرادات الحقيقية؟

بينما تشير الموازنة المعلنة إلى توازن مالي يحول دون تحقيق أرباح صافية، رغم ضخامة تكلفة إنشاء المشروع التي قُدرت في تقديرات متداولة بين 1.2 و1.5 مليار دولار، معتمدة على قروض ميسرة من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) بقيمة تتراوح بين 600 و800 مليون دولار، تظهر في المقابل أرقام مرتبطة بشركة «أوراسكوم بيراميدز» المشغلة للخدمات، والتي يمتلكها رجل الأعمال نجيب ساويرس.

وكشفت الحسابات والتصريحات التي نشرتها حسابات وصفحات، من بينها «العربية Business – مصر»، عن مفارقات أثارت تساؤلات، وذلك في 26 يوليو الماضي.

وتوقعت شركة «أوراسكوم بيراميدز» أن تتراوح إيرادات منطقة الأهرامات خلال العام الجاري بين 3 و3.5 مليار جنيه، مدفوعة بالنمو المستمر في أعداد الزوار وتحسن جودة الخدمات المقدمة، بمعدلات نمو سنوية تتراوح بين 20% و25%.

وتستهدف الشركة استقبال نحو 5 ملايين زائر بمنطقة الأهرامات خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 3.5 مليون سائح زاروا المنطقة العام الماضي، إلى جانب نحو 6 ملايين زائر للمتحف المصري الكبير.

وأوضح رئيس مجلس إدارة الشركة، عمرو جزارين، أن استراتيجية الشركة تركز على تعظيم القيمة المضافة لتجربة الزيارة، من خلال تطوير الخدمات السياحية والمطاعم المميزة داخل المنطقة، مثل «خوفو» و«9 بيراميدز لاونج»، باعتبارها من أبرز مصادر تعزيز الإيرادات.

وبحسب التصريحات المنشورة، تذهب تذاكر الدخول بالكامل إلى وزارة الآثار المصرية، بينما تحصل شركة «أوراسكوم بيراميدز» على إيرادات من الخدمات الأخرى، في حين تبلغ المصروفات التشغيلية للمنطقة نحو 10 ملايين جنيه شهريًا.

هذا التباين أثار تساؤلات حادة بين المواطنين والخبراء: كيف يمكن أن يتضاعف عدد زوار المتحف المصري الكبير ومنطقة الأهرامات، التي تدير خدماتها شركة خاصة، بينما تظل الإيرادات الرسمية للمتحف، وفقًا للموازنة المعلنة، عند مستوى يتساوى فيه الإيراد مع المصروف دون تحقيق أرباح صافية؟

حسابات بسيطة تفضح الفجوة المالية

وفي محاولة لتفنيد حجم الإيرادات التي كانت متوقعة ونشرتها بعض اللجان، مقارنة بالواقع المالي المعلن، نشرت Sherin Helal حسابات تقديرية تفصيلية توضح أن إيرادات التذاكر وحدها، بافتراض متوسط 30 دولارًا لتذكرة الأجنبي و200 جنيه للمصري، مع آلاف الزوار يوميًا، إلى جانب إيرادات الحفلات والمناسبات، وإيجار المحلات والمطاعم، وتراخيص الدعاية، والورش التعليمية، قد تصل إلى أرقام تتراوح بين 40 و50 مليون دولار سنويًا من الأنشطة الإضافية وحدها، وفقًا لهذه التقديرات.

وترى هذه الحسابات أن مثل هذه الإيرادات كان يمكن أن تسهم في استرداد تكلفة إنشاء المتحف خلال سنوات معدودة، إذا صحت الافتراضات الواردة فيها.

وعلى الجانب الآخر، علّق حساب عبدالله بن محمد (تاجر بهايم) على منصة «إكس» بسخرية قائلًا:

«لو افترضنا أن المتحف بيشتغل فيه ألف موظف، متوسط الراتب 10 بواكي، ده معناه 120 مليون سنويًا، و130 مليون مصاريف صيانة وتشغيل وحراسة، فين بقى باقي الـ572 مليون؟ يا حرامية يا وسخ!»

وتبقى التساؤلات المطروحة بحاجة إلى إجابات رسمية واضحة: هل تعكس أرقام الموازنة جميع الإيرادات التي يحققها المتحف بالفعل؟ وهل توجد إيرادات أو أنشطة مرتبطة بالمتحف لا تظهر بشكل مباشر في بند إيراداته؟ وما طبيعة العلاقة المالية والتعاقدية بين إدارة المتحف والشركات الخاصة التي تقدم خدمات للزوار؟

الإجابة عن هذه الأسئلة، ونشر تفاصيل الإيرادات والمصروفات والعقود ذات الصلة، قد تكون كفيلة بحسم الجدل حول حقيقة العائد الاقتصادي للمتحف المصري الكبير، وما إذا كان التعادل المالي المعلن يعكس الواقع الكامل أم أن هناك إيرادات أخرى تحتاج إلى مزيد من الإفصاح والشفافية.

الروابط:

https://www.facebook.com/photo/?fbid=10226141408841419&set=a.10201870141954916

https://web.facebook.com/photo/?fbid=10175532489460508&set=a.419324945507&_rdc=1&_rdr

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1031763729612543&set=a.142260341896224

https://x.com/AliMoham88/status/2082975635798917512