تتصاعد خلال الفترة الأخيرة عدة أزمات داخل قطاع الصحة في مصر، تتعلق بتهالك عدد من المنشآت الصحية، وأزمة حركة نيابات الأطباء لعام 2026، إلى جانب الاضطرابات المرتبطة بسوق الدواء وأسعار المستحضرات الطبية وتوافر بعض الأدوية الحيوية، في وقت تركز فيه التصريحات الرسمية على مشروعات جديدة وتوجهات مستقبلية، بينها إنشاء مدن طبية عالمية، وزيادة أجور العاملين بالقطاع الصحي تدريجيًا، والتوسع في تصنيع بعض الأدوية محليًا.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات حول ترتيب أولويات الإنفاق والإصلاح في القطاع الصحي، وما إذا كانت المشروعات الجديدة قادرة على معالجة الاختناقات القائمة بالفعل، أم أن بعض الملفات العاجلة تحتاج أولًا إلى حلول مباشرة قبل الانتقال إلى مشروعات طويلة الأجل.
ويستند الجدل إلى ما يُوصف في الأدبيات السياسية والإدارية والاقتصادية بـ"الهروب إلى الأمام"، وهو نهج تلجأ إليه السلطات عند مواجهة أزمات متراكمة، من خلال إطلاق مبادرات أو مشروعات جديدة وتأجيل معالجة جذور المشكلات القائمة، بما قد يؤدي إلى نقل أعباء الأزمة إلى المستقبل بدلًا من حسمها في الوقت الراهن.
تصريحات قديمة تعيد طرح سؤال الأولويات
تعيد هذه التطورات إلى الواجهة تصريحات سابقة لعبد الفتاح السيسي، تحدث فيها عن صعوبة توفير بعض الخدمات الأساسية، ومن بينها التعليم والعلاج، وهي تصريحات أثارت في حينها جدلًا واسعًا حول قدرة الدولة على الوفاء باحتياجات المواطنين.
وبعد سنوات من تلك التصريحات، لا تزال ملفات البنية التحتية الصحية، وتوزيع الأطباء، وتوافر الأدوية وأسعارها، من أبرز القضايا التي تشغل العاملين في القطاع الصحي والمواطنين على حد سواء.
وفي هذا السياق، يتركز الجدل الحالي حول ثلاثة ملفات رئيسية: المنشآت الصحية، وحركة نيابات الأطباء، وسوق الدواء.
أولًا: المدن الطبية في مواجهة أزمة المنشآت الصحية
في 31 يوليو 2026، نشر موقع «برلماني» تقريرًا حول تقدم النائب حسين غيته، عضو مجلس النواب، بسؤال إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان بشأن خروج 65 وحدة صحية من منظومة التأمين الصحي الشامل في محافظة المنيا.
وبحسب ما أورده التقرير، أثار النائب تساؤلات بشأن انعكاسات استبعاد هذه الوحدات على سكان القرى، خاصة مع اختلاف طبيعة المناطق جغرافيًا وسكانيًا، محذرًا من أن إلغاء تقديم الخدمة في بعض الوحدات قد يؤدي إلى تحميل المواطنين أعباء الانتقال إلى قرى ومناطق مجاورة.
وفي المقابل، نقل موقع «اليوم السابع»، في الأول من أغسطس، عن المتحدث الرسمي لوزارة الصحة أن المنشآت التي لم تُدرج ضمن المرحلة الحالية من التشغيل التجريبي لمنظومة التأمين الصحي الشامل تواصل تقديم الخدمات الصحية المعتادة، مؤكدًا عدم صدور قرارات بإغلاقها أو وقف الخدمة بها.
وبينما يستمر الجدل حول قدرة المنشآت القائمة على استيعاب احتياجات المواطنين، خرج وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، في الخامس من أغسطس، للحديث عن مشروع إنشاء مدينتين طبيتين عالميتين في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين، بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 5 مليارات دولار.
وقال الوزير، في تصريحات تلفزيونية: "إن المدن الطبية تمثل نموذجًا بديلًا للمستشفيات التقليدية ذات السعات السريرية المحدودة، مشيرًا إلى نجاح هذا النموذج في عدد من الدول التي تطبق منظومات التأمين الصحي الشامل".
