بذكرى وفاة مُؤسسُ الاستبداد وصانعُ النكسات .. هل قادت “الناصرية” “صباحي” لدور الكومبارس َ للسيسي ؟!

- ‎فيتقارير

عاد اسم الصحفي حمدين صباحي إلى الواجهة مصحوبًا بجدل قديم يتجدد كلما طُرحت "الناصرية" باعتبارها مشروعًا ل"قيادة" مصر، فتصريح صباحي بأن "مصر لن تكون قوية وكبيرة إلا بالمشروع الناصري" لم يمر بوصفه رأيًا عابرًا، بل استدعى سيلًا من الردود التي أعادت فتح ملف الرجل نفسه: علاقته بثورة يوليو، وموقفه من جماعة الإخوان، ودوره في مرحلة ما بعد 25 يناير، وموقفه من أحداث 30 يونيو وما تلاها.

وصباحي كأحد إفرازات هذا "المشروع" لم يكن مجرد متفرج على التحولات التي أعادت تشكيل النظام السياسي، بل كان فاعلًا سياسيًا داخل المعارضة المدنية التي انقلبت على الديمقراطية التي تحمل في طياتها المحاسبة والمراقبة والخلع والإبعاد، وهو ما يجعله مسؤولا سياسيا عن توابع انقلاب فاسد وكاذب على حد إشارته، أن القمع والسجون وغياب الحريات كان سمة "المشروع" الناصري و"لكنه لم  يكن فاسدا أو  كاذبا"، حيث لا يمكن فصلها عن النتائج التي ترتبت على ذلك المسار.

المفارقة، أن صباحي قدم نفسه لسنوات باعتباره معارضًا للسلطة، بينما هو اليوم جزء من المشهد السياسي الذي أفرزته مرحلة ما بعد الانقلاب على الديمقراطية، وبحسب هذا التصور، فإن الأزمة ليست فقط في كون صباحي ناصريًا، وإنما في محاولة الجمع بين ميراث سياسي شديد القمع وبين خطاب "ديمقراطي" الانقلاب لعبت الإنقاذ دور المحلل "المدني" له، فمارست الكذب، ومن ثم الفساد إلى جوار أعتى مجرميه.

حصيلة أخطاء لا مشروع خلاص

وكان السؤال الذي أجاب عنه مراقبونك هل يمكن استعادة "المشروع" الناصري بعد اقتطاع عناصره السلطوية والعسكرية والحزبية والأمنية؟ أم أن حذف هذه العناصر يعني في النهاية إنتاج مشروع مختلف تمامًا عن الناصرية التاريخية؟

وقدم  د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem واحدًا من أكثر الردود مباشرة على دعوة صباحي، إذ تعامل مع العبارة بمنطق المفارقة الساخرة، فهو يقول: "إنه يوافق صباحي على أن مصر تحتاج المشروع الناصري، ولكن لكي تضيع سيناء مرتين، ولكي نهزم أربعة هزائم مذلة، ولكي تُملأ السجون بالمعتقلين، ولكي نؤسس دولة الانقلابات والعسكرتارية".

 

وجوهر هذا الرد أن تقييم الناصرية لا ينبغي أن يبدأ من الشعارات المتعلقة بالاستقلال والعدالة الاجتماعية والقومية العربية، بل من نتائج التجربة كما يراها منتقدوها: حرب 1967، مركزية السلطة، غياب التعددية السياسية، الاعتقالات، وتصدير المؤسسة العسكرية في الدولة عن سواها.

 

ويصل غنيم إلى خلاصة شديدة القسوة حين يعتبر أن استمرار المشروع الناصري يعني استمرار الأزمة، وأن المطلوب هو "قطع العلاقة معه"، فيرى أن إخفاقات التجربة ليست أخطاء عرضية يمكن إصلاحها، وإنما نتائج مرتبطة بطبيعة النظام نفسه.

مات الصنم وبقيت الفاتورة

أما @Mehagopyan وبمناسبة ذكرى وفاة جمال عبد الناصر، التي كانت قبل نحو أسبوع فقد اختار مهاجمة الإرث الناصري من زاوية مختلفة: زاوية الدولة والمجتمع والاقتصاد والمؤسسات.

