كتب مجدي عزت:
في الوقت الذي ينتفض العالم ضد قرار الرئيس الأمريكي ترامب بنقل سفارة أمريكا إلى مدينة القدس بالمخالفة لقرارات ومواثيق دولية وقعت عليها أمريكا سابقا، يبرز دور قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، الذي يتجاهل الأمر رسميا، بينما على خجل تطل بعض أذرعه الإعلامية والسياسية، ليتحدثوا بدبلوماسية غير معهودة مع "السيد" ترامب وقراره، فيما تطلق القوى الأمنية حملات اعتقالات ضد المعترضين والمتظاهرين لأجل القدس.
ولم يتحدث السيسي مباشرة عن القضية، واكتفى ببيان باهت، فيما تؤكد دوائر دبلوماسية أن السيسي والسعودية اعترضا فقط على التوقيت فقط.
وجاءت ردود أفعال السيسي مرتبكة لأن ترامب أعلمه منذ عدة أسابيع بأنه يبحث اتخاذ هذا القرار في أسرع وقت، وأن أقصى ما طلبه السيسي آنذاك، وكذلك في الاتصال الأخير بينهما يوم الثلاثاء الماضي، هو أن يرجئ اتخاذ هذه الخطوة إلى نهاية العام المقبل على الأقل، بحجة أن هذه الخطوة ستوفر "ملاذًا فكريًا وإعلاميًا للجماعات الإرهابية وتيارات الإسلام السياسي لممارسة مزيد من الضغوط على الأنظمة العربية الحاكمة، فضلاً عن انخفاض شعبية تلك الأنظمة في مجتمعاتها الرافضة للتطبيع مع إسرائيل.
ويتجلى المأزق السياسي، بعد أن قدم السيسي خدمات جليلة للمشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة، بإدخال السعودية في معادلة السلام الصهيونية بتنازله عن تيران وصنافير لتشارك السعودية إسرائيل في كامب ديفيد، وكذلك الضغوط المتواصلة على حركات المقاومة الفلسطينية لتغيير استراتيجياتها، عبر الضغوط على حماس والجهاد الإسلامي..
بجانب المسارعة التي تقدمها مصر في ملفات تخدم الصهاينة في المنطقة العربية.
في
غضون ذلك، تلوح أزمة جديدة في الأفق تكمن في قلقه من أن تتسبّب عودة القضية الفلسطينية إلى اهتمامات المصريين كما كانت في عهود سابقة قبل اشتعال المشهد السياسي الداخلي في 2011، في انفلات الأوضاع الداخلية، بتعدد الدعوات للتظاهر أو تعاطي الشباب المعارض للنظام بصورة إيجابية مع دعوات استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مصر، وهو ما سيفاقم أزمات السيسي الداخلية والخارجية في آن واحد.
ولعل العنف الأمني الذي تشهده مصر منذ الأربعاء الماضي، واعتقال الصحفيين خلال تظاهراتهم مساء الخميس، وأيضا الانتشار الأمني الموسع في البلاد والميادين المصرية، يعبر عن أزمة السيسي في التعاطي مع القرار الأمريكي، حيث يخشى السيسي ونظامه أن تدفع تظاهرات القدس لامتداد الغضب الشعبي ضده، في ظل تأكيد مخابراته على تفاقم الغضب الشعبي من الأسعار والقمع الأمني ومستويات البطالة المتصاعدة.
وتعد أزمة القدس أبرز أزمة يواجهها السيسي وهو ما دفعه لإصدار تعليمات تنفيذية وإعلامية للمبادرة وإظهار الدولة المصرية بمظهر "الرافض والمتحفظ دون صخب" للقرار الأمريكي بهدف امتصاص غضب الرأي العام.. خوفا على نظامه وليس للقدس.
وظهرت هذه السياسة جلية في إصدار بيانات من وزارة التعليم تتحدث عن "تعليمات للمدارس الحكومية والخاصة للتأكيد على عروبة القدس، ورفض مصر لنقل السفارة الأمريكية بإسرائيل إليها، لامتصاص الغضب الشعبي.
ويرى مراقبون أن النظام الانقلابي يضع نفسه في تكرار لمشهد التنازل عن تيران وصنافير الذي حرك الجماهير المصرية ضد خيانات النظام وتراجعه أمام أسياده الصهاينة والأمريكان.