بعد عشر سنوات على مشهد الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الرئيس الشهيد محمد مرسي، في الثالث من يوليو 2013 ووسط تطورات دراماتيكية عديدة، أبرزها تخلص السيسي من شركائه الأساسيين كافة، وصار صناع مشهد الانقلاب خارج "دولة 30 يونيو"، فانحسرت عنهم الأضواء وباتوا على هامش الحياة السياسية، وباتت مواقفهم ما بين المعارضة والصمت والانسحاب نهائيا من العمل السياسي.
ولن تتوقف الأجيال المصرية التي عاشت مرارة انقلاب 3 يوليو 2013 عن محاولة فهم ما حدث، وأسباب فشل انتفاضة يناير 2011، والقوى التي شاركت فيها، والأحداث التي قادت إلى هذا الفشل، وفي مقدمتها مظاهرات 30 يونيو 2013، والتي دعا إليها معارضو جماعة الإخوان المسلمين، واستخدمها الجيش في الانقلاب على تجربة الحكم الديمقراطي.
ويسود تفسير أساسي للأحداث، يركز على مواقف الفاعلين الرئيسيين وسياساتهم، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان ومعارضوها، خصوصا بين القوى الثورية والجيش.
حيث يؤكد أنصار الشرعية أنهم تعرضوا للخيانة، لا سيما من قوى المعارضة المدنية أو العلمانية التي شاركت في انتفاضة يناير، ثم تحالفت مع قوى النظام القديم والمؤسسات الأمنية لإطاحة حكم الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، وتجربة الحكم الديمقراطية نفسها.
التوصيف الأكثر دقة للحالة المصرية أنه توجد أحزاب تنتمي لليمين الرأسمالي المحافظ، ترفض التغيير وتوالي الأنظمة الحاكمة، أو تقبل بالفتات، ذات نزعة علمانية أصولية إقصائية.
وفي المقابل، يمكنها التخلي عن علمانيتها في سبيل صفقة سياسية، قد يكون فيها أفراد منتمون للفكر الليبرالي، لكنها بشكل عام أحزاب لا تمثل تيارا، ولا تملك قواعد شعبية، ولا تبذل مجهودا حقيقيا، من أجل أن تملك قواعد شعبية حقيقية، تمكنها من المنافسة الحقيقية في أي انتخابات.
كثير من رموز النخبة المصرية بليبرالييها ويسارييها، ومن بينهم أعضاء في "الجمعية الوطنية للتغيير" ذاتها، انقلبوا على أنفسهم، وعلى أفكارهم ومبادئهم، وتحالفوا مع العسكر من أجل إسقاط أول رئيس مدني منتخب، وذلك دون أن يهتز لهم جفن.
وبينما تفرقت السبل برفاق الانقلاب، بين راحل عن الحياة وصاعد في المناصب أو مغادر منصبه ومهاجر خارج البلاد أو معارض لسياسيات العسكر بعد تأييد مطلق للمشهد في ذلك اليوم، ومنهم أيضا من قضى جزءا من حياته في السجن، ومنهم من ينتظر، وآخرين عادوا عبر المنافي ومنصات التواصل إلى مصافحة الإخوان المسلمين الذين عاداهم من قبل.
من جهته، اعتبر رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري ما جرى في السنوات الماضية من إقالات مفاجئة وغامضة أسلوبا متبعا في الأنظمة الديكتاتورية التي جاءت بانقلاب، للتخلص من الشركاء، وأوضح أن السيسي تخلص أولا من الشركاء المدنيين جملة واحدة، في حين حرص على التخلص من الشركاء العسكريين على فترات، خشية اتفاقهم بالانقلاب عليه؛ فالبعض رُقي لمناصب مدنية استرضاء لهم، والبعض أحيل للتقاعد، والبعض الآخر توفي في حوادث طرق غامضة، حسب قوله.
