مجزرة بشعة وجريمة مكتملة الأركان.. السيسي يتوغل بدماء السودانيين بدعوى مساندة “الجيش”!

- ‎فيعربي ودولي

أثار مقتل عشرات المعدّنين السودانيين في غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين قرب الحدود المصرية السودانية موجة من الجدل السياسي والإعلامي، امتدت من التساؤلات حول ملابسات العملية وموقعها الجغرافي، إلى طبيعة التعامل الأمني مع أنشطة التعدين غير القانوني، وصولًا إلى مستقبل العلاقات بين القاهرة والخرطوم.
وتداولت تقارير ومنشورات حصيلة أولية بلغت 72 قتيلًا على الأقل، بينما تحدثت منشورات أخرى عن أعداد أكبر، وصلت إلى ما بين 150 و200 قتيل. وتظل هذه الأرقام بحاجة إلى التحقق المستقل، كما ينبغي التمييز بين التقارير التي نقلت اتهامات بشأن الجهة المنفذة وبين الأدلة التي تثبت المسئولية بصورة قاطعة.

وبرزت أصوات مصرية انتقدت الضربة من منظور إنساني وأخلاقي، من بينها م.أحمد مولانا، الذي وصف مشاهد جثامين الضحايا بأنها محزنة، واعتبر أن اللجوء إلى القتل الجماعي لا يحل الأزمات، بل يُفاقم العداوة والضغائن.

وينطلق هذا الموقف من أن المخالفات القانونية، حتى إذا ثبتت، لا تجعل إزهاق الأرواح أمرًا مقبولًا، ولا تلغي ضرورة البحث عن وسائل أكثر تناسبًا في التعامل مع المخالفين.

وفي الاتجاه نفسه، رفض الصحفي قطب العربي @kotbelaraby التعدين غير القانوني، لكنه شدد على أن مواجهة هذه الأنشطة لا ينبغي أن تتم بالقتل، وطالب بتحقيق مستقل ومحاسبة المسئولين عن الواقعة.

وذهب "العربي" إلى ربط الحادث بنمط أوسع من التعامل مع الأرواح، معتبرًا أن الاستهانة بحياة البشر ليست مشكلة تخص السودانيين وحدهم، بل تمس المصريين أيضًا. ويعكس هذا الطرح انتقال النقاش من حدود تطبيق القانون إلى طبيعة السلطة وآليات المساءلة والرقابة على استخدام القوة.
كما انتقد حساب أحمد حاتم @AhmedHatim52040 الشماتة في الضحايا، معتبرًا أن الاحتفاء بمقتلهم يزيد العداوة والضغائن. ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل تصاعد خطاب يتعامل مع الضحايا باعتبارهم خصومًا أو مجرمين قبل التحقق من الوقائع، بما قد يحول الحادث من أزمة أمنية قابلة للمعالجة إلى خلاف اجتماعي وسياسي أعمق بين المصريين والسودانيين.

https://x.com/amawlana84/status/2109563626826698756

https://x.com/kotbelaraby/status/2109623110014050441

https://x.com/ABDOKHCR7/status/2109562496893833424

 

الغضب السوداني وحق المواطنين في الحياة
اتجهت مجموعة من الحسابات السودانية إلى التعبير عن غضب شديد إزاء سقوط الضحايا، مع التركيز على أن القضية لا تتعلق فقط بممارسة التعدين غير القانوني، بل كذلك بحق المواطنين في الحياة وواجب الدولة في حمايتهم.
وطرحت فطومة على إكس @FAlkabbash98089 تساؤلات مباشرة حول سبب اللجوء إلى الضربات الجوية بدلًا من إرسال قوات حرس الحدود أو استخدام وسائل أخرى للقبض على المعدّنين، كما تساءلت عما إذا كان التعامل سيكون بالطريقة نفسها لو كان الضحايا مصريين. ويعبر هذا الخطاب عن شعور بالظلم وعدم التكافؤ في قيمة حياة المواطنين، لكنه يظل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يغني عن التحقيق في تفاصيل العملية.
أما رشيد يوسف على إكس  @Rashidaxmed ، فقد وضع الحادث في إطار السيادة الوطنية، معتبرًا أن تكرار القصف داخل الأراضي السودانية، وفق روايته، يمثل مساسًا بحرمة الأراضي السودانية وواجب حماية المواطنين. وتكشف هذه اللغة عن تحول محتمل في طبيعة الجدل، من المطالبة بكشف ملابسات واقعة محددة إلى المطالبة بموقف وطني أوسع تجاه العلاقة الأمنية مع مصر.

