سيطرت حركة "طالبان"  الأحد 15 أغسطس 2021مـ على العاصمة الأفغانية كابول، الأمر الذي جعل توقعات الاستخبارات الأميركية بسيطرة الحركة على العاصمة في غضون ثلاثة شهور بعد اكتمال الانسحاب الأميركي مدارا للتهكم والسخرية؛ فطالبان لم تواجه أي ممانعة من جانب الجيش النظامي الذي أنفقت عليه واشنطن مليارات الدولارات وبنته على مدار عشرين سنة، وسيطرت على جميع المراكز والمدن وحتى العاصمة بكل سهولة لم يتوقعها أحد من الخبراء والمحللين.

فلماذا انهار الجيش النظامي الأفغاني الذي أشرفت على تكوينه الولايات المتحدة على مدار عشرين سنة؟ وكيف انهار بهذه السرعة؟ وكيف انتصرت طالبان على الأميركان رغم الإمكانات المحدودة مقارنة بما تملكه واشنطن والجيش الأفغاني النظامي؟

وأمام حالة الفزع التي أصابت المسئولين النظاميين بالحكومة الأفغانية بعدما فر الرئيس من البلاد، شهد مطار كابول نشاطا مكثفا من الوفود والبعثات الأجنية التي شرعت في مغادرة البلاد خوفا من انتقام مسلحي حركة طالبان، لكن مسئولا بالحركة يقيم بالعاصمة القطرية الدوحة أوضح أن الحركة أمرت مقاتليها بالإحجام عن العنف والسماح بالعبور الآمن لكل من يرغب في المغادرة، وأنها تطلب من النساء التوجه إلى مناطق آمنة.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد أطاحت بحكومة طالبان السابقة في الغزو الذي قادته سنة 2001مـ  لكن صحيفة واشنطن بوست الأميركية ترى أن الحركة حاليا في أقوى حالاتها منذ ذلك الحين في الوقت الذي يتم فيه تسليم العاصمة كابول للحركة بشكل سلمي.

تعاملت طالبان هذه المرة بحنكة سياسية فاقت التوقعات؛ إذ تمكنت من هزيمة الجيش النظامي الذي أشرفت على تكوينه واشنطن خلال عشرين سنة،  وسعت للاستيلاء على مدن وولايات البلاد بطريقة سلمية ومنظمة وتفاوضية من خلال الوساطة وإقناع القوات الأفغانية أنه لا جدوى من القتال، وأن ذلك سيؤدي فقط إلى تدمير البنية التحتية وسفك دماء الأبرياء.

ويكشف نجاح تلك الاستراتيجية التي تبنتها الحركة، المتمثل في السيطرة على البلاد بشكل كامل تقريباً في قبضة الحركة مرة أخرى بسرعة مذهلة، عن تغيير كبير في فكر طالبان، وقدرة الحركة على تفادي القتال كلما كان ذلك الخيار متاحاً. وأرجعت طالبان نجاحها في السيطرة على كامل الأراضي الأفغانية بسرعة ودون قتال إلى "الترحيب الشعبي" بعودتها إلى الحكم.

 

شيء من النضج السياسي

وبحسب  الخبير والمحلل السيسي تيسير علوني، لقناة الجزيرة، فإن "حركة طالبان تغيّرت بشكل كبير، وبدأت تتحلى بنوع من الواقعية السياسية، وهو ما يعكس حالة من النضج لدى الحركة" عما كانت عليه في تجربتها الأولى في حكم أفغانستان.

أول التحولات الجذرية في سياسات طالبان هو النضج السياسي في إدارة الصراع الحالي، ومن أبرز هذه المؤشرات عدم اعتماد الحركة على القوة المسلحة بشكل كامل في فرض سيطرتها على المدن والولايات الأفغانية. إذ سيطرت الحركة على جميع المدن بالطريقة نفسها تقريباً، التي تمثلت في تجنب الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة كخيار أول، بل استخدام وجهاء وزعماء القبائل وشخصيات تاريخية في التفاوض والوساطة مع مسؤولي الحكومة والجيش في تلك المدن، ومن ثم تتم عملية تسليم السلطة بشكل سلمي ومنظم. وتزامن مع تلك الطريقة تصريحات لقادة الحركة تركز على سعي طالبان لتجنب سفك دماء الأفغان، وعدم اتباع سياسة الانتقام أو الإعدامات، وهو ما قاله بالفعل أحد قيادات الحركة لرويترز. وخلال التفاوض لتسليم العاصمة كابول، يوم الأحد 15 أغسطس 2021م، أصدرت طالبان عدة بيانات، كان واضحاً منها أن الحركة لا تنوي السيطرة على العاصمة بالقوة، وأنها تفضل أن يتم ذلك بصورة سلمية، كما حدث مع باقي المدن والولايات الأفغانية. وقالت الحركة في بيان لها إنها لا تسعى "للانتقام من أحد، ونعطي الأمان لجميع موظفي إدارة كابول عسكريين ومدنيين"، مضيفة أن "الحكومة ستكون مسؤولة عن أمن كابول حتى تتم "العملية الانتقالية".

