انحناء الديكتاتور أمام الوزيرة الصهيونية.. دلالات الصورة ومغزاها

- ‎فيتقارير

انحناء الديكتاتور عبدالفتاح السيسي الإثنين 14 فبراير 2022م أمام وزيرة الطاقة بحكومة الاحتلال الإسرائيلي كارين الهرار، أثناء مشاركتها في مؤتمر «مصر الدولي للطاقة ــ "إيجبس 2022" في دورته الخامسة الذي ينعقد في القاهرة بين 14 و16 فبراير»، تحمل كثيرا من الرسائل والدلالات الكاشفة لطبيعة شخصية الجنرال الذي قاد انقلابا عسكريا للسيطرة على الحكم في يوليو 2013م وأجهض به المسار الديمقراطي الوليد في مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م. ويتساءل كثيرون: كيف لهذا الطاغية الذي قتل آلاف المصريين الأبرياء ورمل آلاف النساء وهتك حرمات مئات المؤمنات العفيفات أن يبدو بكل هذه الذلة والانكسار أمام وزيرة صهيونية؟ وكيف لمن يخاطب المصريين بظهره في استعلاء وتبجح أن ينحني على هذا النحو المهين أمام وزيرة في حكومة احتلال؟  أليست هذه الوزيرة عضوا في حكومة الاحتلال التي تبطش كل يوم بإخواننا وأخواتنا في فلسطين المحتلة؟ فهل من المروءة أن ينحني أمامها السيسي على هذا النحو الخانع؟

فالسيسي بمجرد دخوله إلى القاعة توجه مباشرة إلى الوزيرة الإسرائيلية ليلقي عليها التحية بشكل خاص وعاطفي هو أقرب إلى مشاهد التمثيل التي يتقمص فيها الممثل دوره ويبالغ في إظهار التذلل والانحناء، وكان الأولى به أن يلقي التحية على الحضور بشكل عام دون تخصيص الوزيرة بهذه الانحناءة وذلك الخنوع الذي بدا على وجه السيسي خلال المشهد، بينما بقت الوزير الإسرائيلية جالسة على مقعدها المتحرك في عزة واستعلاء. لو فعل السيسي ذلك دون تخصيص الوزيرة بهذا المشهد التمثيلي الفاقع، فلن يلومه أحد، لكنه آثر أن يقوم بدور البطولة في هذه اللقطة العجيبة والغريبة والمنافية حتى للبرتوكول.

ونال احتفاء السيسي بالوزيرة الهرار استحسانا واسعا في أوساط الاحتلال، حيث نشرت شخصيات إسرائيلية تغريدات تشكره فيها على التصرف الاستثنائي. فانحناء السيسي وعاطفته الجياشة في التعبير عن ترحيبه الحار بالوزير الإسرائيلية دفع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الإشادة بسفاح مصر وفرعونها، واحتفت صفحة "إسرائيل في مصر" التابعة لخارجية الاحتلال، بمشهد السيسي العاطفي مع الوزيرة. وقالت معلقة إنه "في خطوة تستحق كل التقدير والاحترام يتوجه لإلقاء التحية الخاصة على وزيرة الطاقة كارين الهرار المشاركة في مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة، والذي افتتح اليوم في القاهرة بمشاركة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، على صفحته على تويتر: "الرئيس السيسي، لقد لمستنا جميعا".

اللقطة كانت حديث صحف الانقلاب وآلته الإعلامية التي راحت تشيد باللمسة الإنسانية الحنونة من جانب الطاغية الأكبر للوزير الإسرائيلية متجاهلين دموية الرجل وجرائمه التي لم تتوقف ثانية واحدة منذ انقلابه المشئوم في يوليو 2013م.

في مقاله «المشخصاتي الأكبر: هناك مستقبل في إسرائيل»، يقول الكاتب الكبير وائل قنديل: «الرئيس الإنسان الذي كسر البروتوكول للحصول على لقطة عاطفية تلمس القلوب (بتعبير الصهاينة)، مطأطئًا رأسه لوزيرة إسرائيلية مقعدة، هو ذاته الرئيس الإنسان الذي يكسر عظام السجينات ويحطم إنسانية السيدات المعتقلات في سجونه، لا يفرّق بين سيدة في الستين وفتاة في العشرينات». ويحلل المشهد التمثيلي مضيفا «هذه الإنسانية الطافحة لا تظهر إلا للتصدير خارج مصر، وفي حالاتٍ مؤثرةٍ ذات عوائد ربحية في بنوك الصورة الذهنية بالخارج، مثل حالة الوزيرة الإسرائيلية ذات الأصول المغربية، بحسب مواقع تتحدّث باسم يهود المغرب، هي واحدة من بين ثلاث وزيرات مهاجرات من المغرب ضمن تشكيلة حكومة اليمين الصهيوني المتطرّف بزعامة نفتالي بينت، وهي قيادية بارزة في حزب "هناك مستقبل" الصهيوني الذي يتزعمه وزير خارجية الاحتلال، يائير لبيد، الذي ستؤول إليه رئاسة الحكومة بالتناوب، وصاحب التصريح الأوضح "لن تكون هناك مفاوضات مع الفلسطينيين حتى حين أستلم رئاسة الوزراء"».