لكن طرح المشروع أعاد إلى الواجهة سؤالًا يتعلق بالأولوية: هل تحتاج المنظومة الصحية في المرحلة الحالية إلى إنشاء منشآت ضخمة جديدة، أم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتطوير ورفع كفاءة المنشآت القائمة، خصوصًا تلك التي تعاني من مشكلات في البنية التحتية أو لا تستوفي معايير الاعتماد؟
وتزداد أهمية السؤال مع استمرار تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل على مراحل، بعد مرور سنوات على صدور القانون رقم 2 لسنة 2018 ولائحته التنفيذية.
ثانيًا: أزمة نيابات الأطباء 2026
على الجانب الآخر، برزت أزمة حركة نيابات الأطباء لعام 2026 باعتبارها أحد الملفات التي أثارت غضبًا بين خريجي كليات الطب.
وبحسب تقرير نشره موقع «صحيح مصر» في 12 أغسطس، استُبعد نحو 1400 خريج من كليات الطب من التوزيع للعمل في المستشفيات العامة والجامعية، رغم حصول بعضهم على أكثر من 90% من إجمالي الدرجات.
وتكتسب أزمة النيابات أهمية خاصة، باعتبار أن النيابة تمثل المرحلة الأساسية التي يبدأ خلالها الطبيب التدريب والتخصص بعد انتهاء الدراسة وفترة الامتياز، ويتم خلالها توزيع الأطباء على الأقسام والتخصصات المختلفة لاكتساب الخبرة العملية تحت إشراف أطباء أكثر خبرة.
وأثارت الأزمة تساؤلات بشأن معايير الاختيار وآليات المفاضلة ومدى وضوحها أمام الأطباء.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن نقابة الأطباء مطالبات بمراجعة ما جرى في حركة النيابات الحالية، ووضع قواعد أكثر وضوحًا وعدالة في الحركات المقبلة، بما يسمح للأطباء بمعرفة معايير التوزيع والمفاضلة مسبقًا.
كما أشارت النقابة إلى أن اختيار التخصص يمثل مرحلة حاسمة في المسار المهني للطبيب، وبالتالي فإن أي تأخير أو غموض في الإجراءات يمكن أن ينعكس على خطته المهنية وبرامج الدراسات العليا التي يسعى إلى الالتحاق بها.
وتتمثل الاستجابة الحكومية المعلنة حتى الآن في بحث التظلمات، مع الحديث عن حركة نيابات إضافية في ديسمبر المقبل، وهو ما يراه منتقدون تأجيلًا لمعالجة الأزمة الأساسية المتعلقة بمعايير التوزيع.
زيادة الأجور.. حل للأزمة أم ملف مؤجل؟
بالتزامن مع أزمة النيابات، تحدث وزير الصحة عن توجيهات رئاسية بإعادة النظر في المقابل المادي لجميع أعضاء الفريق الصحي.
ونقلت صحيفة «الشروق»، في 10 أغسطس، عن الوزير قوله إن إعادة النظر في أجور العاملين بالقطاع الصحي ستكون تدريجية، موضحًا أن متوسط أجر الطبيب في منظومة التأمين الصحي الشامل يتراوح، وفق عرضه، بين 17 و18 ألف جنيه تقريبًا، مع اختلاف الوضع بالنسبة للأطباء المعينين أو المستعان بهم داخل المنظومة مقارنة بالأطباء المكلفين الذين يخضعون لأجور الحكومة التقليدية.
وتعيد هذه التصريحات طرح سؤال آخر: هل معالجة أزمة الأطباء تبدأ من زيادة الأجور فقط، أم أن تحسين بيئة العمل والتدريب والتخصص والتوزيع العادل للكوادر يمثل جزءًا أساسيًا من الحل؟
فالطبيب الذي يواجه صعوبة في الحصول على تخصصه أو لا يعرف معايير التوزيع التي تحكم مستقبله المهني، قد يرى أن المشكلة تتجاوز قيمة الأجر إلى منظومة العمل نفسها.
ثالثًا: أزمة الدواء وتسعير المستحضرات
أما الملف الثالث فيتعلق بسوق الدواء، الذي شهد خلال الفترة الأخيرة حالة من الجدل بشأن الأسعار وآليات التسعير وتوافر بعض المستحضرات.