ووصف الحساب مصر قبل يوليو بأنها كانت تمتلك عمقًا اجتماعيًا ومعماريًا، ثم جاء عبد الناصر فانتهى إلى تأميم واحتكار الاقتصاد والسياسة والمجتمع لصالح الشخص والرمز والتنظيم الواحد، وفي تقييمه، لم تكن المشكلة في السياسات منفردة، وإنما في تحويل الزعيم إلى مركز النظام بأكمله.

 

وربط بين التجربة الناصرية وبين الهزيمة العسكرية عام 1967، معتبرًا أن الجماهير التي عاشت على وعود النصر اكتشفت أمام الواقع كلفة المغامرات السياسية والعسكرية، ويستخدم تعبيرًا بالغ الدلالة: "مات الصنم المعبود، وبقيت الفاتورة".

وبحسب الحساب؛ فصباحي ليس مجرد "سياسي" مارس دور المحلل والكومبارس للحاكم العسكري، بل صاحب "مشروع" له فاتورة تاريخية متعاظمة السوءات ما زالت محل رفض وخلاف، فلماذا يعيد إنتاج اسمها بوصفها الحل؟!

تاريخ يصعب اختزاله في صورة الزعيم

 

في منشور آخر، يستعيد المستشار الإعلامي أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) صورة لجمال عبد الناصر وسط شخصيات من جماعة الإخوان المسلمين، ويضعها في سياق العلاقة المبكرة بين الضباط الأحرار والإخوان، ثم ينتقل إلى الصدام اللاحق بين الطرفين، بما في ذلك محاكمات وإعدامات قيادات إخوانية.

 

واستعاد أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) جانبًا من العلاقة التاريخية بين جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين، وركز عبد العزيز على المفارقة بين المشهد الذي يظهر فيه عبد الناصر إلى جانب عدد من قيادات الإخوان، وبين الصدام الذي وقع لاحقًا بين الطرفين، وانتهى إلى حملة اعتقالات ومحاكمات بحق قيادات وأعضاء الجماعة، وإعدام عدد من قياداتها.

وبحسب التعليق الذي نشره عبد العزيز، فقد حاول تحديد عدد من الشخصيات الظاهرة في الصورة، مشيرًا إلى وجود عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وجمال سالم وزكريا محيي الدين في الصف الخلفي، بينما أشار إلى وجود المرشد الثاني لجماعة الإخوان حسن الهضيبي في مقدمة المشهد، إلى جانب عدد من قيادات الجماعة وشخصيات سياسية ودينية أخرى.

 

ويستند عبد العزيز إلى هذه الصورة ليطرح سؤالًا حول التحولات التي شهدتها العلاقة بين الطرفين بعد يوليو 1952، فالصورة، في قراءته، تقدم مشهدًا لعلاقة سياسية كانت قائمة في مرحلة مبكرة، قبل أن يتحول الإخوان إلى أحد أبرز خصوم نظام عبد الناصر.

 

ويشير عبد العزيز إلى "محكمة الشعب" التي شكلها نظام يوليو، معتبرًا أن المحكمة استخدمت لاحقًا في محاكمة عدد من قيادات الإخوان، وأن أحكامًا بالإعدام صدرت بحق بعضهم، بينما تعرض آخرون للسجن.

 

ومن بين الأسماء التي ذكرها عبد العزيز الشيخ محمد فرغلي والمستشار عبد القادر عودة، وهما من قيادات الإخوان الذين أُعدموا في عهد عبد الناصر.
 

https://x.com/AAAzizMisr/status/2105012541642465626

 

حمدين يريد ناصرية منقحة

من أكثر الانتقادات تركيبًا ما طرحه أيمن منصور ندا، الذي لا يكتفي بمهاجمة صباحي، وإنما يضع إصبعه على ما يراه تناقضًا بنيويًا في مشروعه، بحسب ندا، فإن صباحي "ناصري في العقيدة"، لكنه تحالف سياسيًا في لحظة ما مع خصوم عبد الناصر التاريخيين، كما أنه يريد الاحتفاظ بصورة الدولة القوية والعدالة الاجتماعية والمشروع القومي، مع إسقاط السجون والحزب الواحد والسلطوية.

