نشر الدكتور أيمن منصور ندا مقالاً بتاريخ 15 أغسطس 2026 بعنوان «حين يكتب المخرج التاريخ بالمونتاج: خالد يوسف عندما يصبح الخيال السينمائي نظريّة سياسيّة»، رداً على مقال المخرج خالد يوسف «في ظلال الخوف»، منتقداً إسقاطات الأخير السياسية واعتماده أدوات الإخراج السينمائي في قراءة تاريخ مصر السياسي، أبرز نقاط رد د. أيمن منصور ندا أدوات المخرج: استخدام خالد يوسف لمفاهيم البطل، والشرير، والمؤامرة، والمشهد الكبير في تحليل الواقع السياسي، أزمة المونتاج التاريخي: انتقاد محاولة جعل خمسين عاماً من التاريخ تسير وكأنها مرسومة مسبقاً نحو نهاية اختارها المخرج، الخلط الفكري: الفصل بين تقدير خالد يوسف كمخرج سينمائي موهوب ومثقف، وبين ضعف وقصور النظرية السياسية عندما تبنى على الخيال الفني.
نص المقال
حين يكتب المخرج التاريخ بالمونتاج
خالد يوسف: عندما يصبح الخيال السينمائي نظرية سياسية
خالد يوسف مخرج موهوب، لا خلاف على ذلك، وهو أيضاً من ذلك النوع النادر من الفنانين الذين لم يكتفوا بالوقوف خلف الكاميرا؛ ظل مثقفاً عضوياً، متفاعلاً مع قضايا مجتمعه، قريباً من الناس، منحازاً لما يراه عدلاً، وحاضراً في المجال العام حتى عندما كانت تكلفة الحضور أعلى كثيراً من تكلفة الصمت، وهذه كلها صفات تستحق الاحترام، حتى عندما نختلف معه. المشكلة تبدأ فقط عندما ينتقل خالد من السينما إلى الفكر السياسي حاملاً معه أدوات المخرج كلها: البطل، والشرير، والمؤامرة، والمشهد الكبير، ثم المونتاج الذي يستطيع دائماً أن يجعل خمسين عاماً من التاريخ تبدو كأنها كانت تسير منذ البداية نحو النهاية التي اختارها صاحب الفيلم.
وهذا تقريباً ما فعله في مقاله الأخير "في ظلال الخوف"، إذ أخذ السادات ومبارك ويناير والإخوان ويونيو والأحزاب والجيش، ووضع الجميع في غرفة المونتاج، ثم قصّ المشاهد التي تربك الحبكة، ورتب الباقي، فخرج لنا الفيلم: النظام والإخوان متزوجان سراً منذ نصف قرن، يتخانقان أمام الجمهور ويحتاج كل منهما الآخر خلف الكواليس، حبكة مثيرة جداً، تليق بخالد يوسف المخرج؛ المشكلة فقط أنها قُدمت هذه المرة باعتبارها تحليلاً سياسياً، ناسياً ومتجاهلاً أن مادة التاريخ لا تصلح معها برامج المونتاج، والسياسة ليست فيلماً ينقصه عمرو سعد وسبع دقائق خناقة في النهاية..
الخطيئة المنهجية الأساسية في المقال بسيطة: خالد ينتقل من "هذا ما حدث" (وهو ما يعرفه الجميع) إلى "إذاً هذا ما أرادوه" (وهو ما يعرفه خالد يوسف فقط) وفقاً لهذا السيناريو، فقد استخدام السادات الإسلاميين في مواجهة الناصريين واليسار؛ إذاً كان يريد منذ البداية أن يصنع منهم بديلاً وحيداً، ومبارك أضعف الأحزاب وسمح للإخوان بالتمدد؛ إذاً فعل ذلك عمداً حتى يبقوا الفزاعة الجاهزة عند الحاجة، وبعد 2013 تلقى الإخوان الضربة الأعنف في تاريخهم الحديث؛ لكن لا مشكلة، فهذا أيضاً، وفق الفيلم، جزء من الخطة لإبقائهم أحياء، إنها نظرية مريحة جداً: إذا قوّيت الإخوان فأنت تريد بقاءهم، وإذا سجنتهم فأنت تريد بقاءهم، وإذا اختفوا فأنت تخبئهم للمشهد الأخير.. ومن يعرف كل هذه النوايا الممتدة عبر نصف قرن؟ لا أحد.. سوى خالد يوسف: " أنا يا بنتي".
المشكلة أن النتيجة ليست دليلاً على النية؛ فقد تصنع الأنظمة بقراراتها نتائج لم تخطط لها، وقد تستفيد من واقع أسهمت فيه دون أن تكون قد رسمته قبل عشرات السنين، أما عند خالد يوسف، فـ"النظام" كائن خالد ومستمر، عاش من السادات إلى مبارك إلى اليوم، يورث كل رئيس للرئيس التالي الخطة نفسها، وكأن هناك دوسيهاً سرياً فوقه عبارة: "الإخوان.. يُفتح عند اللزوم" والمؤكد أن السياسة المصرية أكثر ارتباكاً من ذلك بكثير، وربما أقل ذكاء أيضاً.. والمؤكد أيضاً أنه ليس كل شيء مؤامرة؛ أحياناً يكون سوء الإدارة كافياً جداً، وهو ما نعاني منه بشدة منذ عقود طويلة.