وزادت حالة عدم اليقين بعد تداول أخبار حول حذف أسعار بعض الأدوية من العبوات، في وقت تتجه فيه هيئة الدواء المصرية إلى إدخال متغيرات اقتصادية في عملية التسعير، من بينها سعر صرف الدولار، ومعدلات التضخم، وأسعار الفائدة أو تكلفة الاقتراض.
وتثير هذه المتغيرات تساؤلات حول مستقبل نموذج تسعير الدواء، ومدى ارتباط الأسعار بالظروف الاقتصادية المتغيرة.
كما لم يتضح، وفق النص، موقف رسمي نهائي بشأن إلغاء القرار الوزاري رقم 23 لسنة 2017، الذي يتعلق ببيع المستحضرات الدوائية بالسعر المحدد لها، وهي القضية التي ترتبط بصورة مباشرة باقتصاديات الصيدليات.
وفي هذا السياق، سبق نقل موقع «القاهرة 24»، في مايو 2024، عن الدكتور حاتم البدوي، أمين عام شعبة الصيدليات باتحاد الغرف التجارية، أن نحو 1500 صيدلية أُغلقت بناء على طلبات أصحابها بسبب عدم قدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية.
الإنسولين.. بين التصنيع المحلي وتوفير البدائل
وفي قلب أزمة الدواء، برز ملف الإنسولين باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، نظرًا إلى اعتماد ملايين المرضى على هذا المستحضر الحيوي.
وخلال تصريحات إعلامية، أعلن وزير الصحة اتجاه الحكومة إلى وقف توفير بعض أنواع الإنسولين المستورد في مستشفيات التأمين الصحي، مع التأكيد على وجود بدائل محلية متوافرة.
وبرر الوزير التوجه بوجود وفرة في الإنسولين المحلي، وبالرغبة في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، مؤكدًا أن المنتجات المحلية يمكن أن تضاهي المستورد من حيث النتائج والفعالية.
وخلال جولة حكومية في 11 أغسطس، شدد الوزير على توافر الإنسولين بكميات كبيرة، ونفى ما يتردد بشأن نقصه، بينما وجه رئيس الوزراء بالتوعية بتوافر البدائل المحلية.
لكن التصريحات أثارت جدلًا داخل مجلس النواب، إذ نقلت صحيفة «الشروق» عن النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة، انتقادها ربط وقف الاستيراد بتوفير العملة الصعبة، معتبرة أن الأولوية في ملف الصحة يجب أن تكون لضمان احتياجات المرضى.
أرقام كبيرة لمرضى السكري
وتزداد حساسية قضية الإنسولين بالنظر إلى حجم أعداد المصابين بمرض السكري في مصر.
وبحسب البيانات الواردة في النص، تشير تقديرات الاتحاد الدولي للسكري إلى وجود نحو 11 مليون مصاب بالسكري في مصر، فيما تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن منظومتي التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة تتعاملان مع نحو 2.45 مليون مريض بالغ، إضافة إلى نحو 60 ألف طفل.
وتتضاعف أهمية توافر الإنسولين بالنسبة إلى مرضى السكري من النوع الأول، الذين يعتمدون عليه بصورة أساسية، وهو ما دفع نوابًا إلى المطالبة بتوضيح السياسة الحكومية بشأن المستحضرات المستوردة والبدائل المحلية.
توضيح حكومي لاحق
وفي محاولة لتوضيح الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الصحة، نشر المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، مساء 12 أغسطس، عبر الموقع الرسمي للوزارة، توضيحًا أكد فيه استمرار استيراد أنواع الإنسولين التي لا يتوافر لها بديل محلي.
كما أشار إلى توفير هذه الأنواع ضمن برامج العلاج على نفقة الدولة ومنافذ خدمات التأمين الصحي.
ويعني ذلك أن الجدل لم يكن متعلقًا، وفق التوضيح الرسمي، بوقف الإنسولين المستورد بصورة مطلقة، وإنما بالاتجاه إلى الاعتماد على المنتجات المحلية عندما تتوافر بدائل مماثلة.