وفي السياق ذاته، ركز حساب «هائم» على ضرورة التأكيد على أن الحادث وقع داخل الأراضي السودانية، وذهب إلى القول إن ذلك حدث للمرة الثانية. وتكتسب مسألة الموقع الجغرافي أهمية كبيرة، لأنها تؤثر في تحديد الاختصاص والسيادة والملابسات القانونية للعملية. غير أن تأكيد هذه المسألة يحتاج إلى أدلة جغرافية مستقلة وموثوقة، ولا ينبغي التعامل مع المنشورات وحدها بوصفها حسمًا نهائيًا لها.
كما أشارت داليا المهدي على إكس  @Aldana751، استنادًا إلى تقرير للتلفزيون العربي، إلى أن المعدّنين كانوا يعملون في منجم العقيدات قرب سوق الأنصاري، وطرحت سؤالًا عن سبب استهدافهم. ويعكس هذا المنشور مطلبًا بتوضيح طبيعة الموقع والهدف من العملية، لكنه لا يثبت وحده ملابسات الضربة أو المسئولية عنها.

 

https://x.com/Rashidaxmed/status/2109597778556878995

https://x.com/DailySudanPost/status/2109591719482151075

 

المؤيدون للضربة وتبريرها باعتبارات الأمن القومي 

في المقابل، ظهرت منشورات لمصريين دافعوا عن العملية العسكرية التي توغلت في الدماء انطلاقًا من اعتبارات حماية الحدود ومنع التسلل والتعدين غير القانوني.
ويقدم محمد المسلماني @Mo_Elmoslemany رواية مفادها أن المعدّنين دخلوا الأراضي المصرية عدة مرات، وأن تحذيرات سبقت استخدام الطيران، معتبرًا أن صبر الجيش له حدود. ويستند هذا الموقف إلى فكرة أن تكرار المخالفات أو وقوع تهديدات أمنية قد يبرر تشديد إجراءات الردع.
لكن هذا التبرير يعتمد على إثبات تفاصيل أساسية، من بينها مكان وقوع عمليات الدخول السابقة، وطبيعة التهديد الذي مثلته المجموعة المستهدفة، وما إذا كانت التحذيرات قد صدرت بالفعل، ومدى إمكانية القبض على الأفراد بدلًا من استهدافهم جويًا. فوجود نشاط غير قانوني لا يحسم وحده مسألة مشروعية كل وسيلة تُستخدم لمواجهته، كما أن حماية الحدود لا تعفي أي جهة من ضرورة التحقق من هوية المستهدفين وتقييم مخاطر القوة المستخدمة على المدنيين.
ويذهب حساب محمد أبوعاصي @massipress إلى أبعد من ذلك، إذ يصف الرد المصري بأنه شديد أو «مزلزل»، ويعتبر أن العملية استهدفت تجمعات تحاول اختراق الحدود وسرقة الموارد المصرية. كما يتهم منتقدي الضربة بأنهم واجهات لجهات سياسية أو فصائل سودانية، ويستند إلى رواية التحذيرات السابقة للدفاع عن تصرف الجيش. ويجمع هذا الخطاب بين تبرير العملية أمنيًا والطعن في دوافع المعارضين لها، وهو ما يستدعي التمييز بين الأدلة المتعلقة بالحادث وبين الاتهامات السياسية التي لا تثبت بمجرد تداولها.
أما بسنت عبدالقادر   Passant Albeyrekdar، فقد استخدمت لغة مهينة في وصف المعدّنين، وقللت من شأنهم باعتبارهم لصوصًا لا يستحقون التعاطف. ويمثل هذا النوع من الخطاب اتجاهًا مختلفًا عن الحجة الأمنية؛ فهو لا يكتفي بالدفاع عن تطبيق القانون، بل ينتقل إلى نزع الاعتبار الإنساني عن الضحايا. ويؤدي هذا الانتقال إلى إضعاف النقاش الموضوعي، لأنه يستبدل البحث في المسئولية والضرورة والتناسب بالتعميم والإهانة والشماتة.

