تتواصل تداعيات الحصار المفروض على عدد من المنازل في قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية، وسط مساعٍ من الأهالي ومؤسسات إنسانية ومتضامنين فلسطينيين وإسرائيليين ودوليين للوصول إلى العائلات المحاصرة وإدخال الاحتياجات الأساسية إليها.
وتقول رقية، إحدى سكان المنطقة، إنها حاولت برفقة طفلتيها الوصول إلى زوجها المحاصر داخل منزلهما، إلا أنها لم تتمكن من الدخول، لتبقى أمام منزلها تراقبه من بعيد.
وتصف رقية المشهد بقولها إنها ترى منزلها ولا تستطيع الوصول إليه، فيما تقول إن جنوداً إسرائيليين يستخدمونه كثكنة عسكرية، بحجة منع المستوطنين من الوصول إلى المنطقة.
وتشير إلى أنها كانت تعتقد أن مرافقة المتضامنين ستوفر لها قدراً من الحماية يسمح لها بالوصول إلى منزلها، إلا أن الجيش الإسرائيلي منع المتضامنين من دخول المنطقة وطردهم منها.
ورغم المخاطر التي تقول إنها تدركها، تؤكد رقية إصرارها على تكرار المحاولة للوصول إلى زوجها وأفراد عائلتها المحاصرين.
متضامنون يحاولون كسر الحصار
وفي محاولة للفت الانتباه إلى أوضاع العائلات المحاصرة، شارك متضامنون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون في فعالية تهدف إلى الوصول إلى المنازل المحاصرة وتوفير الدعم لسكانها.
ويقول آدم ربيع، مدير شئون الضفة الغربية في مؤسسة «حاخامات من أجل حقوق الإنسان» الإسرائيلية، إن المؤسسة شاركت إلى جانب مؤسسات حقوقية ومتضامنين محليين ودوليين في تنظيم التحرك، بهدف كسر الحصار المفروض على القرية وعلى العائلات الموجودة داخل المنازل.
ويصف ربيع الوضع في قصرة بأنه «خطير»، معتبراً أن الإجراءات المفروضة على السكان قد تؤدي إلى تهجيرهم قسراً، ومشيراً إلى ما قال إنه منع أو عرقلة لوصول المواد الغذائية والمياه إلى المحاصرين.
ويدعو ربيع المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية والجهات الفلسطينية الرسمية إلى التحرك من أجل فك الحصار عن القرية، محذراً من تكرار ما وصفه بعملية التهجير التي تعرض لها سكان قرية جالود القريبة مؤخراً.
وبحسب ربيع، فإن الجيش الإسرائيلي منع في البداية وصول الاحتياجات الأساسية إلى العائلات المحاصرة، قبل السماح بإدخال بعضها لاحقاً، لكنه يؤكد أن المطلوب، من وجهة نظره، هو اتخاذ إجراءات فعلية لإنهاء الحصار وعدم السماح بمرور عمليات التهجير دون تدخل.
«نقف معاً».. تضامن فلسطيني وإسرائيلي
وشارك في التحرك متضامنون إسرائيليون، من بينهم ناشط يدعى ناتي، ارتدى قميصاً يحمل عبارة «نقف معاً». ويقول ناتي إن الهدف من وجودهم في قصرة هو تأكيد ضرورة إنهاء الاحتلال، معتبراً أنه لا يمكن القبول بمحاصرة السكان في منازلهم في الوقت الذي يتحرك فيه المستوطنون في المنطقة.
ويؤكد أن المتضامنين سيواصلون الحضور إلى القرية وسيحاولون استقدام مزيد من المشاركين، داعياً إلى تحرك مشترك من الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل وقف الاحتلال والوصول إلى واقع يسمح للفلسطينيين والإسرائيليين بالعيش معاً.
وحمل المشاركون خلال التحرك لافتات تضمنت عبارات مثل «أوقفوا الإرهاب» و«العدالة للجميع»، في ظل جهود محلية ودولية للضغط من أجل إنهاء الحصار المفروض على ثلاثة منازل في القرية، والتي تقول المصادر المحلية إن عشرة مواطنين ما زالوا محتجزين أو محاصرين داخلها.
