تشهد قرية الرحامنة التابعة لمركز فارسكور بمحافظة دمياط، ومعها قرى الغوابين والعطوى والروضة وأولاد خلف والقرى المجاورة في دمياط والمحافظات، حالة من الحزن العميق بعد الإعلان عن وفاة ابنها المعتقل الحاج محمد مختار حافظ سلال، البالغ من العمر 58 عامًا، داخل محبسه بسجن جمصة شديد الحراسة، يوم الثلاثاء الموافق 26 مايو 2026.
وجاءت الوفاة قبل أشهر قليلة من انتهاء مدة حبسه، لتعيد إلى الواجهة ملف الإهمال الطبي داخل السجون المصرية، وما يترتب عليه من انتهاكات خطيرة للحق في الحياة والرعاية الصحية.
وكان الراحل يعمل نجارًا ويُعرف بين أهالي قريته بالخلق الطيب والسمعة الحسنة. اعتُقل قبل سنوات وصدر بحقه حكم بالسجن تراوح بين 7 و10 سنوات وفقًا لاختلاف المصادر الحقوقية، وقد أمضى بالفعل أكثر من 9 سنوات داخل محبسه. وكان من المقرر أن تنتهي مدة حبسه خلال العام الجاري 2026.
وخلال فترة احتجازه، أصيب الحاج محمد مختار بمرض خطير في الكبد، وتدهورت حالته الصحية تدريجيًا حتى فقد القدرة على الحركة وأصبح قعيدًا على كرسي متحرك داخل السجن. ورغم المناشدات المتكررة من أسرته ومنظمات حقوقية لتوفير الرعاية الطبية اللازمة، لم يتلقَّ العلاج الكافي، بحسب المعلومات الواردة من داخل السجن.
وتشير المصادر إلى أن نجله مختار محمد مختار ما يزال محتجزًا معه داخل سجن جمصة، ما يزيد من معاناة الأسرة التي فقدت عائلها في ظروف مأساوية.
وتدهورت الحالة الصحية للراحل بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة، دون استجابة مناسبة من إدارة السجن، وفقًا لشهادات حقوقية. وقد توفي داخل محبسه بعد معاناة طويلة مع المرض، وسط اتهامات باستمرار سياسات الإهمال الطبي داخل السجون، وعدم توفير الرعاية الصحية اللازمة للمحتجزين، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن.
وتُعد هذه الوفاة حلقة جديدة في سلسلة وفيات داخل أماكن الاحتجاز المصرية، والتي تُعزى في كثير من الحالات إلى الحرمان من العلاج أو التأخر في تقديمه، ما يشكل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة والحق في الصحة.
وأكدت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن وفاة الراحل قبل أشهر من انتهاء مدة حبسه تسلط الضوء على خطورة استمرار احتجاز المرضى دون توفير الرعاية الطبية المتخصصة. وطالبت بـ تحقيق مستقل في ظروف الوفاة، والكشف عن مدى تلقيه العلاج والفحوصات الدورية، ومراجعة أوضاع المرضى داخل السجون، والتوسع في تطبيق الإفراج الصحي للحالات الحرجة. وشددت المنظمة على أن حرمان المحتجز من الرعاية الصحية لا يعد مجرد تقصير إداري، بل قد يرتب مسؤولية قانونية مباشرة عن النتائج، وفي مقدمتها فقدان الحياة.
وحمّل مركز الشهاب السلطات المصرية وإدارة سجن جمصة المسؤولية الكاملة عن وفاة الحاج محمد مختار سلال، معتبرًا أن تكرار حالات الوفاة نتيجة الإهمال الطبي يمثل جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة. وطالب بـ الإفراج الفوري عن نجله لتمكينه من حضور جنازة والده وتلقي العزاء، وفتح تحقيق عاجل وشفاف في ملابسات الوفاة، وضمان الرعاية الطبية لكافة المحتجزين، والإفراج عن المرضى وكبار السن وفقًا للقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.
وعبر أهالي قرية الرحامنة والقرى المجاورة عن حزن بالغ لرحيل أحد أبنائهم في ليلة عيد، معتبرين أن وفاته داخل السجن تمثل مأساة إنسانية مضاعفة، خاصة مع استمرار احتجاز نجله وعدم تمكنه من وداع والده. وتداول الأهالي عبر منصات التواصل الاجتماعي رسائل نعي مؤثرة، جاء في بعضها:
وأكد الأهالي أن الراحل كان مثالًا للصبر والرضا رغم ما تعرض له من معاناة داخل محبسه.
وتُلزم القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) الدول بتوفير رعاية صحية مساوية لما هو متاح خارج السجون، بما يشمل الفحص الطبي الدوري، ونقل المرضى للمستشفيات عند الحاجة، وتوفير أطباء متخصصين، وعدم استخدام الحرمان من العلاج كأداة عقابية. كما ينص الدستور المصري على حماية الحق في الحياة والرعاية الصحية، ما يجعل أي تقصير يؤدي إلى وفاة محتجز انتهاكًا دستوريًا وقانونيًا.
ويدق ناشطون وحقوقيون جرس إنذار جديد حول خطورة الأوضاع الصحية داخل السجون المصرية، وضرورة التحرك العاجل لضمان حقوق المحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن أي إهمال أدى إلى فقدان حياة إنسان كان ينتظر الخروج إلى أسرته خلال أشهر قليلة. وتبقى المطالب الحقوقية واضحة: تحقيق شفاف، محاسبة المسؤولين، رعاية صحية حقيقية للمحتجزين، وإطلاق سراح المرضى وكبار السن.