وبالنسبة للقوى السياسية والمدنية فإن مظاهرات الثلاثين من يونيو كانت آخر عهد المصريين بحرية الرأي والتعبير، فبعد أعوام تعترف القوى المدنية واليسارية والليبرالية التي شاركت في مظاهرات 30 يونيو أنها سقطت في الفخ، فلم تكن سوى أداة استغلت مع جزء من الرصيد الشعبي المعارض للإخوان المسلمين لعودة المجلس العسكري إلى سدة الحكم والهيمنة على مفاصل الدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا.
وصف الدكتور رفيق حبيب، المحلل السياسي، ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة السابق، أن ما حدث في ثورة 30 يونيو يعد «انقلابا عسكريا»، مؤكدا أنه كان مخطط له من خلال محاولات إعاقة الرئيس عن حل المشكلات التي تواجه البلاد، ومحاولات تشويه جماعة الإخوان المسلمين للتأثير على الرأي العام، والتركيز على عدد من الأزمات مثل البنزين والكهرباء والسولار.
وقال حبيب، في دراسة بعنوان «الانقلاب العسكري.. انتكاسة أم نهاية» "الانقلاب وقع لتحقق الثورة المضادة انتصارها الأول على الثورة الحقيقية".
وأضاف، "الشرائح التي خرجت لتطالب بانتخابات رئاسية مبكرة قبل موعدها لا تتفق في الهدف، فبعضها علماني يرفض المشروع الإسلامي، وبعضها يؤيد النظام السابق، وبعضها يعاني من تردي الأحوال المعيشية".
ولعل تغير الظروف، كانتشار وسائل تكنولوجيا حديثة تسهل من عملية التواصل، والتعلم من تجارب الماضي، من شأنه مساعدة قوى المعارضة المصرية الراهنة، باختلاف توجهاتها، على تحقيق التوازن بين متطلبات، كالسرية والانغلاق للهروب من القبضة الأمنية من ناحية، والانفتاح على القوى والأفكار السياسية المختلفة من ناحية أخرى، والنظر إلى التوافق السياسي باعتباره ضرورة وليس رفاهية، والتركيز على العمل الجماهيري، بدلا من إهدار المستقبل في السعي إلى العمل ضمن أطر الانقلاب العسكري الذي يبدو أكثر عداء للقوى السياسية، بمختلف أنواعها.
وفي تعليق له بذكرى الانقلاب، قال الحقوقي المصري البارز، بهي الدين حسن: إن "أي إزاحة محتملة للسيسي ستحدث من داخل نظامه بدعم خليجي"، مؤكدا أن "التغييرات العسكرية والأمنية المحدودة التي يقوم بها السيسي لن تفيده كثيرا".
وأشار حسن، إلى أن السيناريو الأرجح من وجهة نظره، يتمثل في أن "احتمال عدم التوافق بخصوص استمرار السيسي في سدة الحكم سيأتي من الشرائح العليا في نخبة الحكم".
وأضاف حسن: "لا أظن أنه يمكن مقارنة انتخابات 2014 و2018 بانتخابات العام القادم، حتى لو ترشح وفاز بها السيسي؛ ففي الانتخابات السابقة كان فوز السيسي بها أمرا مفروغا منه، بمجرد ضمان توحد نخبة الحكم والمؤسسة العسكرية خلفه. اليوم هذا الأمر صار سؤالا مفتوحا، سنعرف الإجابة عليه تدريجيا كلما اقتربنا من موعد فتح باب الترشح لها".
وأكد حسن، الذي يشغل منصب مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن "المنافس القادر على منافسة السيسي في ظل المعطيات السياسية الراهنة، هو مرشح ينتمي للنظام القديم الجديد، وعلى الأرجح يتمتع بدعم دول الخليج"، متابعا: "من الصعب تصور حدوث انتخابات رئاسية نزيهة وحرة في مصر العام القادم، دون حدوث ما يشبه الانقلاب أو الثورة قبل انعقادها".