ثلاثة منازل تحت الحصار
ويقول رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم وادي، إن السلطات المحلية تواصل العمل مع المؤسسات الإنسانية الدولية لإدخال المساعدات إلى العائلات الموجودة في المنطقة، مشيرا إلى أنه سُمح بإدخال جزء من المساعدات في اليوم السابق، فيما تتواصل الجهود لإدخال مستلزمات أخرى.
وبحسب وادي، يحاصر الجيش الإسرائيلي المواطنين داخل أحد المنازل، بينما يستخدم منزلين آخرين كثكنات عسكرية، لافتًا إلى ما وصفه بتعديات على الممتلكات واستخدام مكثف لأجهزة التكييف والطاقة الشمسية والإنارة داخل المنازل.
ويضيف أن جرافات عسكرية اقتحمت خلال ساعات الليل منطقة جبل رأس العين وأغلقت الطرق المؤدية إلى المنازل، الأمر الذي أدى، وفق روايته، إلى عرقلة وصول الأهالي والمتضامنين إليها.
كما يقول إن المحاصرين لا يزالون يواجهون قيوداً على الدخول والخروج، مع استمرار منع الآخرين من الوصول إليهم.
بداية التصعيد
وترتبط التطورات الحالية بسلسلة من الاعتداءات التي بدأت، وفق رواية سكان القرية، في يناير الماضي، عندما بدأ مستوطنون باقتحام منزل عائلة «أبو ريدة» في المنطقة.
وبحسب الرواية المحلية، تعرض المنزل لاعتداءات شملت سرقة كاميرات المراقبة وتحطيم النوافذ والأبواب، في محاولة للسيطرة عليه.
ومع استمرار التوتر، امتدت الاعتداءات إلى منازل أخرى، بالتزامن مع إقامة بؤرة استيطانية أمامها، قبل أن يقوم الجيش الإسرائيلي بإزالة البؤرة قبل أيام.
وأدى ذلك، بحسب المصادر المحلية، إلى تصاعد التوتر وعودة الاقتحامات والاعتداءات، إضافة إلى قطع شبكات الكهرباء والمياه عن عدد من السكان الفلسطينيين.
قصرة في دائرة الاستيطان والاعتداءات
وتقع قصرة في منطقة تحيط بها عدة مستوطنات وبؤر استيطانية، ما جعلها خلال السنوات الأخيرة واحدة من المناطق التي تشهد توتراً متكرراً بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين. وبحسب المعطيات الواردة من رئيس البلدية، فقد فقدت القرية ثمانية من أبنائها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقول سكان محليون إن استمرار الاعتداءات والقيود على الحركة والوصول إلى المنازل أدى إلى تفاقم المخاوف من تهجير السكان من المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وفي المقابل، تظل الروايات بشأن دوافع الإجراءات العسكرية وطبيعة الأحداث محل خلاف بين الأطراف، في وقت تتواصل فيه المطالبات بالسماح للسكان بالوصول إلى منازلهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
أزمة إنسانية تتطلب تدخلاً
وتضع التطورات في قصرة قضية وصول المدنيين إلى الغذاء والمياه والمستلزمات الأساسية في صدارة المطالب التي يطرحها الأهالي والمتضامنون.
وبينما تحاول المؤسسات الإنسانية إدخال المساعدات، يطالب سكان القرية بإنهاء القيود المفروضة على حركة الأهالي والسماح للعائلات المحاصرة بمغادرة منازلها والعودة إليها بحرية.
وفي ظل استمرار الحصار والوجود العسكري داخل عدد من المنازل، يخشى السكان والمتضامنون من أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم يؤدي إلى دفع العائلات إلى مغادرة المنطقة.
وتبقى الأنظار متجهة إلى التحركات الإنسانية والحقوقية خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت ستنجح في الوصول إلى العائلات المحاصرة، وتأمين احتياجاتها الأساسية، ووقف الإجراءات التي يقول سكان قصرة إنها تهدد وجودهم في منازلهم وأراضيهم.