وبحسب قنديل «تبدو المسافة اللفظية قريبة للغاية بين "هناك مستقبل" الإسرائيلي و"مستقبل وطن" المصري، وهو الحزب الذي يمكن أن تسميه حزب ابن الزعيم، رجل المخابرات الذي زار إسرائيل، أخيرا، ويطرح اسمه علامة على العودة إلى فكرة توريث الحكم، على طريقة حسني مبارك وابنه»، متابعا  «لا يمكن لعاقلٍ أن ينظر إلى مشهد الانحناء أمام الوزيرة الصهيونية على أنه عفوي وتلقائي وابن لحظته، فالاحتفالات الصاخبة التي اندلعت في الميديا الصهيونية، احتفالًا بأمير القلوب الإسرائيلي، تضعك أمام مهرجان تسويقي للجنرال في الدوائر الأوروبية، قبيل سفره إلى بروكسل لحضور لقاء أوروبي أفريقي على مستوى الاتحادات».

ويرى أن هذه الميديا ذاتها التي هيّأت الرئيس الأسبق، أنور السادات، للحصول على جائزة نوبل للسلام بعد أن خاصم كل شيء وكل انتماء قومي وحضاري ليفوز برضا المحتل الإسرائيلي .. وهكذا تستنسخ الصور واللقطات التي يحبها الصهاينة، من الرئيس المؤمن، وهمًا وسذاجًة، بأن مصلحته وأمانه الشخصي ومستقبله في الحكم تضمنهما علاقته الدافئة بإسرائيل، إلى الجنرال المؤمن بإسرائيل على نحو مبدئي وبراغماتي في الوقت ذاته، بحيث يستقر في عقيدته أنه مع إسرائيل، وبآلية الانحناء لها هناك مستقبل له وللوريث من بعده، ما دام مواظبًا ووفيًا لنصوص كل هذا العار الذي زرعه أنور السادات، وحصده وتكسّب منه الذين جاءوا من بعده. فالسيسي، كما السادات، يشعرك طوال الوقت أنه يمثل شخصية الحاكم، أكثر مما يمارس الحكم بالفعل، إذ يبدو مولعًا بالكاميرا، مشغولًا بالحركة والأداء أمامها، باحثًا عن اللقطة المبهرة، والإطلالة المثيرة، بمقاييس مهاويس "السوشيال ميديا" الذين يقتاتون على أعداد المتابعين وعدّاد الإعجاب وإعادة النشر والتفاعل.

صورة السيسي تجدها مصاحبةً كل خبر ينشر في الصحف الورقية والمواقع الرقمية، سواء كان للخبر علاقة مباشرة أو غير مباشرة به أم لا، فإصدار قانون جديد أو تعديل قديم يتعلق بالمرور أو التعليم أو حتى تنظيم الأسرة لابد أن ينشر مصحوبًا بصورة الزعيم، إلى الحد الذي تتخيّل معه أن الرجل في حالة دعاية وإعلان عن نفسه كل لحظة، وكأنه يتهيّأ لخوض انتخاباتٍ غدًا، وكل غد. وبحسب قنديل فإن الأكثر مسخرةً أن كل مؤتمر أو ملتقى ينعقد في مصر لبحث أمرٍ ما، في الاقتصاد أو السياحة أو الطب، يتحوّل فورًا إلى مناسبة لتسويق الجنرال إعلاميًا وسياسيًا، سواء عن طريق حضوره بشخصه حيث يختطف الكاميرا والميكروفون، ويتحدّث بعيدًا عن موضوع الملتقى، أو عن طريق كلمات المتحدّثين من رجاله، الذين يرجعون كل الأشياء إلى أصل واحد، هو الزعيم عبد الفتاح السيسي.

وينتهي الكاتب إلى أن كل هذه العناصر لا يمكن تجاهلها وأنت ترى إصرار السيسي على أن يسبق الجميع بخطوة على الطريق إلى تل أبيب، ولا تنسى أنك، في النهاية، بصدد شخصية درامية مصنوعة في ورش السيناريو الصهيونية، وتتحرّك وفقًا لحساباتها الدقيقة، في الإخراج والتصوير وتوقيتات العرض.