ثم يدخل الرئيس عبدالناصر إلى الفيلم، وهنا تتغير الإضاءة والموسيقى وقواعد التحليل كلها، القمع عند الآخرين يصنع التطرف، أما عند عبدالناصر فيهزم التطرف، إغلاق المجال السياسي عند الآخرين استبداد، أما عند عبدالناصر فهو "مشروع وطني"! السجون عند الآخرين دليل على فشل السياسة، أما في الستينيات فتكاد تصبح من مستلزمات الديكور بجوار السد العالي، وهذه من عجائب القراءة الناصرية للتاريخ: تمنح عبدالناصر دائماً "السياق" و"الظروف" و"المشروع"، ثم تحاكم خصومه بالنتائج وحدها.. يدخل الناصري امتحان التاريخ ومعه دائماً الإجابة النموذجية: عبدالناصر صح؛ والمطلوب فقط أن تشرح لماذا.. والناصرية، في بعض تجلياتها عند خالد يوسف، مدرسة سياسية نادرة، تمتلك قدرة خارقة على (التنبؤ بالماضي): تعرف بعد وقوع كل كارثة بالضبط لماذا كان عبدالناصر على حق قبل خمسين عاماً!
حتى فكرة خالد عن "المديوكر" جذابة سينمائياً أكثر منها سياسياً.. السلطة، في تصوره، تختار (القيادات النص نص) عمداً حتى لا يرفعوا تطلعات الناس.. والحقيقة ربما أبسط وأقسى: الأنظمة شديدة المركزية قد تنتج القيادات الضعيفة بصورة طبيعية، لأنها تكافئ الطاعة أكثر من الابتكار، والسلامة أكثر من المبادرة.. والشخص المديوكر لا يحتاج إلى مؤامرة كي يصل؛ أحياناً يكفيه أن يجيد قول "تمام يا فندم" في التوقيت المناسب.. يا أستاذ خالد: إنَّ تحويل كل مسؤول ضعيف إلى جزء من خطة عبقرية لمنع النهضة يمنح النظام من الذكاء ما لا تدعيه السلطة نفسها..
وخالد يعرف أيضاً، بثقة لافتة، أنه "لا ثورة قريبة"! (الله يطمنه).. وهذه وحدها تحتاج بعض التواضع أمام التاريخ؛ فالثورات تحديداً من أكثر الظواهر استعصاءً على التنبؤ، وغالباً ما تبدو مستحيلة قبل أن تصبح فجأة أمراً واقعاً.. صحيح أنه سبق أن استشرف لحظتين كبيرتين، لكن النجاح في قراءة المشهد مرتين لا يمنح صاحبه جهاز إنذار مبكر يعمل إلى الأبد.. وقد تبدو المجتمعات ساكنة سنوات، ثم تكتشف في صباح واحد أن السكون لم يكن استقراراً بل تراكماً.. والمؤكد أن توقع ثورتين إنجاز يحسب لخالد يوسف، لكنه لا يحوّله إلى "نوستراداموس" مصر الجديدة، ولا يمنحه اشتراكاً مفتوحاً في خدمة الغيب السياسي..
ومع ذلك، يصيب خالد في نقطة مهمة: تجفيف المجال السياسي وإضعاف البدائل المدنية يجعل المجتمع أسيراً لسؤال "ومن البديل؟".. لكن حتى هذه الفكرة يضعفها خالد يوسف عندما يكاد يعفي المعارضة المدنية من مسؤوليتها عن حالها.. فالأحزاب والقوى المدنية لم يضعفها الأمن وحده؛ أضعفتها أيضاً نرجسية القيادات، والشخصنة، والانقسامات، والعجز عن بناء قواعد اجتماعية حقيقية.. إرجاع الفشل الذريع للقوى المدنية إلى الاختراق الأمني وحده، وتفسير ضعفها باعتباره مؤامرة من النظام ليس صحيحاً؛ لدى هذه الأحزاب والقوى المدنية، والحمد لله، اكتفاء ذاتي معتبر من الفشل، ولا تحتاج إلى وسائل مساعدة من النظام!
أتفق إذاً مع خالد يوسف في أن مصر تحتاج إلى الخروج من "ظلال الخوف"، لكنني أخشى عليها أيضاً من ظلال المخرج حين يدخل غرفة المؤرخ: ينتقي الوقائع، ويقصّ المشاهد المزعجة، ويختار البطل والشرير، ثم يضع الموسيقى التصويرية، ويكتب في النهاية: "مستوحى من أحداث حقيقية".. والمقال مستوحى بالفعل من أحداث حقيقية؛ أما الأحداث الحقيقية نفسها فأكثر تعقيداً، وأقل ناصرية، وأقل سينمائية بكثير..
مقال خالد يوسف ممتع، ومثير، وفيه بطل وشريران ومؤامرة ممتدة ونهاية تحمل مفاجأة.. وهو يتفق مع اسم الموقع الذي نشره (قصة) ويحتوي كذلك على (مناظر سياسية) مثيرة.. أي أنه، بالمقاييس الفنية، فيلم لخالد يوسف بامتياز… المشكلة الوحيدة أنه نُشر في باب المقالات، وتلك هي أم المشكلات.. ولا نملك إزاء ذلك إلا أن نردد الشعار الخالد: (سيما أونطة.. هات فلوسنا)!
أ .د. أيمن منصور ندا