https://x.com/albeyrekdar/status/2109586971509109091

 

بين الاعتبارات الأمنية والاعتراض على أسلوب التنفيذ

لا ينقسم الرأي المصري بالضرورة إلى مؤيدين للعملية ورافضين لها بصورة مطلقة؛ إذ توجد مواقف تجمع بين الإقرار بالمخاوف الأمنية والتحفظ على طريقة التعامل مع المعدّنين. ويظهر ذلك في منشور البراء على إكس، @baraa_JFT20 الذي أشار إلى مزاعم عن تحذيرات سابقة ومقتل عناصر من حرس الحدود، لكنه أبدى في الوقت نفسه صعوبة في تقبل استخدام الطيران الحربي بهذه الطريقة ضد المعدّنين.

ويمثل هذا الموقف محاولة للفصل بين سؤالين مختلفين: هل كانت هناك مخالفات أو تهديدات أمنية تستوجب التدخل؟ وهل كانت الضربة الجوية هي الوسيلة الضرورية والمتناسبة لمعالجة تلك المخالفات؟ فقد يقر المرء بحق الدولة في ضبط حدودها، لكنه يطالب في الوقت نفسه بأدلة على أن الوسيلة المستخدمة كانت ضرورية، وأن البدائل الأقل فتكًا لم تكن متاحة أو كافية.

وتكتسب هذه المنطقة الوسطى أهمية خاصة، لأنها تتيح نقاشًا يتجاوز الاصطفاف السياسي، فلا يجعل التعاطف مع الضحايا مساويًا لتجاهل المخاطر الحدودية، ولا يجعل الدفاع عن الأمن القومي مساويًا لقبول كل استخدام للقوة. وهي أيضًا المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها التحقيق المستقل مع مطالب الأمن والمساءلة في آن واحد.

https://x.com/ABDOKHCR7/status/2109562496893833424

خطاب السيادة وملفات سد النهضة وغزة وسيناء
أثارت الواقعة أسئلة أوسع لدى منتقدي السلطة المصرية بشأن اتساق الخطاب الرسمي في التعامل مع ملفات الأمن القومي والسيادة. وتتمثل المقارنة الأولى في سد النهضة، حيث يطرح منتقدون تساؤلات عن الفارق بين التشدد في التعامل مع أنشطة التعدين على الحدود، وبين الخيارات المصرية السياسية والدبلوماسية والأمنية في مواجهة ما تعتبره القاهرة تهديدًا لأمنها المائي. غير أن الملفين مختلفان من حيث طبيعة التهديد والأطراف والأدوات المتاحة، ولا تكفي المقارنة وحدها لإثبات تناقض سياسي دون تحديد التصريحات والقرارات المقصودة.

أما في غزة، فتدور المقارنة حول حماية المدنيين وحدود الضغط الدبلوماسي والسياسي، إذ يتساءل منتقدون عن مدى اتساق التشديد على الردع والسيادة في بعض الحالات مع السياسات المتبعة تجاه سقوط المدنيين في الحرب. ويحتاج هذا النقاش إلى تحديد السياسات والتصريحات المصرية المعنية، والتمييز بين المسئولية المباشرة عن العمليات العسكرية وبين المواقف الدبلوماسية أو القدرة على التأثير فيها.
وفي ملف سيناء، يستحضر بعض المنتقدين الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، ويطرحون أسئلة عن معنى السيادة وحماية السكان والحدود. غير أن الموقف الرسمي الرافض للتهجير القسري ينبغي تمييزه عن الادعاءات المتعلقة بوجود خطط أو موافقات سرية، التي لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق من دون أدلة موثوقة.

