عقب إعلان حكومة الانقلاب فى مارس الماضى زيادة الحد الأدنى للأجور بقيمة 1000 جنيه شهرياً، وزيادة المعاشات بنسبة 15% بدءا من شهر يوليو المقبل بدأت الأسواق فى إرسال رسائل مختلفة تماماً.. فبينما كان المواطنون يحسبون ما يمكن أن تضيفه الزيادة الجديدة إلى ميزانياتهم المنهكة، كانت أسعار السلع والخدمات تتحرك فى الاتجاه المعاكس، وكأنها تسابق القرار قبل دخوله حيز التنفيذ.
ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عن الزيادة المرتقبة، شهدت الأسواق المصرية موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، طالت السلع الغذائية الأساسية والخضراوات والفاكهة واللحوم والدواجن، وصولاً إلى الخدمات اليومية والدروس الخصوصية والمطاعم والعيادات الخاصة..
وفى الوقت الذى تبرر بعض القطاعات هذه الزيادات بارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، يرى مواطنون أن جزءاً كبيراً منها جاء استباقياً، استناداً إلى توقعات بزيادة دخول الأسر المصرية خلال الأشهر المقبلة
تسعير استباقى
حول هذه الأزمة أكد خبراء اقتصاد أن السبب الرئيسى فيما تشهده الأسواق يعود إلى ما يعرف بـ«سلوك التسعير الاستباقى»، موضحين أن التاجر أو المنتج عندما يسمع أن ملايين المواطنين سيحصلون على دخول إضافية، يبدأ فى رفع الأسعار تدريجياً تحسباً لزيادة الطلب، مضيفين أن القيمة الحقيقية لأى زيادة لا تُقاس بالرقم المعلن، وإنما بقدرتها على شراء السلع والخدمات بعد تطبيقها .
وشددوا على أنه من غير المستبعد بعد بدء صرف الزيادة حدوث موجة جديدة من الارتفاعات السعرية، موضحين أن السيولة الإضافية التى ستدخل إلى الأسواق قد تدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار مجدداً، خصوصاً فى القطاعات التى تعتمد على الطلب المحلى بشكل أساسى.
وأوضح الخبراء أن هذه القطاعات تشمل: المواد الغذائية، المطاعم، والمقاهى، الملابس، الدروس الخصوصية، الخدمات الطبية، النقل الداخلى، متوقعين أن تشهد الأسواق زيادات تدريجية خلال الربع الثالث من العام مع بدء ظهور أثر الزيادة على القوة الشرائية للمواطنين.
وأشاروا إلى أنه إذا كان الموظفون ينتظرون الألف جنيه بفارغ الصبر، وأصحاب المعاشات ينتظرون نسبة الـ15% فإنه إذا ارتفعت الأسعار بمعدلات تلتهم الجزء الأكبر من الزيادة، فإن المستفيد الأكبر قد يكون حلقات الوساطة والتجارة وبعض مقدمى الخدمات الذين يرفعون أسعارهم استناداً إلى توقعات السوق، وفى المقابل يجد المواطن نفسه فى دائرة مفرغة؛ يحصل على زيادة فى دخله، ثم يفقد جزءاً كبيراً منها بسبب التضخم.
الأسعار لم تتوقف
فى أحد شوارع القاهرة الشعبية، قالت أم محمد سيدة خمسينية تقف أمام عربة خضراوات صغيرة تتفحص أسعار الطماطم والبطاطس : سألت البائع عن سعر كيلو الطماطم، فأجاب: «60 جنيهاً».
وأشارت أم محمد إلى أن حكومة الانقلاب أعلنت قبل أشهر زيادة قدرها ألف جنيه على الحد الأدنى للأجور، وأن الأسعار منذ ذلك اليوم لم تتوقف عن الصعود.
وأضافت : كل مرة يقولوا زيادة للمرتبات نفرح يومين، وبعدها نلاقى الأسعار سبقت الزيادة بأشواط .
اتصرفت قبل ما أخدها
وقال أحمد حسن، موظف حكومى وأب لثلاثة أبناء: الزيادة لسه ما نزلتش، لكن صاحب السوبر ماركت رفع الأسعار مرتين، والمدرس رفع سعر الحصة، وحتى السباك والكهربائى زودوا أجورهم .
وأضاف عم سيد، موظف على وشك التقاعد من حى شبرا : كنت متخيل إن الألف جنيه هتفرق معايا، لكن دلوقتى حاسس إنها اتصرفت قبل ما أخدها، مؤكدًا أن فاتورة الأكل زادت، وفاتورة الكهرباء زادت، والمواصلات بقت أغلى، وكل حاجة تقريباً اتحركت .
مش هنحس بيهم
وأوضحت منى عبدالعال ربة منزل أن المشكلة ليست فى زيادة سعر سلعة بعينها، وإنما فى ارتفاع أسعار كل شىء .
وأضافت: لما الزيت والسكر والجبنة والخضار والمواصلات تزيد أسعارهم فى نفس الوقت، الألف جنيه مش هنحس بيهم .
أسعار الدقيق
وأكد صاحب مخبز خاص إن أسعار الدقيق والخامات والنقل دفعت الكثير من أصحاب الأنشطة إلى تعديل الأسعار، موضحًا: الناس فاكرة إن التجار بيزودوا من غير سبب، لكن التكلفة نفسها بقت أعلى .
3 سيناريوهات
وكشف الخبير الاقتصادى الدكتور حسام الغايش أن هناك عدة سيناريوهات اقتصادية محتملة بعد صرف الزيادة، مشيرا إلى أن السيناريو الأول هو أن ترتفع الأسعار بنسبة أقل من نسبة الزيادة، مما يحقق فائدة حقيقية للمواطنين. وهذا السيناريو يتطلب وجود سياسات اقتصادية فعالة لاحتواء التضخم وضمان استقرار الأسعار.
وقال الغايش فى تصريحات صحفية : السيناريو الثانى هو أن ترتفع الأسعار بنسبة تعادل نسبة الزيادة، ما يعنى عدم وجود فائدة حقيقية. وفى هذا الحالة، الزيادة تكون اسمية فقط ولا تحقق تحسناً فى المعيشة.
وأشار إلى أن السيناريو الثالث هو أن ترتفع الأسعار بنسبة أعلى من نسبة الزيادة، مما يعنى فقدان جزء من الزيادة وتحسن المعيشة بشكل سلبى. مشددا على أن هذا السيناريو هو الأكثر خطراً، ويؤدى إلى تراجع فى القوة الشرائية الفعلية.
وأكد الغايش أن المواطن المصرى يحتاج إلى زيادة فى الدخل الحقيقى، وليس فقط فى الدخل الاسمى. وهذا يتطلب تحقيق توازن بين ارتفاع الأجور وارتفاع الأسعار، مع سياسات اقتصادية فعالة لاستقرار الأسعار محذرا من أنه بدون هذا التوازن، تبقى الزيادة اسمية فقط ولا تحقق الهدف المنشود فى تحسين المعيشة، مشددًا على أن الزيادة تمثل فرصة محتملة لتحسين المعيشة، لكن نجاحها يعتمد على سياسات حكومية فعالة.