“المركب بتغرق”.. د.محمود عمارة يقترح مسارا للخروج الآمن للسيسي: ارحل الآن!

- ‎فيسوشيال

أثارت رسالة مفتوحة للكاتب والباحث الاقتصادي د.محمود عمارة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن طرح تصوراً وصفه بأنه "روشتة للخروج الآمن" لعبد الفتاح السيسي، محذراً من أن مصر تمر بمرحلة حساسة تحتاج إلى قرارات استثنائية قبل تفاقم الأزمات.

وشبّه عمارة الوضع المصري بـ"مركب تتقاذفها الأمواج"، داعياً إلى التحرك قبل أن تصبح الخيارات أكثر صعوبة، في طرح فتح نقاشاً حول إمكانية وجود مسار سياسي يهدف إلى تجنب الصدام والحفاظ على استقرار الدولة.

تفاصيل المقترحات

لم تقتصر رؤية الكاتب "عمارة" على انتقاد الوضع القائم، بل تضمنت مجموعة من المقترحات السياسية والاقتصادية، أبرزها الالتزام الكامل بالدستور وعدم المساس بمواده، وتعيين نائب لرئيس الجمهورية، وإطلاق سراح سجناء الرأي الذين لم يثبت تورطهم في أعمال عنف أو حمل السلاح، كما دعا عمارة إلى تشكيل حكومة اقتصادية ذات صلاحيات واسعة، أطلق عليها "حكومة حرب اقتصادية"، تكون مهمتها قيادة مرحلة إصلاح اقتصادي شامل، تركز على محاور التصنيع والتصدير والتشغيل، بهدف مضاعفة الإنتاج وزيادة معدلات النمو خلال السنوات المقبلة.

وتضمن المنشور إشادة بمشروعات البنية التحتية التي نُفذت خلال السنوات الماضية، مع توجيه الشكر للمؤسسة العسكرية ودورها في حماية أمن البلاد، قبل أن يدعو إلى فتح صفحة جديدة تقوم على التعاون والإصلاح، واختتم محمود عمارة منشوره بدعوة إلى تداول الرسالة وإيصالها إلى مؤسسة السيسي، معتبرًا أن الوقت أصبح عاملًا حاسمًا في اتخاذ القرارات التي يراها ضرورية لتجاوز المرحلة الراهنة.

ويُعرف محمود عمارة بكونه كاتبًا وباحثًا اقتصاديًا مصريًا، حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، وله حضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، عُرف بجرأته في طرح الأفكار الاقتصادية والسياسية، وكان من أوائل من ناقشوا أزمة الديون المصرية وانهيار العملة قبل سنوات.

وقد سبق له في عام 2014 أن أكد أنه يملك العديد من الحلول للأزمات التي تمر بها مصر، لكنه أشار إلى أنه لا يمكنه عرضها على المسؤولين أو السيسي.

وفي عام 2016، وصف السيسي بأنه "فرصة لمصر لحل مشكلاتها وسحبها نحو التقدم"، لكنه انتقد من حوله. كما دعا عمارة في عام 2015 السيسي إلى الاقتداء بتجربة دولة بوركينا فاسو في توزيع الأراضي.

وأثارت دعوة عمارة جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تناقلها عدد من النشطاء والمراقبين، فقد أعاد حساب وطن. يغرد خارج السرب (@watanserb_news) نشر المقترح، كما تناوله حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) واصفًا إياه بأنه "مُقترح لإنقاذ مصر يتضمن مخرجًا آمنًا للسيسي".

في المقابل، أبدى حساب @bachirferhat44رأيًا مخالفًا، معتبرًا أن "الخروج الآمن يعني أن يكلف غيره ويسلم بإرادته، لم يريده هو وهذا لن يغير في الأمر شيئًا"، مطالبًا بـ"خروج إلى السجن والمحاكمات الثورية العاجلة".

كما نشر الصحفي محمد جابر (@45mogaber45) مقطع فيديو على يوتيوب بعنوان "ارحل الآن…محمود عمارة يفجرها في وش السيسي".

https://youtube.com/live/cRN5lgIEt9c

 

أما المستشار وليد شلبي (@waleedsharaby)، سبق أن عبر عن رأيه في النظام الحالي، يمكن صياغة الموقف السياسي لوليد شرابي من خلال تغريداته على النحو التالي:

يرى المستشار وليد شرابي أن النظام الحالي في مصر هو نتاج انقلاب عسكري فشل سياسياً منذ البداية، وأن السيسي استغل الانقلاب كسلم للوصول إلى الحكم ثم رفعه معه، ويعتبر شرابي أن النظام أضعف من نظام مبارك رغم قمعه الأشد، وأن خطاب السيسي حول ثورة يناير انتهازي ومتغير حسب المصالح الدولية، كما ينتقد بشدة مؤيدي النظام حتى لو تظاهروا بالمعارضة، ويمجد في المقابل شخصية الرئيس د.محمد مرسي كنموذج للنزاهة والتواضع، مستشهداً بمواقف قضائية مشرفة لرفض الانقلاب.

من جانبه، يرى نظام المهداوي (@NezamMahdawi)، الصحفي والكاتب الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة ورئيس تحرير صحيفة وطن، أن السيسي وقيس سعيّد والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون "ما زالوا أسرى عقلية الحكم الشمولي الديكتاتوري"، محذرًا من أن "أنظمتهم المتعفنة لا تمنع الانفجار، بل تؤجله فقط".

أما حساب مصر العدالة (@EgyAmerJustice)، فيرى أن "تغيير السيسي بفاعليات سلمية ممكن، لكن القصاص يتطلب قدر كبير من العنف، فيجب الفصل بينهما".

تحليل فورين بوليسي: ليس الأول من نوعه

تأتي دعوة عمارة في سياق أوسع من الانتقادات الدولية للنظام المصري. ففي تحليل سابق نشرته مجلة فورين بوليسي، كتب الباحث الأمريكي ستيفن كوك (@stevenacook) تحليلاً لاذعًا يصف فيه تدهور الأوضاع في مصر تحت حكم السيسي. وليس هذا التقرير الأول من نوعه في كشف "ضآلة الجنرال وضعفه"، بل هو جزء من سلسلة تقارير غربية تنتقد سياسات السيسي الاقتصادية والخارجية.

ونشرت مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأمريكية في 10 أغسطس 2023 مقالاً للكاتب والباحث الأمريكي ستيفن إيه كوك (Steven A. Cook) تحت عنوان "How Abdel Fattah al-Sisi Ruined Egypt's Economy" (كيف خرّب عبد الفتاح السيسي اقتصاد مصر)، يتناول فيه التدهور الاقتصادي الحاد الذي تشهده مصر بعد عقد من حكم السيسي، محذراً من أن البلاد أصبحت على شفا الإفلاس.

العاصمة الإدارية وأعباء هائلة

يخصص المقال مساحة واسعة للحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة، التي يصفها بأنها أضخم وأكثر المشاريع إثارة للجدل. فبعد أن انسحبت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والصين من تمويل المشروع، اضطرت الحكومة المصرية إلى تحمل التكاليف بالكامل من خلال إضافة مبالغ ضخمة من الديون إلى ميزانية البلاد. وقد بلغت تكلفة المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة أكثر من 45 مليار دولار، وهي لا تزال قيد الإنشاء.

وتشير الدراسة إلى أن العاصمة الإدارية الجديدة ليست المشروع الوحيد، بل هناك العديد من المشاريع الكبرى الأخرى التي يشرف عليها السيسي، من بينها عاصمة الصيف الجديدة "الساحل الشمالي"، ومحطة للطاقة النووية في بلد يعاني بالفعل من فائض في إنتاج الكهرباء، ومدينة مستدامة في دلتا النيل، وإحياء مشروع توشكا الضخم الذي يعود إلى عصر مبارك.