التغطية الإعلامية والمعلومات المتداولة
وفي المقابل، برز خطاب يركز على أن الواقعة مرتبطة بمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب وحماية الحدود والثروات المصرية، ويطالب بالاعتماد على المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء ما يصفه بالشائعات التي قد تضر بالعلاقات بين البلدين.
ونشر التلفزيون العربي تقارير عن سقوط قتلى وجرحى إثر غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين شمالي السودان، فيما تداول حساب Daily Sudan Post مقطعًا قيل إنه يوثق اللحظات الأولى للقصف. كما نقلت رويترز عن جهة حقوقية مقتل 72 معدّنًا سودانيًا على الأقل في ضربة. وتوفر هذه المواد نقاط انطلاق لفهم تطور التغطية الإعلامية، لكنها تختلف في طبيعتها: فالخبر الصحفي ينقل معلومات عن الواقعة، والتصريح الحقوقي يقدم حصيلة منسوبة إلى مصدر، والمقطع المتداول يحتاج إلى فحص مستقل لتحديد مكان تصويره وتاريخه وسياقه.
الصحفي السوداني المعتقل السابق في مصر عطاف محمد @atafmohamed3 تناول خبرا عن مقتل سائقين مصريين وإصابة ثالث في إطلاق نار بالخرطوم، مع الإشارة إلى القبض على المشتبه به وبدء التحقيق. ويمكن أن تندرج هذه الواقعة ضمن نقاش أوسع عن سلامة المصريين في السودان، لكنها لا تثبت وجود علاقة سببية بينها وبين مقتل المعدّنين، ولا تبرر تحميل السودانيين عمومًا مسئولية جريمة فردية أو اتخاذ إجراء انتقامي ضد مدنيين.

العلاقات المصرية السودانية
تضع الواقعة العلاقات بين القاهرة والخرطوم أمام اختبار حساس، لأن البلدين يرتبطان بمصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية مشتركة، في وقت يواجه فيه السودان تداعيات الحرب وتحديات إنسانية وأمنية واسعة. ويمكن أن يؤدي استمرار الغموض حول ملابسات الضربة إلى زيادة الضغط الشعبي على السلطات السودانية للمطالبة بتوضيحات وضمانات، بينما قد يؤدي اتساع خطاب الشماتة والتخوين إلى تحويل خلاف أمني محدد إلى أزمة اجتماعية وسياسية أعمق.
وفي المقابل، فإن احتواء الأزمة لا يتطلب تجاهل الاعتبارات الأمنية المصرية أو المطالب السودانية، بل يستلزم الفصل بين حق الدولتين في حماية حدودهما وبين ضرورة التحقيق في سقوط المدنيين. كما أن أي تقييم نهائي ينبغي أن يستند إلى أدلة عن موقع العملية، وهوية منفذيها، وطبيعة الهدف، والإنذارات السابقة إن وجدت، والخيارات التي كانت متاحة وقت التنفيذ.

وفي المحصلة، تكشف ردود الفعل عن ثلاثة مستويات متداخلة من الخلاف: خلاف على الوقائع والمسئولية عن الضربة، وخلاف على حدود استخدام القوة باسم حماية الحدود، وخلاف سياسي أوسع حول اتساق خطاب السيادة والأمن القومي في ملفات مصر الإقليمية. ويظل الفصل بين هذه المستويات شرطًا أساسيًا لتقديم معالجة منصفة، تحفظ حق الضحايا في التحقيق والمساءلة، وتعترف في الوقت نفسه بحق الدول في مواجهة الأنشطة غير القانونية وفق القانون، بعيدًا عن التعميم والشماتة والتخوين.