في ظل ما كان يتعرض له سعر صرف الليرة التركية الليرة التركية من انخفاض مستمر ومتنام، أعلنت وزارة الخزانة والمالية في تركيا في السادس عشر من الشهر الجاري عن تنفيذ نموذج للاقتصاد التركي يعطي الأولوية لزيادة الإنتاج والصادرات، وترشيد الواردات، والخروج من دوامة عجز الحساب الجاري، والتنسيق بين السياسات النقدية والمالية، وتوفير فرص متكافئة للمستثمرين، وزيادة فرص العمل، وخفض معدلات التضخم، ورفع معدلات النمو، من خلال خفض معدل الفائدة.

وفي نفس اليوم أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن رفع الحد الأدنى للأجور ليكون خلال عام 2022 مبلغ 4250 ليرة، بنسبة ارتفاع 50 في المائة مقارنة بما كان عليه خلال 2021. وأكد أردوغان عزم حكومته على وضع حد في أقرب وقت للغموض السائد في الفترة الأخيرة جراء التقلبات في أسعار الصرف وغلاء الأسعار. وأضاف: "أعتقد أننا سنقطع مسافة مهمة للغاية على طريق تعزيز أجواء الثقة والاستقرار من خلال إجراءات (اقتصادية) جديدة سننفذها".. وأكد على أنه "لا المضاربون على أسعار الصرف والفائدة، ولا أعداء تركيا في الداخل والخارج، ولا الطامعون الجشعون، بمقدورهم تحديد مستقبل بلادنا وشعبنا".

وفي مساء يوم العشرين من الشهر الجاري ألقى الرئيس أردوغان كلمة صرح فيها بتصريحات غيرت المعادلة داخل سوق النقد التركي، تمثلت في ما يلي:

1- الكشف عن الأموال المكتنزة بالبلاد ممثلة في (خمسة آلاف طن من الذهب و280 مليار دولار)، وهي رسالة بأنه لا شيء يخفي على الحكومة وأن لديها من المعلومات ما يمكنها من تصحيح الوضع القائم.

2- عدم التراجع عن تخفيض سعر الفائدة ونظام السوق الحر، مع استخدام أدوات جديدة داخل نظام السوق الحر لإيقاف تقلبات سعر الصرف. وهي رسالة واضحة لسياسته الاقتصادية المستقبلية.

3- تثبيت سعر الصرف للشركات وتخفيض ضرائبها، وتعويض المدخرين عن ارتفاع أسعار الصرف عند سحب مدخراتهم الدولارية المحولة لليرة. وهذه الأخيرة هندسة لأداة مالية ابتكارية خارج إطار الصندوق، حيث يتم حماية الوديعة بالليرة التركية (لمدة 3 و6 و9 و12 شهرا) من تقلبات أسعار الصرف، وحصول المودع على الفائدة المُعلنة، مضافاً إليها الفرق في سعر الدولار بين وقت الإيداع والسحب. وهي رغم محاذيرها الشرعية، فإنها تعد من الحاجات العامة التي تنزل منزلة الضرورة في حق آحاد الناس في ظل الحرب الاقتصادية على تركيا.

٤- إعلان الحرب على جشع التجار والأموال الساخنة، وتشجيع الاستثمار المباشر ذات الإنتاج الحقيقي والمعزز للصادرات والتوظيف.

٥- الوعد بمعالجة التضخم خلال بضعة أشهر كما عالج مشكلة الأجور.

٦- استقلال اقتصاد تركيا بعيدا عن صندوق النقد الدولي، وما ينشأ عنه من تبعية اقتصادية وسياسية للدول الأجنبية.

وفور الإعلان عن ذلك، لا سيما ما يتعلق بإطلاق الأداة المالية الجديدة والمبتكرة التي تتيح تحقيق نفس مستوى الأرباح المحتملة للمدخرات بالعملات الأجنبية عبر إبقاء الأصول بالليرة وحمايتها من التقلبات في أسعار الصرف، انقلب الحال فصعدت الليرة التركية بشكل قوي وسريع في ساعات معدودات، حيث شهد سعر صرفها مساء 20 كانون الأول/ ديسمبر انتعاشا كبيرا بأكثر من 33 في المائة، بعد تصريحات الرئيس أردوغان لتصل، إلى 12.2756 مقابل الدولار الأمريكي، مقارنة بـ 18.3674 قبيل التصريحات، وهي أكبر وأسرع نسبة ارتفاع لعملة عالمية في التاريخ. وقد أعلن رئيس اتحاد البنوك التركية، ألب أرسلان تشاكر، أنه جرى تحويل حوالي مليار دولار إلى الليرة التركية بعد خطاب الرئيس أردوغان، وما زال سعر صرف الليرة يتحرك للأفضل.

لقد أثبت أردوغان قولا وفعلا الاحتراف في التعامل مع المشكلات الاقتصادية من خلال وضع حلول خلاقة لمشكلة الليرة، وهذا ليس غريبا عليه، فهو رجل اقتصاد في تخصصه، ورجل دولة في سلوكه. وهو إن كان يؤمن بنظام السوق الحر فإنه في الوقت نفسه يصرح تصريحا لا رجوع فيه باحترام نصوص الإسلام بتحريم الربا، وهو يتدرج في تحقيق ذلك، بسلوكه العملي ونموذجه الذي أتي أكله في ساعات معددوات، ووضع الرأسماليين ونظرياتهم والمستسلمين لها في أزمة بعد أن خدروا الناس بسعر الفائدة وكأنه علاج للأزمات.