 

ويخصص ندا مساحة كبيرة لما يعتبره تناقضات في شخصية صباحي السياسية، وفي مقدمتها الجمع بين الانتماء الفكري إلى الناصرية وبين التحالف السياسي مع جماعة الإخوان المسلمين في بعض الاستحقاقات الانتخابية.

 

ويرى الكاتب أن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في تجربة صباحي؛ فالتيار الناصري ينتمي تاريخيًا إلى معسكر سياسي دخل في صدام حاد مع الإخوان، بينما وجد صباحي نفسه في مرحلة لاحقة متحالفًا معهم انتخابيًا عندما اقتضت الحسابات السياسية ذلك.

 

ويطرح ندا المسألة باعتبارها مثالًا على الفارق بين الهوية الأيديولوجية والممارسة السياسية، معتبرًا أن الخصوم التاريخيين يمكن أن يتحولوا إلى حلفاء عندما تتغير الحسابات الانتخابية.

سجل سياسي آخر لصباحي

وشنّ خالد السرتي هجومًا حادًا على حمدين صباحي، مستعرضًا ما اعتبره سلسلة من المواقف السياسية التي تكشف، من وجهة نظره، تناقضًا بين خطاب صباحي المعارض وبين أدواره ومواقفه خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير.

 

وعدد السرتي في منشور مطول مجموعة من الوقائع التي يرى أنها تمثل جوهر اعتراضه على صباحي، من بينها مشاركة حزب صباحي في تحالفات انتخابية مع جماعة الإخوان المسلمين، ثم مهاجمته للجماعة سياسيًا، معتبرًا أن هذا يعكس براجماتية سياسية تتناقض مع الصورة التي يقدم بها نفسه.

 

كما توقف السرتي عند انتخابات الرئاسة عام 2012، مشيرًا إلى أن صباحي، بعد حصوله على المركز الثالث، طالب، إلى جانب شخصيات أخرى، باستكمال المرحلة الانتقالية من خلال صيغة رئاسية بديلة، بدلًا من انتقال السلطة إلى المرشح الذي حصل على أعلى الأصوات، ويرى السرتي أن هذا الموقف كان يمثل، بحسب تقييمه، تدخلًا في مسار انتخابي كان يفترض احترام نتيجته.

 

وانتقد السرتي كذلك مواقف صباحي من بعض قرارات الرئيس محمد مرسي، ومن بينها اعتراضه على إقالة النائب العام، وموقفه من الإعلان الدستوري، معتبرًا أن صباحي كان أكثر تشددًا في الاعتراض على قرارات السلطة المنتخبة مقارنة بمواقفه من الإعلانات الدستورية التي صدرت عن المجلس العسكري، بحسب روايته.

 

ويشير السرتي أيضًا إلى مشاركة صباحي في احتجاجات معارضة لحكم مرسي، وإلى دوره في «جبهة الإنقاذ»، التي يعتبرها جزءًا رئيسيًا من المسار السياسي الذي سبق تدخل الجيش في يوليو 2013. كما يوجه إليه انتقادًا بسبب موقفه من الانتخابات الرئاسية المبكرة، ثم مشاركته لاحقًا مرشحًا في الانتخابات الرئاسية التي جرت في عهد عبد الفتاح السيسي.

 

ومن أكثر النقاط التي يركز عليها السرتي اتهامه صباحي بأنه انتقل، بحسب رؤيته، من معارضة حكم مرسي إلى تأييد السيسي، رغم الأحداث الدامية التي صاحبت فض اعتصامي رابعة والنهضة. ويعتبر أن هذا الانتقال يمثل تناقضًا جوهريًا في مواقف صباحي السياسية.

 

وفي نهاية منشوره، يقول السرتي: "إن الانتقادات الموجهة إلى هذه المواقف لا ينبغي أن تُرد بإعادة النقاش إلى أخطاء جماعة الإخوان، معتبرًا أن السؤال الأساسي، في رأيه، يجب أن يظل متعلقًا بمواقف صباحي نفسه ومسؤوليته السياسية عنها".

اتهام صباحي بالمشاركة في مسار «الانقلاب المدني»

 

من جانبه، تناول الصحفي عامر شماخ الجدل حول صباحي من زاوية أكثر مباشرة، معتبرًا أن ما وصفه بحملة الدفاع عنه تستهدف، في رأيه، إعادة تقديم صورته السياسية وتجاوز مواقف سابقة يعتبرها شماخ أساسية في تقييم تجربته.

 

ووصف شماخ صباحي بأنه أحد رؤوس الانقلاب المدني، وهو توصيف سياسي يقدمه الكاتب ضمن رؤيته لأحداث 2013، في إشارة إلى القوى المدنية التي عارضت حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي وشاركت في الحراك السياسي الذي سبق تدخل القوات المسلحة وعزل الرئيس.

 

كما استحضر شماخ عددًا من الاتهامات المتعلقة بأحداث العنف التي شهدتها تلك المرحلة، متسائلًا عن مسؤولية القوى السياسية المشاركة في الاحتجاجات عن الاعتداءات على مقار الخصوم السياسيين واقتحام بعض المنشآت، ومشيرًا إلى وقائع قال: "إنها تستحق إعادة الفحص والمساءلة".

 

وفي سياق هجومه على صباحي، أشار شماخ كذلك إلى طرح منسوب إليه يتعلق بإجبار مرسي على التنحي وتشكيل مجلس رئاسي، معتبرًا أن مثل هذه الأفكار، من وجهة نظره، تكشف عن استعداد لدى بعض القوى المدنية لتجاوز نتيجة الانتخابات من أجل إنهاء حكم الإخوان.

 

ويذهب شماخ إلى أن المشكلة، بحسب قراءته، لا تتعلق فقط بموقف صباحي من جماعة الإخوان، وإنما بما ترتب سياسيًا على هذا الموقف. فهو يرى أن القوى التي ساهمت في إسقاط حكم مرسي وجدت نفسها لاحقًا أمام نظام أكثر ارتباطًا بالمؤسسة العسكرية، وهو ما يستخدمه لتبرير وصفه المسار السابق بأنه انقلاب مدني شاركت فيه قوى سياسية معارضة للإخوان.

 

وفي منشور آخر، عاد الكاتب الصحفي عامر شماخ إلى اسم جمال زهران، أحد الشخصيات الناصرية، متسائلًا عن اختفاء حضوره من النقاش السياسي المصري مقارنة بما كان عليه عام 2012، وربط شماخ بين هذا التراجع وبين تغير موقع الإسلاميين في المعادلة السياسية، معتبرًا أن بعض الناصريين كانوا أكثر استعدادًا للتسامح مع السلطة عندما أصبح خصمهم الرئيسي خارج المشهد.

مسدس صوت أم مشروع سياسي حقيقي؟

 

مسار عبد الناصر كان أشبه ب"مشروع مسدس صوت" كما اختصره البعض واختصره آخرون بأنه "الحنجوري"، وفي القراءة النقدية، مشكلة أعمق: مشروع يرفع صوت الشعارات أكثر مما يقدم إجابة عن الدولة الحديثة، واقتصادها، ومؤسساتها، وحقوق مواطنيها.

وإذا كان صباحي يريد مشروعًا ناصريًا جديدًا، (بحسب ما طرح في برنامجه في انتخابات 2012 التي خسرها أمام مرشح الإخوان المسلمين د. محمد مرسي) فما الضمانات التي تمنع عودة مركزية السلطة؟ وما موقع الانتخابات الحرة؟ وما حدود سلطة الجيش؟ وما مصير التعددية الحزبية؟ وكيف تُحمى المعارضة من الدولة التي يقال إنها قوية؟ وماهي حدود الاختراقات الصهيونية لأسرته؟

استدعاء الناصرية بحسب مراقبين دون الإجابة عن هذه الأسئلة يعيد إنتاج الأزمة تحت اسم جديد، أما المدافعون عنها فيرون في الناصرية مشروعًا للعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني لا ينبغي اختزاله في أخطاء مرحلة تاريخية.

 

وبين القراءتين يبقى التحدي الحقيقي أمام أي مشروع يريد قيادة مصر: ليس أن يثبت أنه أكثر وطنية أو أكثر قومية أو أكثر قدرة على رفع الشعارات، بل أن يثبت أنه يستطيع بناء دولة قوية من دون أن تصبح قوة الدولة أقوى من المواطن، ومن دون أن يتحول المشروع إلى زعيم، والزعيم إلى نظام، والنظام إلى حقيقة لا يجوز نقدها.