قناة السويس الجديدة: قيمة اقتصادية مشكوك فيها

يتناول المقال افتتاح المجرى الجديد لقناة السويس في عام 2015، والمعروف باسم "قناة السويس الجديدة"، مشيراً إلى أن معظم هذه المشاريع الكبرى لها قيمة اقتصادية مشكوك فيها، لكنها كانت مهمة سياسياً في المقام الأول، فقد كانت هذه المشاريع تهدف إلى تقديم عروض ملموسة عن تجديد مصر تحت إشراف اليد الثابتة لضابطها العسكري الذي تحول إلى رئيس للانقلاب، ولإرسال رسالة مفادها أن مصر لا تزال قادرة على فعل أشياء عظيمة.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن هذه المشاريع الضخمة أصبحت أعباء اقتصادية لا يمكن تحملها، مشيراً إلى أنه بينما قد تكون الجسور الجديدة والطرق والتقاطعات وتحسينات المطارات والمترو تستحق الاستثمار بسبب العوائد المتوقعة، فإن العاصمة الصيفية والعاصمة الإدارية الجديدة هما مجرد "حفر ضخمة للأموال التي لا تمتلكها مصر".

بيع الأصول: محاولة يائسة لسد العجز

يتناول المقال بالتفصيل سياسة بيع أصول الدولة التي انتهجتها الحكومة المصرية في إطار اتفاقها الأخير مع صندوق النقد الدولي، حيث وافقت على بيع أصول مملوكة للدولة، بما في ذلك الأصول التي يمتلكها الجيش، ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن عدد المشترين كان محدوداً، وذلك لأن هذه الأصول إما لا تساوي شيئاً، أو لا أحد يعرف كيفية تحديد قيمتها، أو أن المشترين المحتملين ينتظرون تخفيضاً آخر لقيمة الجنيه المصري للحصول على شركات عالية الجودة بأسعار أرخص.

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة عن مبيعات بقيمة 1.9 مليار دولار لأصول الدولة، وهو أمر إيجابي لكنه لا يفعل الكثير لتخفيف المعاناة الاقتصادية واسعة الانتشار.

التضخم والديون وانهيار العملة

يقدم المقال إحصائيات وصفت بأنها "مرعبة"، حيث بلغ التضخم في مصر ما يقرب من 37 في المائة، ووصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 30 جنيهاً مصرياً حينئذ (وصل اليوم اليوم إلى 50 جنيها)، مقارنة بنحو 7 جنيهات للدولار عندما تولى السيسي الحكم، كما بلغ دين مصر الدولي ما يقرب من 163 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصل الدين العام للبلاد إلى ما يقرب من 93% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023.

ويصف الكاتب كيف اضطر المسؤولون الحكوميون إلى إدارة الأمور المالية لمصر كما لو كانوا يلعبون "لعبة الخدعة"، حيث ينقلون الأموال من مكان لآخر في محاولة عبثية لإخفاء الظروف الاقتصادية الهشة للبلاد.

تراجع النفوذ الإقليمي: مصر كقوة مستهلكة

لا يقتصر المقال على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يتناول أيضاً تراجع الدور الإقليمي لمصر تحت حكم السيسي. ويشير الكاتب إلى أن المتاعب الاقتصادية في مصر تعزز فقط فكرة أن البلاد أصبحت "قوة مستهلكة" في السياسة الإقليمية، وأبرز مثال على ذلك هو الغياب شبه الكامل للقاهرة في الحرب الأهلية في السودان، الفناء الخلفي للبلاد، حيث تنازل السيسي عن أي جهد للتوسط في السودان لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ويشير المقال إلى أن المصريين، الذين انتفضوا في عام 2011 بحثاً عن الكرامة، أصبحوا الآن يغادرون البلاد بأعداد متزايدة بدلاً من انتظار الازدهار الذي وعدهم به قادتهم. ففي عام 2022، حاول حوالي 22,000 مصري الوصول إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط، وخلال شهر يونيو 2023 وحده، حاول أكثر من 6,000 مصري الوصول إلى إيطاليا، ليشكلوا ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين الذين يأملون في الوصول إلى الشواطئ الإيطالية.

وتعود جذور دعوة عمارة إلى التدهور الاقتصادي الحاد الذي تعاني منه مصر. فقد أدت الأزمة المالية التي ضربت مصر إلى قيام حكومة السيسي والبنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه والاعتماد على الموارد الريعية فيما يتعلق بالنقد الأجنبي.