ولطالما تعجبت من الذين ألغوا عقولهم وسلموها للفكر الرأسمالي المعاصر دون تمحيص، فطالبوا تركيا برفع سعر الفائدة لعلاج التضخم، رغم أنه الداء الأساسي للتضخم والمصائب الاقتصادية جميعا. وليت هؤلاء عقلوا أن النظام الرأسمالي هو نظام الأزمات وفق تسمية منظريه، فهو يتسم بالدورية المنتقلة دوما بين الانتعاش والتوسع الاقتصادي وبين الانكماش والأزمة الاقتصادية، ويتراوح المدى الزمني للدورة الاقتصادية بين ثلاث وعشر سنين. ويظل المجتمع أسير مصيدة سعر الفائدة وعلاقته بسعر الصرف والتضخم والبطالة، لا سيما وأن سياسة أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي إلى حلقة مفرغة من انخفاض الصادرات، وانخفاض العمالة، وارتفاع الواردات، وتفاقم الديون الخارجية، وزيادة الاعتماد على الخارج، الأمر الذي يتطلب مرة أخرى أسعار فائدة أعلى وأعلى. وهو ما يؤدي إلى العجز في الموازنة والارتفاع في الدين الخارجي، وفتح الباب للهجمات الاقتصادية الخارجية.

كما أن الذين صدعونا بتدخل أردوغان في السياسة النقدية ليتهم صمتوا؛ والكل يرى كيف كان تدخله حميدا وفق نظامه الرئاسي ومسؤوليته عن كافة أمور الدولة. وهذا ليس بدعا، فوضع البنك المركزي يختلف من دولة لأخرى بحسب تراثها التاريخي وأوضاعها الدستورية. فبنك إنجلترا يرتبط بالسلطة التنفيذية، والبنك المركزي الألماني يتمتع باستقلال تام عن السلطة التنفيذية، بينما بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يرتبط بالسلطة التنفيذية والتشريعية معا.

لقد أثبت أردوغان قدرته على التفكير خارج الصندوق في علاج أزمة الليرة وفق أسس علمية وعملية، فلم يخلُ حديثه منذ هبوط سعر صرف الليرة من ثقة واضحة، ولم يتحرك إلا بناءً على معلومات سعى من خلالها للوصول للمرض وليس اكتفاء بالعرض. وقد تحولت الثقة إلى واقع بارتفاع سعر صرف الليرة بصورة غير متوقعة في ساعات معدودات؛ بعد تصريحاته التي عكست بوضوح سياسته لمواجهة الحرب الاقتصادية على تركيا، والتي اعتمد فيها على توفير قاعدة بيانات، وتفجير فقاعة المضاربة في وجه محركيها، وتشجيع الاستثمار والاستقرار.

وهو الآن في معركة مع ارتفاع الأسعار وجشع التجار، وهو سائر في معركته بكل قوة، حتى أنه حذر جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (التوسياد) تحذيرا واضحا يذكرهم بجنسيتهم الأصلية – وهم الذين كانوا يتحكمون في دولاب الحكم التركي قبل حكم العدالة والتنمية – بقوله لهم: "يا توسياد أقول لكم، لديكم وظيفة واحدة، وهي الاستثمار والإنتاج والتوظيف والنمو.. لا تنهضوا وتبحثوا عن طرق مختلفة لمهاجمة الحكومة، لا يمكنكم مجابهتنا، أعرف أسلافكم وجنسكم وخلفيتكم جيدا، أنتم همكم شيء آخر، نحن نمضي وندافع عن حب الوطن والشعب، وأنتم تسعون لكيفية إسقاط هذه الحكومة، حتى تكونوا قادرين على إيصال حكومة أخرى تستطيعون استغلالها.. الشعب لن يمنحكم هذه الفرصة.. هذه الهيئات والمؤسسات التي تحدثت عنها كم وقفت بجانب الشعب خلال وباء كورونا؟ كم مستشفى ساعدوا الدولة في بنائه؟.. نحن بنينا المدن الطبية في أصعب الظروف، ونشرناها في أبعد المناطق بالأناضول، هؤلاء ما الذي قاموا به؟.. لا شيء.. ندرك مدى الأزمة التي يعاني منها مواطنونا جراء ارتفاع الأسعار الناجم عن التلاعب بأسعار صرف العملات، لكنني أؤكد أننا سنتغلب على هذه الحملات.. وأود أن أؤكد مرة أخرى أنه لا ينبغي إيلاء أي أهمية لأولئك الذين يريدون جر شعبنا إلى التشاؤم، وترهيب الأسواق، من خلال نشر أخبار كاذبة ومضللة".

إن الوقائع التي تعيشها تركيا منذ تولي الرئيس أردوغان السلطة تعكس فهمه جيدا للسنن الإلهية، الكونية والإيمانية. وهو في سعيه لتطبيق منهج الإسلام يراعي التدرج وفق هذا السنن، فالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، وما كان الله ليضيع عبدا يسير في طريقه ويأوي المظلومين في الأرض، وما يظن مؤمن لسفينة نوح أن تغرق. ومع ذلك فإن المستقبل سيكشف أن الأيدي المتلاعبة من أصحاب المصالح داخليا وخارجيا لن تتوقف لعرقلة مشروع أردوغان الاستقلالي، ولكن في الوقت نفسه لن يحيق المكر السيء إلا بأهله، وسوف تنطلق تركيا وفقا لما أراد الله لها، لتعود كما كانت دولة يستظل بظلها المسلمون جميعا.

…………..

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments