ملايين المشردين فى الشوارع .. هل قدمت لهم الحكومة شيئا؟

- ‎فيتقارير

 

فى زمن الانقلاب هناك من يعيش على الأرصفة، وتحت الكبارى، وفى الزوايا المنسية من الشوارع، هؤلاء بشر سقطوا من حسابات الجميع؛ لا أسماء تنادى، ولا وجوه تفتقد، فقط أجساد تتحرك بلا وجهة، وعقول أنهكها الألم حتى فقدت القدرة على طلب النجاة ليسوا مجرد مشردين، كما يصفهم البعض، بل هم ضحايا أوجاع نفسية وعقلية لم تجد من يحتويها فى الوقت المناسب.

وراء كل حالة، حكاية صامتة عن أسرة عجزت أو تخلت، عن مجتمع لم يعطف، وعن منظومة لم تصل فى الوقت المناسب وبين كل هذه الدوائر، يبقى الإنسان وحده، يواجه مصيره فى الشارع، بلا علاج، بلا دعم، وبلا أمل فى العودة.

ورغم مزاعم وزارة الصحة بحكومة الانقلاب عن تطوير مستشفيات الطب النفسى، وحملات الإيواء، فإن هذه الجهود غير كافية للحد من تفاقم الظاهرة بجانب عدم وجود سياسة وقائية أو خطط فعالة لإعادة دمج هؤلاء داخل المجتمع، فضلاً عن نقص دور الإيواء الآمنة والمجهزة بما يضمن استمرارية الرعاية بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة.

 

خلل مجتمعى

 

فى هذا السياق أكدت استشارى الصحة النفسية الدكتورة عبير عبدالله أن تزايد أعداد المرضى النفسيين والعقليين فى الشوارع لم يعد مجرد مشهد عابر، بل أصبح مؤشراً واضحاً على وجود خلل مجتمعى يتطلب تدخلاً جاداً وشاملاً، محذرة من أن ترك هؤلاء دون رعاية أو احتواء يمثل أزمة إنسانية حقيقية تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.

وقالت عبير عبدالله فى تصريحات صحفية إن وجود بعض المرضى النفسيين فى الشارع قد يثير حالة من القلق لدى المواطنين، إلا أن هذه المخاوف غالباً ما تكون مبالغاً فيها، مشيرة إلى أن معظم المرضى النفسيين لا يشكلون خطراً بطبيعتهم، بل إنهم الفئة الأكثر عرضة للإيذاء والاستغلال.

وشددت على أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى المرض ذاته، وإنما فى غياب المتابعة الطبية والرعاية المستمرة موضحة أن الوصول إلى مرحلة التشرد لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل، من أبرزها غياب التشخيص المبكر، وعدم الالتزام بالخطة العلاجية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والتفكك الأسرى.   

 

منظومة الرعاية الاجتماعية

 

وأشارت عبير عبدالله إلى أن الوصمة المجتمعية تلعب دوراً كبيراً فى تفاقم الأزمة، حيث تدفع بعض الأسر إلى إخفاء المرض أو التخلى عن المريض، فى حين قد يرفض بعض المرضى تلقى العلاج لعدم وعيهم بطبيعة حالتهم.

وأوضحت أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول فى احتواء المريض النفسى، لكنها ليست الطرف الوحيد المسئول، معربة عن أسفها لأن بعض الأسر قد تعجز عن التعامل مع الحالة بسبب نقص الإمكانات أو غياب الدعم، بينما تتخلى أسر أخرى عن دورها نتيجة الجهل أو الخوف من نظرة المجتمع، وهو ما يسهم بشكل مباشر فى تفاقم المشكلة.

وكشفت عبير عبدالله أن لهذه الظاهرة تداعيات سلبية متعددة على المجتمع، إذ تسهم فى خلق حالة من القلق العام، وتعكس فى الوقت نفسه قصوراً فى منظومة الرعاية الاجتماعية. وفى المقابل، يظل المرضى أنفسهم هم الضحية الأولى، حيث يواجهون ظروفاً معيشية قاسية فى الشارع تؤدى إلى تدهور حالتهم الصحية والنفسية بشكل متسارع.

وطالبت حكومة الانقلاب بتبنى منظومة شاملة تقوم على التوعية المجتمعية، وتعزيز دور الأسرة، وتوفير خدمات متابعة وعلاج فعالة، إلى جانب سرعة التدخل للحالات الأكثر احتياجاً، بما يضمن حماية المرضى وإعادة دمجهم فى المجتمع بشكل آمن وإنسانى.

 

ضغوط اقتصادية

 

وقالت خبيرة الطب النفسى الدكتورة ندى عاطف، إن النظرة المجتمعية تجاه المرضى النفسيين الذين يعيشون فى الشوارع يشوبها قدر من المبالغة فى الخوف، موضحة أن الدراسات تؤكد أنهم ليسوا أكثر ميلاً للعنف من غيرهم، بل إنهم فى كثير من الأحيان الأكثر عرضة للإيذاء.

وأضافت ندى عاطف فى تصريحات صحفية : لا يمكن إنكار وجود نسبة محدودة من الحالات غير المعالجة أو المصحوبة باضطرابات حادة قد تظهر سلوكيات اندفاعية، إلا أن ذلك يظل استثناءً وليس القاعدة، ويرتبط بشكل مباشر بغياب العلاج والمتابعة.

وأكدت أن وصول المريض إلى الشارع هو نتيجة تراكمات معقدة، من بينها الانقطاع عن العلاج، وضعف خدمات المتابعة، والوصمة المجتمعية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية ونقص مراكز الإيواء والتأهيل، وهو ما يعكس خللاً واضحاً فى منظومة الرعاية النفسية والاجتماعية.

وشددت ندى عاطف على أن الأسرة، رغم أهميتها، ليست المسئول الوحيد، إذ قد تعجز بعض الأسر عن التعامل مع الحالة فى ظل غياب الدعم المؤسسى، ما يجعل المشكلة أوسع من نطاقها، وتمتد إلى المجتمع والخدمات المتاحة.

 

الضحية الأولى

ولفتت إلى أن تأثير الظاهرة لا يقتصر على المجتمع من حيث الشعور بعدم الأمان، بل يمتد بشكل أخطر إلى المرضى أنفسهم، الذين يتعرضون لظروف قاسية تشمل العنف والاستغلال وتدهور حالتهم الصحية، فضلاً عن فقدان الكرامة وصعوبة العودة للعلاج.

واعتبرت ندى عاطف أن المريض النفسى فى هذه الحالة هو الضحية الأولى، فى ظل منظومة لا توفر له الحماية الكافية، مؤكدة أن الجهود الحالية، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى استكمال من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل العلاج، والتأهيل، والدعم الاجتماعى، بما يضمن إعادة دمج هؤلاء داخل المجتمع بشكل آمن وإنسانى.