من المعلوم في علوم الأديان وتواريخها أنَّ القرابين كانت تُقدَّم للآلهة، وفي قصة ابني آدم، قدّم كلٌّ منهما قرباناً لله، فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر. وقد شاعت في المرويات تفسيرات، أكثرها من الإسرائيليات، تقول إنَّ الذي تقبّل الله منه كان قد قدّم لحماً، وإنَّ الذي لم يُتقبّل قربانه كان قد قدّم نباتاً. وفي هذا تشديد على أهمية البروتين الحيواني والغذاء والشبع، وعلو شأن اللحم على النبات، فضلاً عن غلاء ثمنه، لكن القرآن يقرر عبارة عامة: "إنما يتقبل الله من المتقين"، علماء الأناسة يربطون القربان الأوّل بأزمة الانتقال من الصيد إلى الزراعة.
الشائع في الانتخابات العربية هو عدُّ الأصوات، حتى إنَّ بعض النابهين يشنّع على فهم الناس للديمقراطية بوصفها أصواتاً وحسب، ويقول إنها طريقة حياة، وليست مواسم تشبه مواسم الحصاد أو نقاط كرة السلة، بل إنَّ الأصوات تُيَبَّس في الانتخابات العربية، مثلما تُجفف البامية والباذنجان تحت الشمس استعداداً للشتاء والمواسم الانتخابية القادمة، فالأموات ينتخبون في الصناديق العربية؛ إذ تحيي الحكومات العربية الموتى في مواسم الانتخابات، وتجعلهم يصوتون للرئيس.
أمست إسرائيل عضواً من جسد المنطقة، إذا اشتكى تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر، والواقع أنَّ الانتخابات في أمريكا وإسرائيل تقدم كثيراً من القرابين غالباً ما تكون من الشعوب الفقيرة والمهمشة في العالم الثالث.
ويتفكّه كثير من نقاد الديمقراطيات العربية بالقول: إنَّ العرب يرقصون على أنغام الانتخابات الإسرائيلية، ويعرفون أسماء أحزابها ومرشحيها، ويراقبون بورصة الأصوات، وكذلك الانتخابات الأمريكية، أكثر مما يعرفون مرشحيهم المصنّعين، مثل صناعة ملكات الجمال في المسابقات، وليس ذلك لقوّة الإعلام الإسرائيلي والأمريكي وحدها، وإن كان هذا أحد الأسباب، بل ثمة أسباب أخرى، منها أن نتائج تلك الانتخابات تؤثر في حيواتهم؛ فهذه الدول هي التي تحكم العالم العربي. فقد أمست إسرائيل عضواً من جسد المنطقة، إذا اشتكى تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر، والواقع أنَّ الانتخابات في أمريكا وإسرائيل تقدم كثيراً من القرابين غالباً ما تكون من الشعوب الفقيرة والمهمشة في العالم الثالث.
وقد انجلى الموقف وظهر أنَّ ترامب مزنوق، وكذلك صاحبه نتنياهو، فالأول تورط في حرب مع ورثة فارس العظيمة -التي حكمت نصف الأرض يوماً، وكان تاج ملوك فارس وأكاسرتها معلقاً بالسقف لثقل وزنه- ومهدد بفضائح ابتسين، ويريد القنبلة النووية الإيرانية قرباناً لفوزه في الانتخابات النصفية، وقد ضحّى الرجل البرتقالي، وهو رجل بكل الألوان، بمرشد إيران وخليفة المهدي، وبالعشرات من القادة الإيرانيين، والآلاف من أبناء الشعب الإيراني، لكن الأزمة مستمرة.
يظهر ترامب كل يوم ليبشّر شعبه بأن سعر النفط سينخفض قريباً جداً، لكن سعره يزداد سعيراً، وكذلك نتنياهو، وهو كذاب أشر مثل ترامب، يزعم أنه يحارب على سبع جبهات، ويلتهم أراضي من سوريا ولبنان. وقد قتل زعيم حزب الله، وهو مقبل على انتخابات، ونصره مشكوك فيه، ولا تكاد أسعار النفط تُذكر في إسرائيل؛ فالشعب مهموم بأمر القرابين وهي غير البقرات الخمس الحمراء، ويريد أيضاً القنبلة النووية الإيرانية المزعومة. أمريكا وإسرائيل في أزمة، والقرابين التي قدمت فيها شعرات سوداء، لأنها لم تستر الفضائح حتى الآن.
والقربان لفظ ديني، لكنه يحضر في الفكر السياسي أيضاً، فيما يسمى معركة التأسيس. فنتنياهو، صاحب التاريخ السياسي الطويل، يعدّ نفسه أحد مؤسسي إسرائيل، ويريد أن يُكتب اسمه في مصاف بن غوريون، ومع ذلك، فهو متهم بالتقصير في حفظ أمن الدولة الحصينة المحصنة، وبالتواطؤ عليها، وبالتضحية بأرواح نحو 1200 يهودي، وتتخوف الشعوب العربية من بأسه وشره؛ وهو شر مستطير.