المشكلة في ترتيب الأولويات
وتجمع الملفات الثلاثة بين قاسم مشترك، يتمثل في الفجوة بين المشكلات العاجلة والمشروعات أو التصريحات التي تستهدف معالجة المستقبل.
فإنشاء المدن الطبية قد يمثل إضافة مهمة للمنظومة الصحية، ورفع أجور الأطباء مطلب أساسي لتحسين أوضاع العاملين، كما أن توطين صناعة الإنسولين والأدوية يمثل هدفًا استراتيجيًا مهمًا لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تأتي هذه الخطوات بالتوازي مع معالجة الاختناقات القائمة، أم تحل محلها؟
ففي ظل محدودية الموارد، تصبح تكلفة الفرصة البديلة عنصرًا أساسيًا في تقييم السياسات الصحية. وإذا كانت هناك منشآت تحتاج إلى التطوير، وأطباء يواجهون مشكلات في التوزيع والتخصص، ومرضى يحتاجون إلى أدوية متاحة وبأسعار يمكن تحملها، فإن ترتيب الإنفاق يصبح جزءًا من الحل نفسه.
"الهروب إلى الأمام".. هل يؤجل الأزمات؟
يصف منتقدون هذا النهج بأنه نوع من «الهروب إلى الأمام»، أي الانتقال إلى مشاريع ووعود جديدة قبل إغلاق الملفات القديمة.
ويحذر هذا الاتجاه من أن تأجيل المشكلات لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها، بل قد يجعل تكلفة حلها مستقبلًا أكبر، خاصة عندما تكون الأزمة مرتبطة ببنية تحتية أو موارد بشرية أو نظام تسعير أو آليات إدارية.
وفي قطاع الصحة تحديدًا، لا تقتصر تكلفة التأجيل على الجانب المالي، إذ يمكن أن تمتد إلى ثقة المواطنين والأطباء والصيادلة والقطاع الخاص في السياسات الحكومية.
الإعلام الحكومي.. من التفسير إلى الدفاع؟
ولا يتوقف الجدل عند القرارات نفسها، وإنما يمتد إلى طريقة تقديمها للرأي العام.
فخلال الفترة الأخيرة، ظهرت تصريحات متتالية من وزير الصحة والمتحدث الرسمي للوزارة لشرح القرارات والرد على الانتقادات، إلا أن بعض المنتقدين يرون أن الخطاب الرسمي يميل أحيانًا إلى الدفاع عن القرارات وتبريرها بدلًا من تقديم بيانات تفصيلية حول المشكلات وأسبابها وآليات حلها.
وفي المقابل، ترى الحكومة أن طرح المشروعات الجديدة، والتوسع في التصنيع المحلي، وإعادة هيكلة منظومة الأجور، وتطبيق التأمين الصحي الشامل، كلها أجزاء من عملية إصلاح طويلة الأمد لا يمكن تقييمها بمعزل عن بعضها.
تضع التطورات الأخيرة وزارة الصحة أمام اختبار مزدوج: الاستمرار في مشروعات الإصلاح والتوسع المستقبلية، وفي الوقت نفسه معالجة الأزمات العاجلة التي تؤثر بصورة مباشرة في المرضى والعاملين بالقطاع الصحي.
فالمدن الطبية تحتاج إلى أن تترافق مع رفع كفاءة المنشآت القائمة، وزيادة أجور الأطباء تحتاج إلى قواعد واضحة للتخصص والتوزيع، وتوطين صناعة الدواء يحتاج إلى ضمان توافر البدائل وعدم الإضرار بحقوق المرضى في الحصول على العلاج المناسب.
وفي النهاية، لا تبدو القضية في اختيار المشروعات الجديدة أو رفضها، وإنما في ترتيب الأولويات وضمان ألا تتحول الحلول المستقبلية إلى وسيلة لتأجيل المشكلات الحالية.
ويبقى التحدي أمام حكومة الانقلاب هو إثبات أن التحركات الجديدة ليست مجرد تأجيل للأزمات، وإنما جزء من خطة متكاملة تعالج جذور المشكلة، وتضع احتياجات المريض والعاملين في القطاع الصحي في مقدمة أولويات الإنفاق والإصلاح.