ثاني التحولات الجذرية، هو بيان الحركة الذي أكدت فيه أنها "لن تمنع النساء والفتيات من الذهاب إلى الجامعات والمدارس"، إضافة إلى عقد الحركة لقاءات مكثفة مع دول الجوار روسيا وإيران وغيرهما، للتأكيد على أن أفغانستان لن تكون مصدر تهديد لأي من جيرانها في ظل تولي الحركة الحكم في البلاد.

 

هزيمة الأميركان

منذ إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه سيسحب قواته من أفغانستان بشكل نهائي قبل 11 سبتمبر المقبل"2021"، توقعت أجهزة الاستخبارات الأمريكية وقادة البنتاغون أن تتمكن طالبان من السيطرة على أفغانستان في غضون ستة أشهر، وهو ما ثبت أنه "تقييم فاشل تماماً" بالطبع.

فمع إخفاق المحادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية في التوصل إلى تفاهم سياسي من شأنه أن يفضي إلى اتفاق سلام تدعمه الولايات المتحدة وحلفاؤها، بدأت طالبان التحرك نحو السيطرة على البلاد، وكانت البداية في 11 مايو 2021م، عندما سيطرت الحركة على مقاطعة نرخ خارج العاصمة كابول مباشرة.

وفي 22 يونيو،  قال مبعوث الأمم المتحدة في أفغانستان، إن الحركة استولت على أكثر من 50 من إجمالي 370 مقاطعة.

ومع انسحاب القوات الأمريكية من قاعدتها العسكرية الرئيسية في أفغانستان، وهي قاعدة باجرام التي تبعد ساعة بالسيارة عن كابول، وإنهاء الولايات المتحدة تدخلها في الحرب فعلياً، بدأت تتسارع وتيرة الحركة على ولايات ومقاطعات البلاد. وفي 21 يوليو، قال جنرال أمريكي رفيع لرويترز، إن مقاتلي طالبان باتوا يسيطرون على نحو نصف مقاطعات أفغانستان، ما يظهر مدى وسرعة تقدمهم، وتعهّدت واشنطن بعد ذلك بأربعة أيام بمواصلة دعم القوات الأفغانية "في الأسابيع المقبلة" بضربات جوية مكثفة، لمساعدتها في التصدي لهجمات طالبان.

لكن يوم 6 أغسطس، أصبحت زرنج في جنوب البلاد أول عاصمة إقليمية تسقط في أيدي طالبان منذ سنوات، وأعقب ذلك سقوط الكثير من المدن في الأيام التالية، ومنها مدينة قندوز الرئيسية في الشمال.

ويوم 13 أغسطس، سقطت أربع عواصم أقاليم أخرى في يوم واحد، بينها قندهار، ثاني كبرى مدن البلاد، والمعقل الروحي لطالبان، كما اجتاح مقاتلو الحركة مدينة هرات في الغرب، واعتقلوا القائد البارز محمد إسماعيل خان، أحد أبرز القادة الميدانيين في الحرب ضد طالبان.

والسبت 14 أغسطس 2021م استولت طالبان على مدينة مزار شريف الرئيسية في شمال البلاد، ثم مدينة بل علم، عاصمة إقليم لوجار، الواقعة على بعد 70 كيلومتراً إلى الشمال من كابول بعد مقاومة ضعيفة.

وأرسلت الولايات المتحدة مزيداً من القوات للمساعدة في إجلاء المدنيين من كابول، فيما قال الرئيس الأفغاني أشرف غني إنه يتشاور مع شركاء محليين ودوليين على الخطوات القادمة، لكن يوم الأحد سيطرت طالبان على مدينة جلال آباد الشرقية الرئيسية دون قتال، لتحاصر كابول فعلياً. والآن تجري مفاوضات لتسليم كابول إلى طالبان دون قتال، قبل نحو شهر من موعد بايدن لإكمال انسحاب قواته.

واليوم تجري عمليات استسلامٍ بالجملة، واحتجاز لطائرات مروحية، ومعدَّات عسكرية بملايين الدولارات قدَّمَتها الولايات المتحدة لحكومة كابول أصبحت في قبضة حركة طالبان، بعد أن عرضتها الحركة في مقاطع فيديو بثت على منصات التواصل الاجتماعي. وفي بعض المدن، اندلع قتالٌ عنيف طيلة أسابيع في ضواحيها، لكن طالبان تجاوزت الخطوط الدفاعية في نهاية المطاف، ثم لم تواجه إلا مقاومة ضعيفة أو معدومة، بحسب وصف صحيفة New York Times الأمريكية.

وفي  النهاية انهار الجيش الأفغاني النظامي بسرعة مذهلة رغم أن الولايات المتحدة الأميركية ضخت أكثر من  83 مليار دولار في صورة أسلحة ومعدات وتدريبات لقوات الأمن في البلاد على مدار العقدين الماضيين. ويبدو أن هذا الجيش الجرار الذي رعته واشنطن في طريقه للتبخر خلال أيام معدوات.

Facebook Comments