وإذا نظرنا إلى رؤسائنا المضطرين إلى خوض لعبة صناديق الزينة الانتخابية، وجدنا أنَّ الرئيس المصري الحالي ضحّى بكبش عظيم، هو محمد مرسي، وسجونه مليئة بالأكباش العظيمة من أجل العيد المتواصل، ثم ضحّى في المرحلة التالية بحفنة جرجير، بصاحب العبارة "اتس نات أفير"، الذي صار نسياً منسياً، فكانت أضحيته فاسدة، وقد أدركت آلهته في الغرب أنه لم يعد يصلح للمرحلة القادمة فهو في أزمة قربانية.
أما أحمد الشرع، فمهما اختلفت التحليلات بشأن وصوله إلى رئاسة سوريا، فقد قدم قربانا عظيما وهو الأسد، وقد فرح الشعب السوري باعتقال تنين أصغر منه قبل أيام، هو معراج أورال ذو الاسمين والجنسيتين، فهو كبش عظيم.
يرجح أنَّ ترامب، وهو مقبل على الانتخابات النصفية، يريد التضحية بإلهان عمر وعبد الرحمن السيد، الذي ذكره باسم محمد، جلبا للجمهور المسيحي وتأليبا عليه، وهما كبشان أقرنان في الداخل، لكسب ودِّ حركة "ماغا" اليمينية، والجمهور عامة، فيما يسمى "الالتفاف حول العلم".
ويمكن الاشتباه في أنَّ الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898 اندلعت في عام انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وكذلك حرب فيتنام في عامي 1964 و1965، التي استخدم الرئيس ليندون جونسون أزمتها لتبرير توسيع صلاحياته العسكرية، وجاء ذلك قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 1964، ويمكن ربط انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام بانتخابات عام 1972، لتجنب ظهور انهيار حكومة جنوب فيتنام بقيادة نغوين فان ثيو الفيتنامية الموالية لأمريكا قبل التصويت، وكان ترامب قد بنى حملته الانتخابية على السلام، ويسعى إلى جائزة نوبل للسلام، لكن الهوى غلّاب.
وكذلك قصف العراق في كانون الأول/ديسمبر 1998، بعملية "ثعلب الصحراء"، قبل تصويت مجلس النواب على عزل كلينتون بأيام، وقد أثار التوقيت اتهامات بغرض الحملة وصرفها الانتباه عن فضيحة كلينتون وإجراءات عزله. ويربط كثير من المحللين الحرب على إيران بفضائح إبستين وجزيرة الملذات.
وكذلك الحرب على العراق في عامي 2003 و2004، قبل انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، فقد كانت الحرب والأمن القومي محورين مهمين في حملة جورج بوش لإعادة انتخابه، وأفادته في مرحلة منها حالة الالتفاف الشعبي.
وهي واضحة في ربيبة أمريكا، إسرائيل هانم: ففي عملية "عناقيد الغضب" في نيسان/أبريل 1996، شنّت حكومة شمعون بيريز هجوماً واسعاً على لبنان قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أيار/مايو، كانت الصواريخ التي أطلقها حزب الله والتصعيد الحدودي جزءاً من التفاهم الأمني، لكن تقرير هيومن رايتس ووتش يوثق أنَّ الحملة الانتخابية زادت الضغط على حكومة حزب العمل للرد عسكرياً على حزب الله، وخسر بيريز الانتخابات بفارق ضئيل أمام بنيامين نتنياهو، وكذلك عملية "الرصاص المصبوب"، التي شنّها أولمرت على غزة في كانون الأول/ديسمبر 2008، وبدأت في 27 كانون الأول/ديسمبر، قبل الانتخابات الإسرائيلية، وما تزال حرب "السيوف الحديدية" متواصلة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويمدّد بها نتنياهو بقاءه في الحكم هاربا من تهم الفساد إلى الخلود التاريخي.
نسي الناس مادورو؛ فهو أضحيّة غير كافية، القربان السهل في السياسة لا يؤدي غرضه.
لا يبعد شبهُ الصراعات الدولية شبهَها بصراعات الفتوّات والقبضايات، بل إنّ أمر الحروب يشبه المشهد الشهير في الأفلام الكوميدية: يستأجر الحبيب فتوّة للتحرش بالفاتنة، مقابل أجر، ولأداء دور المهزوم أمام البطل العاشق، فيقع ما لا يُحمد عقباه، ويواجه الفتوة حبيب الفاتنة القوي، وهذا ما وقع في أكثر الحروب.
الأصل أن يُحدث القربان تغييراً، ويجلب الشبع والأمان، وهما مفقودان في الدولتين أمريكا وإسرائيل.